spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 98
كلمة العدد: حينما كان الشيخ شيخا والزعيم زعيما
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 136
العدد 135
العدد 134
العدد 133
العدد 132


 
ضريبة الشاشية طباعة ارسال لصديق
بقلم السيد منير عطاللة
مدير مؤسسة الهدى التوحيدية


ضريبة غريبة وفريدة من نوعها، قام بفرضها يوسف الشهابي ، حاكم جبل لبنان من قبل أحمد باشا الجزار، حاكم عكا وشمالي فلسطين ولبنان. وبموجب هذه الضريبة أرغم كل شيخ يلبس العمامة، بدفع ضريبة للحاكم، لمجرد أنه يتزيا بهذا اللباس، فقد كانت الشاشية أو العمامة وما زالت جزءا من لباس كامل لرجل الدين الدرزي، فلم يكن بالإمكان  أن يضع أحدهم العمامة على هامته، وهو لا يتحلى باللباس المناسب، ويتقيد بالتعاليم المفروضة، وعليه طبعا أن يكون منتميا لدين التوحيد.
وقد انتخب الإقطاعيون الدروز، يوسف الشهابي هذا، ليحكم جبل لبنان من قبلهم، وكانوا منقسمين،  فاستغل الشهابي انقسامهم هذا، وفرض على المواطنين، وجلهم من الدروز، ضرائب باهظة، كي يرضي سيده أحمد باشا الجزار، وكانت ضريبة الشاشية من بينها. وقد جاء عن هذه الضريبة في كتاب " تاريخ الموحدين الدروز السياسي في المشرق العربي" لمؤلفيه د. سامي مكارم ود. عباس أبي صالح:" ...كثيرا ما كان طلب الجزار المستمر للمال، يدفع الأمير يوسف، لتغريم خصومه السياسيين في الداخل، أو لفرض ضرائب جديدة على الرعية. وفي سنة 1783 فرض الأمير يوسف ضريبة جديدة على لابسي العمائم، لم يعهدها الدروز من قبل، دُعيت بضريبة الشاشية. وبما أن هذه الضريبة تطال عقّال الدروز بالدرجة الأولى، ولم يسبق لأي حاكم أن فرضها عليهم من قبل، اعتبر مشايخ الدروز هذه الضريبة، امتهانا لكرامتهم. وقد حاولوا إقناع الأمير يوسف بالتخلي عن قراره،   وتروي إحدى المصادر، أن الشيخ  يوسف أبو شقرا ، شيخ مشايخ العقال، ذهب إلى دير القمر، ليفاوض الأمير يوسف بشأن رفع تلك الضريبة، غير أن الأمير يوسف ومدبِّره الشيخ غندور الخوري، تحديا الشيخ أبو شقرا مهددين متوعدين."
وعن هذا الحدث، كتب الدكتور محمد خليل الباشا، في "معجم أعلام الدروز" المجلد الأول، في سيرة الشيخ أبو زين الدين، يوسف بن أحمد أبو شقرا ما يلي:" كان رجلا عاقلا حكيما وقورا قوي الشخصية، تولى مشيخة العقل سنة 1778 بعد الشيخ علي جنبلاط ،في عهد الأمير يوسف الشهابي، وكانت له معه جولات ، بعضهم مسالم وبعضهم مخاصم، وأخصّها خلافهما بشأن ضريبة الشاشية، وتفصيله أن الأمير يوسف، فرض على الدروز الكثير من الضرائب والمغارم، وكان ألأمها ضريبة الشاشية، أي الضريبة على العمائم، وذلك سنة 1782، فاعترض المشايخ الدروز على هذه البدعة، فلم يعر اعتراضهم اهتماما، فذهب الشيخ أبو زين الدين يوسف إلى مقرّه في دير القمر، وحاول حمله على إلغاء هذه الضريبة، فلم يفلح، واحتدم بينهما الجدال فقال له الأمير :" البلاد لم تعد تتسع ليوسفيْن " فأجابه الشيخ :" المزروك يرحل"  وخرج غاضبا، فلامه الشيخ سعد الخوري، على إغضاب الأمير قائلا :" إنه سيُحمّي فرن الدير بشاشيات العقال" ، فانتهره الشيخ موبخا ومهددا، وذهب إلى بعقلين، فلم ينم إلا بعد أن كتب إلى وجوه البلاد الكتاب التالي :" إخواننا أبناء الطاعة، يقتضي حضوركم في النهار الفلاني إلى مرج بعقلين بالأسلحة الكاملة والمؤن والذخائر الوافرة لأمر يحبّه الله".
