spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 77
سيدنا الشيخ أبو حسن صالح أبو ملح (رضي الله عنه)
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 142
العدد 141
العدد 140
العدد 139
العدد 138


 
مع فضيلته في خطواته الأولى لتنظيم الطائفة طباعة ارسال لصديق
بقلم د. سلمان حمود فلاح

 

كانت لحظة رائعة، لا بل لحظة تاريخية أو قل رهيبة، أقف فيها ولأول مرة أمام شخصية، طالما سمعت عنها الكثير، وطالما ردد ذكرها في بيتنا المرحوم والدي، الشيخ حمود فلاح وبكل إجلال واحترام وتقديس. أقف بين يدي الشيخ أمين طريف، لا أعرف إن كنتُ في حلم أو في علم. اقتربتُ منه وطرحت السلام عليه، فبهرني نور محياه، ولأول مرة في حياتي، شعرت برهبة القدسية والإيمان، وبهيبة الشيخ الوقور والزعيم الروحي الكبير، فضيلة المرحوم الشيخ أمين طريف، طيب الله ثراه وأسكنه فسيح جناته.
كان ذلك في الثاني من شهر شباط سنة 1954، في مكتب رئيس الحكومة آنذاك، السيد موشيه شاريت  في القدس، جاء شيخنا الجليل مع عدد من المشايخ إلى رئيس الحكومة، ليطلب مساعدته لكف يد الشيشكلي عن ضرب جبل الدروز، بعد أن ثار عليه إخواننا في الجبل، لظلمه وتعسفه ولتعديه على شخصيات الدروز ومقدساتهم. وبعد أن أرسل الطائرات الحربية لقصف الجبل، وخاصة بلدة القريّا، مسقط رأس الزعيم الدرزي الكبير المرحوم سلطان باشا الأطرش. جئت إلى هناك بناء على طلب من مكتب رئيس الحكومة، لترجمة أقوال الشيخ أمين للرئيس موشيه شاريت، وكنت آنذاك طالبا في الصف العاشر بمدرسة الريئالي العبرية بحيفا. وقد تزامن وجودي في القدس في اجتماع تمهيدي لإقامة منظمة الكشاف الدرزي، والتي بادرتُ إلى إقامتها قبل بضعة أشهر من هذا الاجتماع.
وكم يصعب علي وصف مشاعري في تلك اللحظات المهيبة، فها أنا ذا الشاب اليانع، أقف بين يدي الرئيس الروحي للطائفة الدرزية، رمز الدين والقدسية، لأستمع لطلباته وأنقلها إلى السيد شاريت، لإقناعه بتدخل إسرائيل فيما يجري بسوريا لمساندة الدروز، ووضع حد لسفك دمائهم على أيدي الطغمة برئاسة أديب الشيشكلي. وبالطبع لم يقبل السيد شاريت بالتدخل فيما يجري بسوريا. واكتفى بمدح الشيخ أمين طريف وتقدير مواقف الدروز وشجاعتهم ورفضهم الظلم والطغيان، وأثنى على مواقفهم وإخلاصهم لدولة إسرائيل وللشعب اليهودي.
وبعد انتهاء الاجتماع، خرج الشيخ أمين إلى وفود المشايخ المجتمعة في الساحة خارج المكتب، يخبرهم برد رئيس الحكومة وبانتهاء مهمة الوفد ليعود الجميع إلى بيوتهم ، وهذا ما حدث.
كان هذا لقائي الأول بفضيلته، ومنذ اللحظة الأولى انتابني شعور بالإجلال والتقدير لهذا الشيخ، الذي كان وما زال في نظري ولي وقدّيس ورمز للخير والطهر والنقاء.
وكم كنت مندهشا عندما بدا الشيخ أمين يسألني عن تعليمي في مدرسة عبرية مشهورة، وكيف وصلت إليها وكيف تعلمت اللغة العبرية، وكيف أصل إلى حيفا من كفر السميع التي كانت منعزلة وبدون شارع للسيارات تصلها. وعندما أخبرت المرحوم بأنني أسعى لإقامة منظمة شبيبة درزية، وإني اخترت الحركة الكشفية، وبعد أن شرحت له ما هي الكشفية وأننا أقمنا فروع لهذه الحركة في كفر سميع والبقيعة وحرفيش وشفاعمرو وأبو سنان، وأننا نسعى لإقامة فروع في مختلف القرى، بارك الشيخ أمين خطانا وتمنى لنا النجاح.
