spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 75
من ملفات عضو الكنيست السابق السيد أمل نصر الدين: وزارة
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 137
العدد 136
العدد 135
العدد 134
العدد 133


 
كلمة العدد: ما أحوجنا إلى مثل هؤلاء الفقراء ! طباعة ارسال لصديق

 
يروى أن شيخا، عاش في إحدى القرى حول خلوات البياضة، في بداية القرن التاسع عشر، وقد أنعم الله، سبحانه وتعالى ، عليه بثروة طائلة، وأصبح ميسور الحال، وافر الإمكانيات، كما أنعم الله عليه، بأن ولد له خمسة وثلاثون حفيدا، كانوا من زهرات الشباب، يتمتعون بالفروسية والشجاعة والبسالة. فتحمس وزها الجد الفخور وقرر، أن يبني بيتا جديدا، وشرع بالبناء وأخذ يرفع فيه، وهو يقول: سأظل أرفع بالبناء، حتى أرى الدجاج في سهل البقاع.. وذات يوم مر به رجل من أهل القرية، وقال له: "يا شيخ، لا تتعب نفسك، فكل بناء يُهدم، وكل حي يُعدم، ولا يبقى إلا العمل الصالح" عندها، اتعظ الشيخ بهذا القول، وأقلع عن مشروعه الخيالي..
هناك، وفي شعاب ووهاد وادي التيم الأسطوري، حيث تنقّلت خطوات مولانا بهاء الدين عليه السلام، والست سارة رضي الله عنها، والشهيد الداعي عمار رضي الله عنه، وسيدنا الشيخ الفاضل رضي الله عنه، وجُلّ مشايخنا وكبارنا على مرّ العصور، هناك، وتحت سقوف خلوات البياضة الزاهرة، المنتشرة بين أشجار السنديان، والصبر، والصنوبر، بين أحضان الطبيعة الوادعة، في هذا المكان، جرت أكبر عملية خلق في التاريخ، حيث نما وترعرع مذهب التوحيد، واستعاد قوّته، وشبّ وانطلق، بالرغم من كل التحديات، وكل التسلط  والقمع والمطاردة، شب بعونه تعالى، ليس في القصور والبيوت الفخمة، والمراكز العامرة، وإنما في أكناف البيوت البسيطة الوادعة، وفي ثنايا الخلوات القدسية الهادئة، وفي بطون القرى الحصينة المنيعة. شب هذا المذهب بكل عظمته، وكل رسالته، وكل فضائله، وكل بلاغته، مُسبغا على كل من اقترب منه، والتزم به، هالة كبيرة من القدسية والروحانية والإيمان الزاخر العريق، ممزوجة بالتواضع، وبالحلم، والرِّقة، والنعومة، والهدوء، والتسامح، وكل الفضائل الأخرى.
ومن كل الفضائل والمناقب التي يتميز بها المذهب الحنيف، نتركّز اليوم بخصلة رئيسية حميدة هامة، هي عمل المعروف والخير والحسنى بالستر، ومن دون توقع الحصول على مقابل.  ومذهبنا الحنيف يدعو في كل كلمة من كلماته، وفي كل سطر من سطوره، إلى عمل الخير والتعاون وإلى تقديم المساعدة، وإلى دعم الإخوان وحفظ أهل الدين وغير اهل الدين، والتكاتف، والتعاضد، والتعاون، والمؤازرة، والترابط، والمشاركة، والمساندة،وهذا أمر مفروغ منه دينيا ومذهبيا، والامتحان عندنا هو امتحان التطبيق، فهل ننفذ؟ وهل نقوم بواجباتنا؟ وهل نطبّق وهل نسعى إلى عمل ما يوحيه إلينا رؤساؤنا واقطابنا؟
 ومن الصعب الإجابة على تساؤل كهذا، فمن جهة واحدة ، نشعر لأول وهلة، أننا مجتمع مليء بالصراعات والتنافر والعقد النفسية، والخلافات الداخلية والتشابكات على أشياء تافهة، وعلى أمور زائلة، وعلى قضايا ليست ذات قيمة. ومن جهة ثانية، تصل إلى آذاننا، وإلى أسماعنا، أخبار مطربة منعشة عن قصص وحكايات، لأناس قاموا بفعل الخير، وأسدوا مساعدة، ولم يعرف عنهم أحد، لأن هدفهم كان المساعدة فقط، وليس إشهار هذه المساعدة. ولا شك أن قرانا وحاراتنا مليئة بأعمال الخير التي تجري بين الأفراد دون أن تبلغ آذان باقي الجمهور، وهذه طبعا ظاهرة خيّرة مستحبة نحترمها ونقدرها ونشجعها.
