spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 98
من مقدساتنا: باحة مقام النبي شعيب (ع)
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 135
العدد 134
العدد 133
العدد 132
العدد 131


 
الحركة الفكرية في الدولة الفاطمية طباعة ارسال لصديق
بقلم  د. سلمان حمود فلاح

كانت الحركة الإسماعيلية حركة فكرية إلى جانب كونها حركة سياسية. وكان الدعاة الإسماعيليون رغم المطاردة يجوبون أرجاء الإمبراطورية الإسلامية يبثون الدعوة ويطارحون المستجيبين والمعارضين على حد سواء فكرهم بالأدوات والأساليب الفلسفية التي تليق بأهل العلم ولهذا فقد انتشر مذهبهم في الطبقات المتنورة بشكل خاص.
وعندما قامت الدولة الفاطمية بعد عملية طويلة وواسعة من الدعوة ونجح قادتها في إقناع البلدان بسلامة اتجاههم، كان لا بد من جعل  مركز الحكم السياسي مركزا للسيطرة على تعاليم الدعوة والإشعاع الفكري من أجل تثبيت دعائمها.
وهكذا فما كادت القاهرة التي بناها المعز على مقربة من الفسطاط تصبح عاصمة الدولة الجديدة حتى أقام فيها المعز لدين الله الفاطمي الجامع الأزهر ليصبح أعظم وأهم جامعة إسلامية حتى يومنا هذا.
لقد اعتمدت الدولة الفاطمية بالإضافة لكونها حركة سياسية في الظاهر على التأويل الفلسفي متأثرة بذلك بالعلوم الفلسفية التي كانت منتشرة في الدولة الإسلامية، والتي يدخل فيها الفكر اليوناني القديم والفلسفة الفارسية والهندية والمصرية بالإضافة للمسيحية واليهودية.
ومن حيث كونها حركة فكرية فقد استوجب ذلك الاهتمام بنشر العلم وتهيئته عن طريق إقامة المراكز العلمية وتيسير المعرفة العامة والإكثار من المناظرات والخطب والندوات بقصد تعريف الناس بما تقول.
ولما كانت الدعوة الفاطمية استمرارا للدعوة الإسماعيلية وفرعا من فروعها فقد نظرت إلى الخلافة العباسية نظرة عداء ومضاهاة. فاهتم الخلفاء الفاطميون بأن يجعلوا عاصمتهم موئلا للعلماء والكتّاب والشعراء ونموذجا حياً لما أرادوه لأنفسهم من العظمة والمهابة. فشادوا القصور والجوامع وشقوا الترع والطرق وقدّموا للحضارة أروع الآثار الروحية والفكرية والمادية التي ما زالت شاهدة على عظمتهم إلى اليوم. كل ذلك بوقت تفككت فيه الدولة العباسية وضعفت قدرتها على العطاء فهجر العلماء عاصمتها وأخذت تضمحل وتنضب أمام ضربات الصليبيين وتمرد الولايات وتحكم الجند والوزراء في أمورها. ولم يكن للعلماء والشعراء في ذلك العصر من مستراح أكرم من الدعوة الفاطمية فانضووا تحت لوائها وتوجهوا إلى عاصمتها للانتفاع بمراكزها العلمية أو مجالسها الأدبية وقد سمعوا عن سخاء أربابها وتقديرهم لأهل العلم.

 المراكز العلمية:
لقد كان اهتمام الفاطميين بالعلم والتعليم كبيرا فوضعوا نصب أعينهم بث الروح العلمية في كافة المؤسسات الموجودة مثل المساجد والمعاهد والقصور وكل أماكن تجمع الناس ولأول مرة في التاريخ الإسلامي ظهرت عملية استعمال المساجد الكبرى كمعاهد تعليم، لذلك نرى أن الأماكن التالية احتوت المراكز العلمية:

 القصور:
لقد جعل الخلفاء الفاطميون وكذلك وزراؤهم ، قصورهم مراكز علمية لنشر الدعوة وكانت تشتمل على آلاف لكتب والمراجع. وكان في قصر الخليفة قاعة كبيرة دُعيت (المحول) معدة للاجتماعات والمناظرات يؤمها الخاصة وشيوخ الدولة وخدم القصر والطارئون على مصر وعامة الناس. وبمرور الزمن أصبحت هذه القاعات بمثابة مجالس الحكمة التي تُقرأ فيها قواعد المذهب الفاطمي من قبل قاضي القضاة. وأول من قام بهذه المهمة القاضي أبو حنيفة النعمان في أيام المعز وبأمر منه وذلك بعد أن فتح مصر وانتقلت الخلافة الفاطمية إليها.
 وكان قصر الوزير يعقوب بن كلس يضم عددا كبيرا من الموظفين يعملون في نسخ شتى العلوم والكتب كما كان يقيم الاجتماعات الكبيرة كل يوم خميس ويقرأ على المجتمعين من أهل العلم شيئا من مؤلفاته. وفي نهاية الاجتماع كان يتقدم إليه الشعراء بمدائحهم ويجزل لهم العطاء.
وكذلك كان الحاكم بأمر الله يجمع في قصره مجالس لمشاهير العلماء في شتى العلوم كالطب والرياضة والمنطق، للتناظر في حصرته ، وعند انفضاض المجلس كان يجزل لهم العطاء.

 دار الحكمة:
هي أكاديمية علمية التحق بها عدد من علماء الدين واللغة والنجوم والطب والرياضة. وقد ألحق بدار الحكمة جزء من مكتبة القصر وأضاف إليها وسماها دار العلم وخصص لها الأرزاق لتؤمن العيش للمشتغلين بها والقائمين على صيانتها. وتوافدت الناس إليها على اختلاف طبقاتهم وتباين ثقافاتهم ومهاراتهم العلمية.
وسرعان ما أصبحت هذه النار مركز إشعاع فكري يؤمها العلماء من كل لون للتناظر والمحاضرة أو للتزود مما فيها من مصادر نادرة. وقد توفر فيها الحبر والورق وأسباب الراحة مجانا. ويجدر بالذكر أنه سُمح لغير الفاطميين بالعمل فيها كالعلامة أبي بكر الأنطاكي (من شيوخ المذهب المالكي) الذي ألقى دروساً في المذهب المالكي فيها عملا بحرية الفكر ونزاهة العلم.
كما كان يجلس فيها داعي دعاة الفاطمية ويتكلم لمن يجتمع عليه من التلاميذ أو يلتقي فيها مع الدعاة والفقهاء للتشاور والتوجيه.

 المساجد :
كانت بمثابة دور للعلم ومجالس لإجراء المحاكمات حسب الفقه الفاطمي. وقد اهتم جميع الخلفاء الفاطميين ووزرائهم ببناء المساجد في أنحاء البلاد لهذه الغاية وأهم المساجد التي أقاموها مسجد الأزهر الذي حوّله الوزير بن كلس إلى جامعة أيام العزيز وبأمر منه وأصبح الأزهر موقوفا على العلم ويقدم لرواده ما يحتاجونه من وسائل المعيشة والراحة بدون مقابل. وجلس فيه قاضي القضاة يعلم أصول المذهب. وهذه أول مرة يقدم فيها معاش من الدولة لمن يعلم الناس.
على أن الأزهر لم يكن وقفا على الدعوة الفاطمية بل سُمح لبقية المذاهب أن تمارس حريتها فيه على أن لا يتعدى الأمر حرية الفكر.
 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2017 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.