وكان لقائي الثاني بالشيخ في ظروف تختلف، وبعد بضعة أشهر في جولس، وبناء على دعوته. وفي هذا اللقاء فوجئت بوجود مشايخ من بضع قرى، يعرضون على الشيخ أمين أمر إقامة منظمة كشفية، ويقولون له إنهم سمعوا بأن استقبالا جرى لدى رئيس الدولة، بمناسبة إقامة اتحاد كشفي إسرائيلي، وأن من بين المنظمات المشتركة فيه، منظمة الكشاف الدرزي، وأن الكشافة هي حركة شبيبة تجمع البنين والبنات معا. وعندما سألني الشيخ أمين هل تشترك البنات في منظمتنا، أنكرت ذلك وبحق، إذ لم نكن نثق في تلك المرحلة بانضمام الشباب إلى هذه المنظمة، فمن كان يفكر بضم البنات إليها!. وانشرح صدر فضيلته، وبارك الخطوة، وذكّر الحاضرين بأنه سمع مني عن إقامة هذه الحركة في لقائنا الأول مع رئيس الحكومة السيد شاريت.
وفي سنة 1956 بدأ نشاط مكثف يتعلق بأوضاع الدروز والاعتراف بهم طائفة مستقلة، وإقامة المؤسسات الرسمية – الرئاسة الروحية والمحاكم الدرزية- والمطالبة بحقوق الدروز، خاصة بعد تنفيذ قانون التجنيد الإجباري، بالنسبة للشباب الدروز. وفي تلك السنة، باشرت دراستي الجامعية، في الجامعة العبرية، ونتيجة لذلك سكنت القدس وهنا بدأت مرحلة جديدة من اللقاءات المستمرة مع الشيخ أمين، إذ كان يحرص على أن نلتقي في القدس في كل الاجتماعات التي كان يعقدها مع المسؤولين هناك. وازدادت هذه اللقاءات، عندما بدأت العمل صحفيا ومراسلا برلمانيا للإذاعة الإسرائيلية، وجريدة "اليوم" آنذاك، وأصبحت بحكم مهمتي الصحفية وخاصة بعد أن افتتحنا زاوية خاصة بالدروز في الجريدة أسميناها "منبر المواطنين الدروز"، كنت أحضر بصورة رسمية جميع هذه الاجتماعات، وأنشر التقارير الصحفية عنها. وهكذا أصبحت على اتصال دائم ومستمر مع فضيلته، وساد علاقتنا الاحترام والتقدير والثقة الكاملة والمتبادلة، ولعله من المفيد استعراض بعض هذه الخطوات، والتي فيها استعراض لجهود فضيلته الدؤوبة، لمعالجة أمور الدروز، والمحافظة على مصالحهم في جميع الظروف وكل الحالات.
طالب المرحوم الشيخ أمين طريف وبإلحاح بالاعتراف بالدروز طائفة مستقلة، أسوة بباقي الطوائف الدينية في البلاد، وأسوة بالدروز في لبنان وسوريا. وكان الهدف من وراء ذلك بالطبع، إقامة المؤسسات الدينية والقضائية، أي المجلس الديني الدرزي (الرئاسة الروحية) والمحاكم الدنية الدرزية. وواجه المرحوم الكثير من العقبات، إذ تبيّن أن الطوائف المعترف بها رسميا قد تم الاعتراف بها في المعهد العثماني، وورث الانتداب البريطاني ذلك، وأقر ما اعترفت به السلطات العثمانية، والدروز لم يكونوا ضمن قائمة الطوائف المعترف بها رسميا في العهد العثماني.
