spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 118
العدالة والزهد في عهد الحاكم بأمر الله
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 120
العدد 119
العدد 118
العدد 117
العدد 116


 
سيرة حياة فضيلة الشيخ امين طريف رحمه الله طباعة ارسال لصديق
بقلم السيد منير عطاللة
مدير مؤسسة الهدى الخيرية - يركا

هناك أشياء كثيرة يختلف عليها في الرأي المواطنون الدروز، لكن هناك إجماع كامل بأن فضيلة المرحوم الشيخ أبو يوسف  أمين طريف، هو أحد كبار مشايخ الطائفة على مر العصور، وأنه بشخصيته وتقواه وحكمته، وبدعم من باقي المشايخ والزعماء الدروز، تجاوزت الطائفة في البلاد، مخاطر كثيرة، وهموم كبيرة، وأنقذت من مصائب حلت بغيرها، وحافظت في نفس الوقت، على عزتها وكرامتها. ومع مرور الأيام نرى أن فضيلته، كان شخصية فريدة من نوعها، ويمكننا أن نقول إن الله أنعم على طائفتنا، بأن وهبها شخصيات دينية وغير دينية فذة، في القرن العشرين، كانت حامية وراعية لأبناء الطائفة في إسرائيل وسوريا ولبنان، وكان فضيلة المرحوم  في مقدمتها.
فقد كان فضيلته، شيخ الجزيرة التوحيدية في القرن العشرين، الشيخ الذي ألبسه المرحوم, الشيخ أبو حسين محمود فرج, العمامة المكوّرة في مستهل القرن, وهو الشيخ الذي بكاه ورثاه فضيلة المرحوم الشيخ أبو حسن عارف حلاوي, وفضيلة طويل العمر, الشيخ أبو محمد جواد في نهاية القرن. وبين ذاك الحدث وهذا الأخير, لثم فضيلة المرحوم الشيخ أمين طريف, أيادٍ فاضلة مقدّسة طاهرة كثيرة, لمشايخ أجلاء أتقياء, في الشوف, وفي حاصبيا, وفي الجبل الأشم, وفي حلب, وفي مرتفعات الجولان, وفي الجليل والكرمل وفي كل مكان. وإذا كان أقطاب المذهب الدرزي في القرن العشرين, وهم المرحومون,  الشيخ أبو حسين محمود فرج, والشيخ أبو حسن عارف والشيخ أبو محمد صالح العنداري, والشيخ أبو ريدان يوسف شهيب, والشيخ أبو حسيب أسعد الصايغ، وكذلك طويل العمر الشيخ أبو محمد جواد، فهؤلاء المشايخ, أقرّوا واعترفوا وآمنوا, بسيادة ورفعة, فضيلة المرحوم الشيخ أمين طريف, الذي أسبغ من أخلاقه وتقواه ولطفه وكراماته وبركته, على كل بقعة توحيدية في الشرق الأوسط, وهو من بين القلائل, الذين يلهج كل مجمع درزي, بسيادتهم ورفعتهم وعلوهم وتقواهم.
لقد يسّرت الظروف, والتقلبات السياسية, والتحرّكات الدولية, والنشاطات العالمية, أجواء قاسية ومتعبة, لفضيلة الشيخ أمين, حيث وقع بين ليلة وضحاها, أن سُدّت الحدود بين خلوة الشيخ أمين في جولس, وبين باقي أترابه ومعارفه وأقرانه ومريديه, في البيّاضة, والقطالب, وجبل السمّاق, وجبل الريحان وغيرها. لكن الاتصال الروحي, والوشائج المذهبية المتينة, والروابط العقائدية الراسخة, والعواطف الأخوية الملتهبة, والنفحات العصبية الموثقة, لم تنقطع في يوم من الأيام, بين فضيلة الشيخ أمين, وبين إخوانه الروحيين عبر الحدود. وهذا الحال, يمثل ليس شخصية فضيلة الشيخ فحسب, وإنما يمثل كافة أبناء الطائفة الدرزية في البلاد, الذين حكمت عليهم الظروف, بأن يبتعدوا عن إخوانهم, وأن يتمنى كل واحد منهم, أن تكون له في السويداء خرابة, وأن يكون له في الشوف مقرّ, وفي وادي التيم ملجأ أو ملاذ, وكان كل شيخ درزي, يقدِم إلى الخلوة في الأمسيات المباركة, ويتمِّم صلواته ويعود إلى بيته شاكراً الله سبحانه وتعالى على نِعَمه, لكنه كان في قرارة نفسه, يصلي ويبتهل, لأن يحفظ الله إخوانه عبر الحدود, وينتظر تلك اللحظة, التي يلتقي فيها بهم عن قرب, وينعم بوجودهم.