وفي الآونة الأخيرة، أنعم الله سبحانه وتعالى علينا، ببعض الهدوء، وتوقفت المطاردات والملاحقات الدينية والسياسية التي كانت نصيب طائفتنا خلال ألف سنة، فانتعش المجتمع الدرزي، واخذ يقوم ببناء أسسه وأركانه، وبتحقيق الغاية من وجوده. ففتحت فرص العمل أمام الجميع، وأصبح بإمكان كل مواطن أن يبني بيتا، ويقتني سيارة، ويحصل على ثقافة، ويحقق ما يريد. والحمد لله، أوضاعنا الاقتصادية في كافة التجمعات الدرزية،في سوريا ولبنان وإسرائيل والأردن، هي بكل خير نسبيا، فهناك بعض الأوساط الضعيفة الفقيرة، لكن الفرصة مفتوحة أمامها أن تكد وتجتهد، وأن تعمل لكي تنقذ نفسها من براثن الفقر والإهمال. وبصورة عامة، الأوضاع مستقرة ومطمئنة، وتوحي بالراحة والهدوء.  لكن يظل في كل مجتمع، القسم المظلم من هذا المجتمع، وهو القسم الفقير المهمل، الذي يعيش في هامش المجتمع، وهو بحاجة إلى مساعدة، وإلى دعم، وإلى سند ورعاية واهتمام.
 ومما يلفت النظر عندنا، أننا نسمع عن وجود مؤسسات تطوعية وجمعيات خيرية، تقوم بدعم الأوساط الفقيرة، والعائلات المستورة، خاصة في أيام عيد الأضحى المبارك. ففي قريتي الكرمل، نعلم عن وجود أكثر من مؤسسة تجمع الحاجيات قبل العيد بأشهر، وتركزها وتوزعها بمناسبة العيد، على العائلات المستورة، كي تستطيع أن تقوم بشعائر العيد بالشكل الصحيح، ومثل بقية الناس. وهذه الجمعيات تضم مجموعة من السيدات الفاضلات، ذوات الكرامة، والشهامة، والمروءة، واللواتي تضحين بوقتهن الثمين على حساب بيوتهن، من أجل جمع الحاجيات وتنظيمها وترتيبها وتوزيعها على العائلات المناسبة. وقد علمت من بعض النشيطات في هذه الجمعيات، اللاتي قمن بتوزيع الحاجيات على العائلات، تصريحهن، أن السعادة التي تراها تلك النشيطات في عيون الأولاد والأطفال، الذين يصلون إليهم، تساوي كل مال الدنيا، ففيها أكبر عزاء، وفيها أكبر راحة ضمير، على الجهد الذي أهدر في هذا المجال. فكثيرا ما كانوا يصلون إلى بيوت خيّم فيها الأسى والحزن، لأن إمكانيات العائلة محدودة، وأوضاعها الاقتصادية صعبة، وهي قابعة في بيتها، تفكر كيف وماذا ستفعل، عندما تحلّ أيام العيد، وليس في بيتها شيء. فعند وصول نشيطات الجمعيات إلى هذه البيوت، تتغيّر الأجواء، وتعم الفرحة، وتبتهج النفوس، وتشعر هذه العائلات، بالزهو وبالفخر، أنها تنتمي إلى مجتمع كبير ناضج سليم معافى، يهتم بكل أجزائه، ويرعى كل فقراته، ولا يترك حسرة أو حزن في نفس أحد.
 وإذا راجعنا التاريخ، نجد أن أحد كبار مشايخنا وعلمائنا في القرون الأخيرة، فضيلة الشيخ الفاضل رضي الله عنه، نشأ فقيرا رقيق الحال، وبنى لنفسه كيانا كبيرا لم يصل إليه أكبر الأغنياء والموسرين والأثرياء. ونرى كذلك، فضيلة الشيخ التقي، الشاعر الملهم، الذي نترنم خلال سهرات ليالي العشر المباركة على أشعاره، البليغة الفصيحة المفعمة بالمعاني الروحانية، وبالألفاظ البلاغية، الشيخ علي الفارس، رضي الله عنه، الذي ترك بيت والده فقيرا لا يملك شيئا، ولجأ للعيش في كهف بين يركا وجولس، ثم انتبه إليه مشايخ آل طريف، فاحتضنوه ومنحوه الإطار المناسب، لنبوغه ولمواهبه ولقدراته.