مما يجدر ذكره، بأن السلطات العثمانية اتبعت نظاما أطلقت عليه اسم نظام "الملة" وأعطت بموجبه الحق للطوائف التي اعترفت بها، بأن تحكم نفسها بنفسها، وتقضي بموجب قوانينها وشرائعها، وتقيم مؤسساتها وتدير شؤون أوقافها. ولم يشمل هذا الحق الطائفة الدرزية هنا، بالرغم من أنه شمل إخواننا الدروز في لبنان. واحتج الدروز هنا، وطالبوا بالاعتراف بهم طائفة مستقلة، ومنحهم الحق لإقامة مؤسساتهم، وجاء الجواب من والي بيروت العثماني سنة 1909، واستجاب الوالي لطلب الدروز وأوعز إلى قضاة عكا وحيفا المسلمين، ألا يتدخلوا بشؤون الدروز القضائية، وإلا ينظروا فيما يتعلق بالزواج والطلاق والوراثة والوصية لدى دروز هذه البلاد، ما لم يأت ذلك بموافقة جميع الأطراف المعنية. وماطل القضاة هنا، ولم ينفذ أمر الوالي، لم يروا به أمرا ملزما لأنه لم يصدر عن "الباب العالي" ولم يأت بشكل "فرمان" سلطاني أي أمر ملكي.  واستمر الوضع كذلك في فترة الانتداب البريطاني، إذ اعترفت سلطات الانتداب بالطوائف التي كانت تتمتع بهذا الحق من قبل. ووضع دستور فلسطين سنة 1922 وبه بند خاص ذكر الطوائف التي كانت لها محاكم خاصة بها، واستثنى هذا البند الدروز. واحتج الدروز، وكتبوا للمندوب السامي ولحكام اللواء ولقضاة الشرع وحكام الصلح. وجاءت الأجوبة تقول:" لا يمكن الاعتراف بطائفتكم لأن دستور فلسطين يستثنيها"، ولأنه لم تكن محكمة درزية عند وضع الدستور، ولأنه لم يصدر فرمان سلطاني بهذا الشأن، ولأن الأمر الصادر من والي بيروت لم تكن له الصبغة التشريعية الكافية. وكان مشايخ آل طريف منذ بداية القرن يطالبون ويلحون لحل هذه المشاكل الخاصة بالدروز، وعشرات الرسائل بهذا الصدد من الشيخ طريف والشيخ محمد طريف والشيخ سلمان طريف محفوظة لدي ومنها يتضح تسلسل هذه المطالبات.
واستمر هذا الوضع بعد قيام الدولة، واستمرت المطالبة، وقاد هذه الحملة منذ قيام الدولة الشيخ أمين طريف، وأثمرت جهوده، وأصدر وزير الأديان في 15/4/1957 تعليمات تقضي بالاعتراف بالدروز طائفة مستقلة، لها الحق بإقامة مؤسساتها الدينية والقضائية. وجاءت المرحلة الثانية بالاعتراف بالرئاسة الروحية مجلسا دينيا، وتعيين المرحوم الشيخ أمين طريف رئيسا لهذا المجلس، والمرحومين الشيخ احمد خير والشيخ كمال معدي عضوي المجلس،وكان ذلك بموجب أمر أصدره رئيس الحكومة آنذاك السيد دافيد بن غوريون بتاريخ 27/10/1961 بصفته وزيرا للأديان وفي (13/11/1961) احتفل في ديوان رئيس الدولة الثاني، المرحوم اسحق بن تصفي، بتعيين المجلس الديني، وحضر الاحتفال حوالي السبعين من مشايخ الدروز ورجالات الطائفة. وبعد أسبوعين في (4/12/1961) حضر الشيخ أمين طريف، وأعضاء المجلس الديني، لمقابلة وزير الأديان الجديد، الدكتور زيرح فيرهافتج، وبحثوا معه موضوع قانون المحاكم الدينية الدرزية، والذي طرح للبحث في الكنيست قبل سنة ونصف، أي في 28/7/1959. وبالفعل، أقرت الحكومة اقتراحا جديدا، وفي 9/4/1962 قدمت للكنيست مشروع قانون جديد وبحث مشروع القانون الجديد هذا، وأقرته الكنيست نهائيا، بتاريخ 25/12/1962. وبموجب هذا القانون، أقيمت المحاكم الدينية الدرزية المكوّنة من محكمة الاستئناف، برئاسة الشيخ أمين طريف، وعضوية الشيخين أحمد خير وكمال معدي، والمحكمة البدائية الأولى المؤلفة من المرحومين الشيخ سلمان طريف، والشيخ حسين عليان، والشيخ لبيب أبو ركن..
وهكذا نجح المرحوم الشيخ أمين في جميع مساعيه لتنظيم شؤون الطائفة الدينية والقضائية، وأقيم المجلس الديني الأعلى برئاسته وأقيمت المحاكم الدينية (سنة 1963) وترأس محكمة الاستئناف العليا.
 

 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2018 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.