spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 134
نشاطات طائفية
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 134
العدد 133
العدد 132
العدد 131
العدد 130


 
قيمة العمل في نظر الدروز طباعة ارسال لصديق
بقلم  د. رمزي حلبي، دالية الكرمل

كان وما زال أبناء الطائفة الدرزية يعتبرون أنفسهم أهل العمل والجد، فهم مجتهدون، مواظبون، ذوو مسؤولية وأصحاب معنويات وأخلاق عالية. ينبع هذا الوضع من التعاليم المذهبية الدرزية، التي توجّههم لتحمّل مسؤولية أعمالهم، ولتحقيق إنجازات بارزة في كل عمل يقومون به. وينبع هذا أيضا، من كونهم في السابق مجتمعا ملاحقا، وبسبب اضطرارهم إلى الدفاع المستمر. وينبع كذلك من طبيعتهم وأخلاقهم والتربية العامة التي ينشأون عليها.
فهم في الدرجة الأولى قرويون، وللقرية صفات تتميّز بها، فقد عاشوا في قرى صغيرة، حيث يعرف كل واحد كل شيء عن الآخر. وهذه الشفافية بينهم، جعلتهم يتصرفون بتلقائية وحسب الحاجة، فهم ليسوا أجيرين عند أحد، وبقدر ما بذلوه في أرضهم، حصلوا على نتائج. وعندما انتقلوا من أرضهم إلى العمل عند الآخرين، عملوا بنفس الروح وبنفس الشروط والمنطق.
 والدروز مزارعون، وعلاقتهم بالأرض وحبهم للأرض والتصاقهم بالأرض، بعث فيهم صفات وأخلاق خاصة. فالمواطن الدرزي تعلم أن يجد في الأرض كل شيء: فيها يبني بيته، وعندما يحفر بها يجد الماء، يحرثها ويزرعها ويأكل الثمار، وفي النهاية يُدفن فيها. هكذا وجدنا أن أي مزارع تسلم أي قطعة أرض، إذا عدتَ إليه بعد فترة، تجده قد نظفها وحرثها وزرعها، وجعلها قطعة فنية جميلة.
 والدروز هم قوم جبليون، فقد اضطروا أن يعيشوا في قمم الجبال، وفي أماكن غير مريحة، هربا من الاضطهاد. وهناك الأراضي الزراعية غير متوفرة، لكنهم يجب أن يعيشوا من الأرض، هكذا اضطر المواطن الدرزي أن يخلق من الأرض مصدر حياة حتى في أعالي الجبال. فمن يقترب من قرى درزية زراعية، يجد رؤوس الجبال وسفوحها مرتبة مزروعة، فيها جدران وتزخر بالخضرة. وكان الفلاحون يتبارون أي قطعة أرض أجمل، وأي قطعة مرتبة أكثر. وبما أن العمل في الأرض كان عائليا، فقد تحوّل هذا الحماس إلى كافة أبناء العائلة، وأصبح الجميع شغوفين أن يعملوا بإخلاص وبدون تضييع وقت، من أجل الحصول على نتيجة. وقد أثر على ذلك، الجو الأبوي القائم في العائلة الدرزية، فحتى عندما يستأجر الفلاح الدرزي عمالا من الخارج، فهو ينظر إليهم وكأنهم من أبناء العائلة. وهذا يضطر العامل الغريب أن يكون مخلصا لعمله.
 بالإضافة إلى كل ذلك، يجب أن ننوّه العامل الاشتراكي في العمل، فالشغل في زراعة الأرض ليس فرديا، والعمل يطلب أكثر من شخص، فقد كان لكل عائلة عدة دونمات، وهذا تطلب منها أن تجنّد كل أفراد الأسرة للعمل. فكان الجميع يستيقظون باكرا، الأب والأم والأولاد، وينتقلون إلى الحقل، ويعملون بجد. وبما أن غالبية المواطنين الدروز كانت متدينة، والدين الدرزي يحث المواطن على التسابق والتقدم، فالمتدينون الدروز يتبارون، من حفظ أكثر، ومن فهم أكثر، فمن حفظ أكثر لا يحصل على جائزة من أحد، لكنه يشعر بينه وبين نفسه، أنه قام بواجبه اتجاه نفسه واتجاه الله. وهذه المنافسة في الدين، تتحول إلى منافسة في العمل. فكل إنسان كهذا يعمل في مجال يرغب أن يثبت أنه الأفضل والأحسن، وهذه المنافسة تجرف الجميع لتقدم جماعي.
 ومن هنا، يضطر العامل أو المشتغل أن يكون مستقيما ومخلصا للمصلحة التي يعمل فيها، سواء كانت له أو كان أجيرا فيها. فصاحب العمل الذي يوكّل شابا درزيا في حانوت، أو مكتب، أو أي مصلحة، هو متأكد دائما أنه لن يسرق، وأنه لن يهمل، وأنه يقوم بواجبه على أحسن وجه. فشيوخ الدروز يعظون وينادون دائما بالاكتفاء بالقليل وبالتواضع وعدم الطمع، فالمتدين الحقيقي يجد أن هدفه في الحياة هو التعمق والتبحر في الدين، وتقبل الروحانيات، وكل شيء آخر مادي هو تافه في نظره. فإذا اشتغل في مكان ما، لا يطمع بالاستيلاء أو الحصول على شيء، وإنما يرجو من نفسه فقط، أن يقوم بالجهد المطلوب مقابل الأجر الذي يحصل عليه. فالدرزي المتدين، مأمور أن يعيش من عرق جبينه، وأي درزي لا يقبل قرشا لم يتعب من أجله. والمتدينون الدروز المتشددون، يرفضون الحصول على أموال حكومة أو حكام، لأنها حُصل عليها قسرا، كذلك لا يقبلون بأموال اليانصيب والسحب او الفوائد أو الإستثمارات. والنقود الوحيدة التي تعتبر حلالا لهم، هي التي يحصلون عليها مقابل عملهم. طبعا إنسان كهذا لا يسرق ولا يخبئ ولا يستولي على أي شيء ليس له.
الكثيرون من أبناء الطائفة الدرزية، يعملون في دول الخليج، وفي أماكن مختلفة من العالم. وقد ذاع صيتهم هناك، أنهم مجتهدون وأصحاب مسؤولية ويقومون بعملهم بدون أي طمع،  وبدون أي خلل، وإنما يحافظون على أملاك غيرهم أكثر من أملاكهم، كذلك إن كانوا موظفين أو مجندين أو أشخاص يعملون في أي مصلحة يعتبرون أن أفضل شيء يقدّمونه هو الإخلاص في العمل وإنجاز أكبر ما يمكن لصاحب العمل، مقابل الأجر الذي يحصلون عليه.


 
فقرة من كتاب يصدر قريبا للدكتور رمزي حلبي
بواسطة دار " آسيا" بالعبرية بعنوان:
"قيادة اقتصادية ومبادرة في الطائفة الدرزية في سرائيل"


 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2017 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.