 وما أن فُتحت الحدود بين إسرائيل ولبنان عام 1982, حتى تحقق جزء من المعجزة, واجتمع الإخوان بالإخوان, والتقى الأحباء بالأحباء, وصدحت آيات الشكر والحمد والتمجيد, لله سبحانه وتعالى, من الخلوات الطاهرة, ومن الأماكن المقدسة, ومن بيوت المشايخ ومعاقلهم, حيث انهمرت دموع الفرح باللقاء, وقُبِّلت الأيادي, وطؤطئت الرؤوس, تواضعا وحمدا وشكراً.
 وعندما قدم فضيلة الشيخ لأول مرّة إلى لبنان, وقعت مظاهر ومناظر, يعجز القلم عن وصفها, من حماس الإخوان والأخوات, ولهفتهم على رؤية الشيخ, وعلى الفوز بمشاهدة وجهه, وتهافتت الجماهير, تقترب منه,  وتكاد أن تخنقه حبّاً, وكل إنسان منهم, يعتبر أن مشاهدة فضيلة الشيخ, ولمس عباءته, هو أقصى ما يتمناه الإنسان. ولم يبخل الشيخ, فتجوّل في القرى المختلفة, وزار الأماكن المقدسة, واجتمع برجال الدين, وبالإخوان وبالأخوات, وحتى ذلك الجمهور, الغير متدين, سجد وركع وغضّ الطرف, أمام هيبة الشيخ, ولثم أطراف ثوبه بخشوع وبمحبة وبإقرار أنه هو هو شيخ الجزيرة. ومن أهم المناظر التي شاهدناها بأُم عيننا, هو منظر قافلة الشيخ في طريقها إلى حاصبيا, حيث توقفت عند استراحة بجانب قرية إبل السقي, إذ انهمر سكانها الدروز, يحيّون الوفد, ويقدّمون له المرطبات. وقد تناول فضيلة الشيخ, بعض الحلوى, وجيء بإناء فيه ماء, فغسل أطراف يديه فيه, فما كان من الجماهير الغفيرة هناك, إلا أن تناولت الإناء, متنقلا بين الواحد والآخر, وكل منهم يرشف قطرة من هذا الماء, الذي أصبح مقدسا, لأن أنامل سيدنا الشيخ انغمست فيه.
 وعندما جرت زيارة مقام النبي شعيب عليه السلام, عام 1983 في الخامس والعشرين من نيسان, وكانت هذه أول زيارة تأتي بعد فتح الحدود, وقد كانت أكبر زيارة في التاريخ, لهذا المقام الكريم, فقد حضر من لبنان, أكثر من عشرة آلاف زائر, وحضر من إسرائيل, أكثر من عشرين ألف زائر, والتقى الجميع في المقام الشريف, يرتوون من مياه عين الماء العذبة, ويرتشفون من مناهل التوحيد, ويرتلون الآيات والأناشيد, وفضيلة شيخ الجزيرة, الشيخ أمين, يخيِّم عليهم جميعا, بدفئه وحرارته واستقباله, وتصوروا, أكثر من ثلاثين ألف يد, تقبل يد فضيلة الشيخ في يوم واحد, فأي جهد هذا, وأيّ نعمة هذه, حباها الله ذلك الشيخ ابن الثمانين سنة, وأي قدرة, وأيّ طاقة منحها الله لهذا الشيخ الكريم, أن يقف خلال أربع وعشرين ساعة على رجليه, يقبل الزائرين, ويرحب بهم, ويبارك وجودهم, ويحييهم, وهو لا يتعب, ولا يكلّ, والابتسامة دائما على محياه, ووجهه مشرق, والنور يسطع من عينيه, وآلاف الزوار والحاضرين, يسبِّحون بحمد ربهم, ويشكرونه, أنه أرسل لهذه الجزيرة هذا الولي الصالح, ليحميها ويرعاها, ويذود عنها, وينقلها إلى بر الأمان.


