spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 123
القرى الدرزية بجانب جبل الشيخ
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 142
العدد 141
العدد 140
العدد 139
العدد 138


 
حرمون ـــ جبل الشيخ طباعة ارسال لصديق
بقلم السيد منير عطاللة
 رئيس مؤسسة الهدى التوحيدية


حرمون  وباسمه الحديث، جبل الشيخ، هو أعلى جبال السلسلة الشرقية المعروفة بأنتي لبنان، الممتدة على الطرف الشرقي لسهل البقاع، بطول 170 كم في وضع متواز تقريبا مع السلسلة الغربية. وهي تنحدر سريعا نحو الغرب باتجاه البقاع، تحت تأثير الأخدود الإنهدامي. بينما تنحدر ببطء شديد إلى الشرق حيث البادية السورية. يخترقها شق عرضي عند وادي القرم، ويقسمها إلى قسمين: القسم الشمالي : وهو الكتلة الرئيسية، ويبلغ أقصى ارتفاعه 2629 في قمة موسى , القسم الجنوبي، وهو أقل اتساعا من القسم الشمالي، ولكنه أكثر ارتفاعا، وفيه جبل حرمون وارتفاعه 2814م. يقع الجبل على الحدود المشتركة لسوريا ولبنان وإسرائيل، ويمتد  من مدينة بانياس السورية في الجنوب، إلى جبل المازر المتاخم لقرية دير العشائر قضاء راشيا، بطول 60 كم وعرض 30 كم. يرتفع إلى أعلى بشكل هرمي، يتصاعد باضطراد من الأودية السحيقة إلى القمة الشاهقة. وبالنظر لانحرافه منفردا عن بقية الجبال من حوله،  فإن في وسع من يقف على هذه القمة أن يرى الشواطئ اللبنانية والإسرائيلية حتى جزيرة قبرص، وأن يشاهد القدس وجبل عجلون، وسهول سوريا حتى بادية الشام، وسهل البقاع حتى بعلبك، وجبال لبنان حتى صنين.
 تسميته حرمون قديمة، فقد ذكر المؤرخ فيليب حتي قوله : "إن جبل الحرمون بفضل تكوينه الطبيعي وموقعه الجغرافي، هو أجمل قمة في هذه السلسلة وأشدها روعة وجلالا، وأبرزها إلى عين الرائي من مسافات بعيدة، واسم حرمون، عبراني الأصل ومعناه مقدّس." وقد سمّاه الأموريون "شنير" وسماه الفينيقيون "سيريون". وكان هذا الجبل مقدسا للإله بعل حرمون الذي ظلت عبادته معروفة إلى زمن طويل بعد كتابة أسفار العهد القديم. واسمه الحالي بالعربية جبل الشيخ كناية إلى الرأس المكلل بالثلج، كما يكلل الشيب رأس الشيخ. عرّفه جغرافيو العرب بجبل الثلج، وقد تكون هذه التسمية ترجمة لاسمه في الآرامية "طور تلجا".
وهناك اعتقاد أن التسمية، باسم جبل الشيخ هي تسمية درزية، فالجبل محاط بكافة جهاته بقرى درزية، وتعود هذه التسمية إلى ثلاثينيات القرن السابع عشر، أثناء حملة أحمد كجك باشا، وزير الحربية في السلطة العثمانية ضد الأمير فخر الدين المعني الثاني. ولما كان الشيخ محمد أبي هلال، المعروف بالشيخ الفاضل (ر)، وهو أحد كبار الدعاة الأولياء الأتقياء لدى الدروز، وقد نشا وعاش في بلدة عين عطا، جارة حرمون، فإن الأتراك، وفي حملتهم على وادي التيم، داهموا عين عطا مرات عديدة بحثا عن الشيخ الجليل، وفي كل مرة يسألون:  أين الشيخ؟  فيشير الأهالي بالبنان "الشيخ في الجبل". فقد كان الشيخ يقضي أياما في مغارة في السفح الغربي للحرمون، اتخذها للتعبد والمذاكرة. ومع الوقت تكررت محاولات النيل من الشيخ، وتكررت الإجابة "الشيخ في الجبل" فبات يُعرف الجبل باسم جبل الشيخ محمد.
يتسم حرمون بسِمَة قلّما عرفها جبل في العالم، إضافة إلى هيبته الكبيرة، يبدو للرائي الجوّال، في هضابه وأوديته وتضاريسه المدببة والمسطحة، خميلة مدهشة الألوان والانعكاسات. فأي إطلالة عليه تضفي لونا مختلفا، يتبدّل ويتنوّع في النهار الواحد بتبدل الساعات ومواقع الشمس. هذا التنوع يبلغ ذروته، عندما تميل الشمس إلى المغيب، فتتحوّل السمرة التي تغلب على الجبل إلى صفراء، وتغدو تربته بنفسجية، ينعكس عليه الشفق، فتغدو حمراء فاتحة، ثم ينمحي المشهد المزخرف عند هبوط الليل وتتوشى على تلك الكتل السامقة بالضوء الفضي تحت ضوء القمر المنسكب عليها من السماء. يقصده الزوار للاستمتاع بمشهد شروق الشمس وغروبها، والسهر مع القمر وشعشعة النجوم، التي يشعر المرء أنه قادر على التقاطها لقربها من السماء، هذه الروعة قد لا تجد لها مثيلا في العالم.