 وكلما عدنا  لتاريخنا، نجد أن هناك أمثلة أخرى مشرقة مضيئة، لأناس نشأوا في بيت فقير بسيط لكنهم، انتُشلوا بعونه تعالى، وبلغوا شأوا كبير من العزة والكرامة والشهرة. ونحن وفي ثنايا مقدساتنا، نحترم ونجل ونقدر زهرة اللوطس (الأهليلج)، هذه الزهرة  التي تبرز بجمالها ورونقها، وتفح منها الروائح العطرة، وتنمو بخمسة ألوان، وهي لا تنبت إلا في المستنقعات، لكنها تكبر، متخذة لها خصائص تختلف عن البيئة التي تعيش فيها، وذلك كناية إلى أن الله سبحانه وتعالى، يمكن أن يخرج من أي مجتمع، ومن أي حاضر، ومن أي تكوين، سواء كان صالحا أو غير صالح، أو كان سليما إو غير سليم، يمكن أن يخرج من هذا التكوين، إمكانيات ضخمة كبيرة. لهذا علينا ألاّ نهمل الثنايا الضعيفة في مجتمعنا، والأطراف المشلولة فينا، والعناصر الفقيرة عندنا، علينا ألا نهملها وألا نستخف بها، فيمكن أن تخرج من بينها في المستقبل قدرات وإمكانيات كبيرة.
وفي أيام وليالي العشر المباركة، نسمع في الخلوات وفي الدواوين، قصص الزهاد والعباد والصوفيين الكرام، الذين كانوا بغالبيتهم ابناء أمراء وملوك وأغنياء، وبإلهام ربّاني، وبلحظة إشراق وتدين قصيرة، تركوا كل ملذات الدنيا، واستبدلوا الديباج والسندس بالثياب الرثة والصوف الخشن، وقبعوا يسكنون في كهوف أو في بيوت فقيرة نائية، لا ينتبهون إلى ما يجري حولهم، لأنهم يحتضنون كنزا كبيرا، وثروة عظيمة، وخزائن فخمة من الإيمان والروحانيات والتقوى وذكر الله. ومن كان يحمل اسم الله، سبحانه وتعالى، ويرفع ذكره شعارا، ويتخذ اسمه سبيلا، فهو بذلك يملك أكبر الثروات في العالم، وأهم الكنوز التي يمكن فقط أن تكبر، ولا يمكن أن تقل أبدا، لأن عظمة الله سبحانه وتعالى، ليس لها حدود وليس لها نهاية. وفي طريق الصوفيين عبرة ودرس وعظة بالنسبة للتواضع ومعرفة الله وسلوك طريق الخير. وهذه أول درجات التدين وفيها كذلك درس بالنسبة للمساعدة والدعم، ونوردها هنا للإشارة، أن العظمة والخلق والنيافة والأعمال البطولية الخارقة، لا تكمن دائما في القصور والمراكز الكبيرة، والعائلات النبيلة، والمؤسسات الرائدة فقط، وإنما يمكن أن تكون، وأن تنبثق، وان تنمو في الأوساط الفقيرة المهملة، وأنه قد يكون هناك وضع، تسمع فيه ما يذهلك، وما يفاجئك، عن عمل بطولي خارق، أو عن تصرف سليم، وتعامل وسلوك قويم، لا تتوقع أن تسمع عنه من هذا المصدر.
وفي هذا السياق، يطيب لنا أن نستعيد ما ذكر عن المرحوم الشيخ ابو علي الحناوي، الذي زار مدينة حاصبيا، وحل فيها ضيفا  على الوجيه سليم بك شمس. وأثناء الحديث طلب الشيخ أبو علي من مضيفه، أن يدعى إلى الديوان رجلا اسمه حسن شروف، وكرر طلبه. ولم يكن للرجل بين مواطنيه من أهمية توجب طلبه بهذا الإلحاح من قِبل الشيخ، ولما جيء بحسن شروف أجلسه الشيخ أبو علي الحناوي إلى جانبه، وراح يمدحه ويكرّمه، حتى أنه أعطاه القهوة قبله، وتلك عادة كان لها معناها في ذلك الزمان. فاستغرب الناس وأدرك الشيخ استغرابهم فتوجه إليهم قائلا:" كان حسن شروف في عداد قافلة عائدة من دمشق إلى جبل الدروز، (وكان الشيخ الحناوي من عداد القافلة)، وبوصولهم إلى أرض الرُّقّاد في حوران، تصدّى لهم قاطع طرق اسمه صالح الطيار مع خمسين فارسا، لغرض سلب القافلة. وكاد ينجح، لولا أن تصدى له حسن شروف وقتل بعض رجاله وخيوله، واضطر البدوي أن ينهزم عن القافلة، وأن تتابع سيرها بأمان نحو الجبل." . عندها توجه  سليم شمس إلى حسن سائلا: ولماذا لم تخبرنا عن هذه الحادثة حتى الآن!!. فقال حسن: لو أخبرتكم إياها، لما صدّقني أحد منكم، لأني فقير...
فما أحوجنا إلى مثل هؤلاء الفقراء بيننا...


ولتبقى أيامكم كلها أعياد..

سميح ناطور

دالية الكرمل
كانون اول 2008

 
 
التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2017 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.