وفي الموعد المعين، كان راكبا بغلته، وسائرا نحو دير القمر، وهو ينشد :" عالمصطفى زيدوا الصلاة". ووراءه سبعة آلاف مقاتل، يرددون الأناشيد الدينية، فترتج منها أودية الشوف. فوقع الرعب في قلب الأمير يوسف الشهابي وحاشيته، واستعد للهرب، فأمسكه شيوخ آل نكد، أصحاب دير القمر، ودخلوا في الصلح، فاضطر الأمير لإلغاء تلك الضريبة التي ابتدعها وضرائب أخرى، وبعد هذا الحادث راق جو العلاقة بين الأمير والشيخ، وكثرت الاجتماعات، على صفاء من قبل الشيخ، ودغل من قِبل الأمير، إلى أن حان الوقت الذي رآه الأمير مناسبا، فأمر بأن يُدسّ له السم، وهو على مائدته، فمات الشيخ يوسف، ومرافقه الشيخ خطار نجم أبو شقرا، وكان ذلك سنة 1775".
وجاء عن هذه الضريبة في كتاب الأستاذ سعيد الصغير " بنو معروف في التاريخ" :" بعد أن قويت سلطة الجزار فرض ضريبة الشاشية، فرفضها الدروز، لأنه خص بها أصحاب العمائم، فأعلن الأمراء اللمعيون العصيان، وأرسل الجزار عسكرا حارب الدروز في البقاع، وأحرق لهم عدة قرى. وقد استاء الدروز من الأمير يوسف لموافقته على هذه الضريبة... وبعد جدل مع الشيخ يوسف أبو شقرا، أقنعه النكديون بإلغاء هذه الضريبة خوفا من الثورة. وقد استغل الجزار الخلافات بين الأمراء الدروز لتنفيذ مآربه"
ووردت تفاصيل جديدة عن ضريبة الشاشية، في المخطوطات التوحيدية، نقتبس التفاصيل التالية، عن كتاب الأستاذ غالب سليقة "تاريخ حاصبيا وما إليها"  حيث يقول: " بعد أن فرض الأمير يوسف ضريبة الشاشية على العقال الدروز، ظنا منه أن بالإمكان تحصيلها هكذا، تداعى إلى رفضها شيوخ الدروز في اجتماع عُقد في بلدة الباروك. وبعد الاجتماع والتداول قرر المجتمعون إرسال أحدهم لمقابلة الجزار في عكا، وحثه إما على طرد الأمير يوسف، وأقله إلغاء تلك الضريبة المفروضة. وبعد انفضاض الاجتماع المذكور، حضر شيخ العقل آنذاك، التقي العالم الشيخ حسين الماضي من بلدة العبادية. وعندما عُرضت عليه مقررات الاجتماع، أبى إلا أن يكون هو الذي يقابل الجزار، مهما تكن المخاطر ونتائج الأقدار. وعند وصوله إلى مقر الجزار في عكا، وبعد عرضه عليه المطالب المذكورة، من قِبل جماعته الدروز، نظر إليه الجزار مليا، ثم بادره: أن طلبكم مقضي أيها الشيخ، شرط إذا أجبتني على سؤالي. قال الشيخ : تفضل ما هو؟ قال الجزار: " ما رأيكم بي، هل أنا ظالم أم عادل؟" تفرّس به الشيخ مليا، ثم أجابه بكل رصانة ووقار : أيها الوالي الكريم: أنت لا ظالم ولا عادل" دُهش الجزار لهذه الإجابة، ثم قال: كيف؟ أكمل الشيخ إجابته : وما أنتم إلا عبد بين يدي الخالق الديّان، وما هذه الجموع التي تأمرون بقتلها، إلا سوى أصحاب النفوس قد أشركت وكفرت بخالقها، بعد أن ضلت عن الطريق القويم والدين الحنيف فاستحقت العقاب، وما أنتم إلا أداة تنفيذ بيد المولى لإكمال ذلك."
اندهش الجزار عظيم الاندهاش، لبلاغة الجواب وجرأته، وبعد أن تفرّس في الشيخ من جديد قال: يا شيخنا الجليل، ولا شك إجابتكم هذه من عمق إيمانكم بمولاكم، واقتناعا راسخا بمعتقدكم، طلبكم مقضي وإرادتكم مطاعة." ثم أمر أحد غلمانه أن يقدم هدية للشيخ، عبارة عن كيس مليء بالنقود. شكره الشيخ بقوله: طيلة حياتي، لم أعرف المال بيدي، ولم آكل من غير جد ذراعي" بعدها قدّم له عباءة صوفية كي يرتديها. أجابه الشيخ أيضا، وبكل شكر وامتنان، أنه لتاريخه لم ارتد على جسدي أي لباس من حياكة نولي، وربما أحد أتباعكم أحق بها مني. أخيرا قال الجزار: يا شيخنا، لا أرضى إلا أن تقبل مني أية هدية. فهل قبلت هذا المصحف الكريم ؟" سُر الشيخ لهذه الهدية الثمينة، ثم قبّل المصحف ووضعه في صدره وقال: ليس أثمن من هذه الهدية سوى العمل بمضمونها. ثم انصرف بعد أن شكر الوالي جزيل الشكر".

 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2017 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.