spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 117
زيارة فضيلة سيدنا المرحوم الشيخ أبو يوسف أمين طريف لجبل الدروز رئيسا لوفد مصالحة
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 148
العدد 147
العدد 146
العدد 145
العدد 144


 
المرحوم الشيخ أبو نبيه مهنا السيِّد أحمد طباعة ارسال لصديق
بقلم الاستاذ يوسف حمّود السيد أحمد

فوجئنا بنبأ وفاة الشيخ المرحوم أبو نبيه مهنا السيِّد أحمد، صباح يوم السبت الواقع فيه 22/11/2008 وقد بلغ السابعة والثمانين من عمره، وذلك بشكلٍ مفاجئ فلم يكن مريضاً، ويتمتع بصحة جيدة والحمد لله، فقد كان بيوم  الجمعة السابق ليوم الوفاة،  يؤدي واجب التعزية بمن فُقد بالقرية، وزار أحد إخوانه ممن أدركهم العجز، ثم ذهب في أثناء السهرة إلى الخلوة لمتابعة واجباته الدينية، ثم عاد لينام نوماً هادئاً حتى الصباح، وعندما استيقظ في الصباح الباكر ليجهز نفسه للعمل ككل يوم، شعر بالتعب فاضطجع على الأرض، وأغمض عينيه مستسلماً للقدر.
لقد شهد هذا اليوم مأتماً كبيراً ضمَّ العديد من رجال الدين ومن الشباب الذين يعرفون المرحوم ويقدرون مسلكه، فقد هرعت الجماهير من جميع القرى الأربعة لتعزي بالفقيد، وتقاطرت المشايخ الأجلاء من كل حدب مصوب، وقدمت الوفود من الجليل الأعلى والأوسط، ومن الكرمل للأخذ بالخاطر متأثرين على فقد هذا العلم الطاهر، وقد أظهر الجميع تأثرهم وحزنهم، في جو من الهيبة والإجلال ، بينما كانت مجموعة من المشايخ الكرام تنشد قصيدة المرحوم الشيخ علي الفارس على روح الفقيد.
يقول الكرخي:
موتُ التقى حياةٌ لا نفاذ لها قد مات قومٌ وهم في الناس أحياءُ
على هذا النهج ، وهذا المسلك نشأ فقيدنا وقيدومنا المرحوم الشيخ أبو نبيه مهنا السيد أحمد، في أسرة كريمة دأبها العمل على كسب الرزق الحلال، والورع والتقوى، فقد كان والده رحمه الله الشيخ أبو قاسم حمود السيد أحمد من أهل التقى والكمال والورع، لا يهمه من الدنيا إلا مرضاة الله والعيش الكريم. وقد أهتم مع ابنة عمه بتنشئة أسرة مثالية، على البر والتقوى وحبِّ الخير، وطاعة الله، ومحبة الناس، فكانوا أربعة وهم: المرحوم الشيخ أبو علي أنيس السيد أحمد الذي أمضى قسماً من حياته في المركز الديني المعروف في لبنان "البياضة" قارئاً متعبداً، خاتماً للحكمة الشريفة، وأخوه المرحوم الشيخ أبو اسماعيل صالح السيد أحمد الذي كان مكباً على عمله وتحصيل رزقه وتربية أبنائه البررة، وأختهم السيدة الفاضلة أم حسن هنه زوجة العالم العلم ، والعارف المرشد ، والتقي الديَّان، المرحوم الشيخ أبو حسن علم الدين أبو صالح.
أما فقيدنا الراحل الذي تربى في هذه البيئة الهادئة، يحيط بالأسرة الإيمان من كل جانب، ولا يشغلها من أمور الدنيا إلا الاكتفاء بالعيش المحترم، ومحبة الله، عملَ في بداية حياته في العمار والبناء، ثم استقرَّ في العمل الزراعي، فلا تراه إلا غادياً إلى عمله سيراً على الأقدام، مواظباً عليه، وعائداً في المساء، حريصاً على حضوره الخلوة في كل ليلة، منتقياً مكاناً قصياً في إحدى الزوايا ليجلس فيه بخشوع وروية، سامعاً للموعظة ، ومشاركاً في القراءة، ليعود إلى البيت مثابراً على كتابه لا يشغله عنه شاغل.
يتفقد الإخوان في كل حين فيزورهم في مرضهم مستفسراً، ويشارك في التعزية مواسياً، لا يتكلم إلا إذا طُلب منه الكلام، وإذا تكلَّم أجاد القول، وإذا وعظ أقنع السامعين، فبمسلكه يعطي مثالاً، وبحديثه المتواضع يقدم لسامعه هدية ثمينة، لقد عمل الراحل الكريم لآخرته، كما قال ابن الوردي:
واتَّقِ اللهَ فتقوى اللهِ ما  جاورت قلبَ امرئ إلا وصلْ
هذا الشيخ المتعبد، الذي ينفق وقته في الصلوات للمولى (عزَّ وجلَّ) ويقهر النفس في الخلوات، ويبل الرمق بأقلِّ القوت، لا يطمح إلى تنفيذ هواية أو قتل ساعة من الوقت، ليصفِّي الجسم والروح، "ويخط طريقاً نحو جنان الرب، عبر سطور في ميثاق، محفوظ تحت ركام من رمل الأهرام"
أيها الشيخ المتعبِّد، أنت تنقِّي النفس من كل الأخطاء، و"لا تخشى ظلمات الموت المحتوم، فالموت جسور وطريق عبور، إبدال قميص رثٍّ ... تجديد في أهل التوحيد".
أيها الشيخ الورع، حينما تركت أهواء "الأنا" فزتَ بالأسرار من كنز السنا! وتخلصت من القيد الثنائي وعتمات الغياب، "عن شموس الجوهريِّ، قاطعاً نار المسافات إليه، تتعرى من قشور الطين، تستغني لديه عن سؤال "الأين" في دنيا التراب، لا ترى من مرشد غير الضياء، فائضاً محترقاً في القلب عشقاً أبدياً للقاء الأزلي، وسكون في بحيرات الصفاء، بعد وهجٍ وامتلاء".
 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2019 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.