وتوجد في جبل حرمون تربة خاصة بسبب التضاريس الطبيعية، وأوضاع المياه فيه، ولذلك فهو يحتوي على نباتات فريدة من نوعها. فقد كان حرمون عامرا بالأحراج في العهود السابقة، أكثر من الوقت الحاضر. وكل المصادر التاريخية كانت تتحدث عن غابة غضة كانت تغطي حرمون، تتشابك فيها جميع أنواع الشجر، الذي ما زال ينمو في محيط الجبل منها: السنديان، الملول، البلوط، الشوح، الزعرور ، الشربين، البطم، البرقوق، القيقب، والعجرم. وتشير المصادر التاريخية، أن أخشاب لبنان عامة وحرمون على الخصوص، كانت تموّل دور الصناعة في العالم القديم، لا سيما صناعة السفن، وأدوات الحرب، وتزيين القصور والمعابد. وهذا ما أدّى في فترات تاريخية متعاقبة، إضافة لعوامل الطبيعة، إلى زوال هذه الغابة. وذكرت مراسلات تل العمارنة أن جالية مصرية كانت تقيم في جبيل، أوفدها الفراعنة إلى المنطقة، لتزويد مصر بالأخشاب اللبنانية. وقُدّرت شحنة الخشب الواحدة في عهد الفرعون سنفرو، بحمولة أربعين سفينة، ووُجدت بقايا أخشاب الأرز في قبور الفراعنة المكتشفة حديثا. وتقول التوراة، إن أحيرام ملك صور الفينيقي زوّد الملك سليمان بالأخشاب اللبنانية لبناء الهيكل، كما وُجدت كتابة في قصر يوسف الفارسي في مدينة سوسة تقول :" الخشب الذي يُدعى نورينا الأرز مصدره جبل يدعى لبنان." 
يمتاز حرمون بغطاء عشبي كثيف متنوع، نادرا ما يعرف اليبوسة، بفعل الوشاح الثلجي الأبيض، الذي يغطي المنطقة معظم أيام السنة. ومنها ما هو صالح للأكل، كالخبازي والهندباء والرشاد والشومر والزعتر، ومنه ما هو صالح للحيوانات، وآخر يدخل في عداد الأعشاب الطبية الفريدة، حيث يمكن وصف حرمون بالصيدلية الطبية الغنية بصنوف لا تتوفر في أي مكان في العالم يقصدها العرب والأجانب من أماكن بعيدة، في سياق ما يصح تسميته بالسياحة العلاجية. ويروي المسنّون، أن المغاربة كانوا يقصدون جبل الشيخ في الخمسينات، للحصول على عشبة قاتلة للأمراض، تبعث إشارات ضوئية ويضعون عليها الرماد لتمييزها في الصباح بعد شروق الشمس. وفي المدة الأخيرة ظهر نبات الزلّوع، الذي يمتاز بخصائص طبية مميزة. وفي العالم العربي والعالم أجمع، يشتهر عسل جبل الشيخ. فهو مشهور في الدول العربية وفي دول الخليج خاصة، ويزيد عدد خلايا النحل في حاصبيا وراشيا عن أربعة آلاف خلية نحل.  
تاريخيا كان الجبل العظيم أقدس الجبال، وأهم مركز العبادات عند السوريين الأقدمين. فقد عبده الفينيقيون، وأطلقوا عليه اسم أحد آلهتهم، البعل حرمون. وقد أقاموا لبعلهم هيكلا إلى جانب الصخرة الكبيرة التي تكلل قمته، ولا تزال آثار المعبد باقية، وهو مبني بالحجر الأزرق المدقوق دقة ناعمة، وقد أحاط الفينيقيون الهيكل بسور مستدير من الحجر ذاته والدقة ذاتها في خرزات متساوية الأحجام، يبلغ طول كل واحد منها، حوالي المتر، بقيت متلاحمة في السور، بسبب دقة صنعها، وضبط بنيانها. ويطلق الأهالي على الهيكل والسور اسم"قصر شبيب" وهو أحد ملوك تُبّع، فقد ورد أن الملك شبيب، كان يأتي من اليمن ليقضي الصيف في هذا القصر. وكان الفينيقيون يحجّون إلى حرمون أواخر الصيف لتقديم القرابين. وكان من عاداتهم سكب جرار الماء التي يحملونها من البحر على أرضه، إيمانا منهم بأن فعلتهم هذه تنيلهم رضا الإله حرمون، فيستمر بتزويد الينابيع بالمياه إلى آخر الصيف.  ومن تسميات جبل حرمون "أرض شوبا" نسبة لله الحوري شوب، إله الهواء أو الإله الأعظم شوب، الذي باسمه تسمت بلدة كفر شوبا في العرقوب عند سفوح حرمون. ولا يزال في كفر شوبا معبد ضخم يُعرف بمعبد بعل جاد، وهو نفسه بعل حرمون.  وجاء في ملحمة جلجميش السومرية ذكر لحرمون، حيث قيل أرض جبل الأرز حرمون، هي أرض الخالدين. وقد جاء إليها جلجميش ليقيم لها اسما حيث ارتفعت الأسماء. وجاء في قول أحد المؤرخين :" ما يدهش في قصة جلجميش وأرض الأحياء هو أن البطل رأى رؤية عندما نام في سفح حرمون، وكانت الرؤيا تصوّر مصيرا كونيا، وليست خاصة به وحده. وقد درج تعريف حرمون على ألسنة الكثيرين من كتّاب التاريخ الديني بأنه جبل الرؤى.
ويذكر بعض المؤرخين، أن الملك سنحريب ابن ملك آشور سرجون الثاني الكبير، أوقف جيشه أثناء عودته إلى شرقي سوريا بعد مشاركته في حصار السامرة عند سفوح حرمون، عند بلدة تدعى راشا، ولا ندري إن كانت راشيا الوادي أو راشيا الفخار. وجاء ذكر لحرمون في القرن التاسع قبل الميلاد في مخطوطة دوّنها الملك شلمنصر الآشوري، يصف فيها إنجازاته وأعماله الحربية بقوله :" في السنة الثالثة من ملكي عبرت الفرات للمرة السادسة عشر وكان الملك حزائيل الآرامي الواثق من قوته، قد حشد جيشا عظيما وتمركز عند جبل سفيرو، عند مداخل لبنان حصنه القوي". وسفيرو اسم قديم لحرمون . وجاء ذكر لحرمون في التوراة  في سفر القضاة :" جبل حرمون إنه أول جبال لبنان من جبل بعل حرمون حتى مفرق حماه" وفي أعلى قمة في الجبل توجد مغارة تسمى مغارة إيليا، والمعتقد أن إيليا هو أيل أحد آلهة الكنعانيين.
وقد لاقت المعابد في حرمون اهتماما بالغا من الرومان، الذين أعادوا تجديدها وتوّجوا أعلى الجدران بتيجان مشابهة لمعابد باخوس وجوبتار في بعلبك، وبقيت هذه المعابد تتمتع باحترام كبير، وبحركة حج تكمل زيارة بعلبك ومعابدها حتى القرن الخامس للميلاد. وقد عدّد الرحالة الانجليزي تومسون الذي زار البلاد بحدود عام 1852 أنه دار حول جبل الشيخ، وسجّل عشرين معبدا، أضخمها وأجملها تنظيما معبد هبّاريا.  وجاء في التاريخ الكنسي المسيحي عن مسألة تجلي السيد المسيح على جبل حرمون، فقد صعد المسيح عليه السلام، وثلاثة من تلامذته من بانياس على الجبل العالي، وعاد ليشفي صبيا. وقد جاء في النص الإنجيلي : "أخذ يسوع بطرس ويعقوب وأخاه يوحنا وانفرد بهم على جبل عال، وتجلى بمشهد منهم وأشرق وجهه كالشمس، وصارت ثيابه بيضاء كالنور، وبينما هو يتكلم ظللتهم سحابة مضيئة ".  
وجاء في تاريخ العرب أن الكعبة المشرّفة بُنيت من حجارة أحضِرت من خمسة جبال، كان حرمون المقدس أحدها.
ومن الناحية التوحيدية الدرزية، يُعتبر جبل الشيخ موقعا درزيا بالغ الأهمية. فمنذ عهد الدعوة وحتى أيامنا، تقع على سفوحه من غالبية الجهات، قرى درزية كبيرة الأهمية. وقد كان المشايخ والأتقياء يتسلّقون قممه ليتعبدوا فيه وليقضوا أوقاتا في الخلو والتأمل والصلوات. وهناك قصص كثيرة عن مشايخ كانوا يقطعون الجبل من مجدل شمس إلى حاصبيا وبالعكس، ومن القرى الدرزية في السفوح الشرقية للجبل إلى أماكن أخرى. وفي التاريخ الدرزي العريق، الذي يضمّ مجمعات درزية في لبنان ودمشق وحلب وإسرائيل، أحداث ومواقع وتطورات، متعلقة بجبل الشيخ، أو حدثت بالقرب منه. وقرية مجدل شمس في الجنوب بتاريخها المجيد، تشهد على صمود بطولة الأهالي والسكان هناك على مرّ العصور. كما أن خلوات البياضة الواقعة مقابل سفحه الشمالي، وضريح الشيخ الفاضل (ر) في عين عطا، والأماكن الدينية الأخرى، تدلّ على الرابطة القوية بين الجبل، وبين المواطنين الدروز. وفي الثورة السورية الكبرى، وقعت معارك في مجدل شمس وفي حاصبيا، تشهد على أهمية هذا الجبل العسكرية.


 المصدر الرئيسي كتاب حرمون الجبل الشيخ لمفيد توفيق سرحال، بيروت  2005
 

 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2018 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.