 عائلة طريف:
نبذة عن سيرة العائلة من كتاب سيرة ولي الله الراحل الشريف، المرحوم سيدنا الشيخ أمين طريف، الصادر عن إخوان الدين في لبنان.
أصل عائلة طريف من مصر، فقد شارك طريف كمقاتل في قوات الأمير رافع أبي الليل. وفي معركة الأقحوانة عام 1029 واجه الفارس طريف العدو صالح بن مرداس فضربه بسيفه وقضى عليه. انتقل بعد المعركة طريف إلى حاصبيا وتزوّج هناك وأنشأ أسرة كبيرة. وفي بداية القرن السادس عشر، انتقل أحد أفراد العائلة ويدعى حسن طريف من حاصبيا إلى جولس في الجليل واستوطن بها. وأنشأ أسرة كبيرة ما زالت باقية منذ عام 1538 إلى يومنا. وقد اشتهر أمر العائلة في مستهل القرن الثامن عشر عندما برز في المنطقة الولي الصالح العابد الزاهد الشيخ علي الفارس (ر). كان الشيخ علي الفارس شاباً من قرية يركا نشأ وترعرع فيها، ولخصام مع زوجة أبيه، ترك يركا وانتقل للسكن في مغارة بين يركا وجولس. وكان مشايخ آل طريف، الإخوة محمد وسلمان وطريف أبناء الشيخ حسن طريف، يقدّمون له الماء والغذاء مشياً على الأقدام كل يوم، من بيتهم في جولس إلى موقع المغارة في الوادي بين القريتيْن. وقد ابتهل الشيخ علي الفارس (ر) إلى الله سبحانه وتعالى، أن يوفر له الماء ليوفر عناء ومشقة أبناء طريف، فاستجاب الله لدعائه وأخذت تسقط من سقف المغارة نقاط ماء ما زالت موجودة حتى أيامنا تدلّ على كرامة الشيخ علي الفارس (ر). وقد طلب الإخوة الثلاثة من الشيخ الانتقال للسكن في جولس، فبنوا له خلوة، وبنوا له بيتا وعاش في كنفهم معززا مكرما طيلة حياته حتى توفاه الله عام 1753. وعندها اجتمعت مشايخ الطائفة من جميع أنحاء المجمّعات الدرزية في سوريا ولبنان وفلسطين، واستقرّ رأي المشايخ الكبار، تقديراً لخدمات عائلة طريف للمرحوم الشيخ علي الفارس، تسليم العائلة مقاليد الرئاسة الروحية في فلسطين. وهكذا انتقلت الزعامة الروحية من ذلك الوقت وحتى أيامنا في بيت طريف على النحو التالي: الشيخ محمد من 1735 – 1795. الشيخ سليمان 1795 – 1833. الشيخ محمد من 1833 إلى 1864. الشيخ مهنا من 1864 إلى 1889. الشيخ طريف من 1889 إلى 1928. الشيخ أمين من 1928 إلى 1993 الشيخ موفق من 1993. 
 والد الشيخ أمين هو المرحوم الشيخ طريف محمد طريف، الذي كان زعيما دينيا للطائفة، والذي ساعد جاهداً عند السلطات العثمانية للحصول على اعتراف رسمي وشرعي لكيان الطائفة الدرزية، وحقها بقاضي شرعي يعالج أمور الأحوال الشخصية في هذه البلاد. وقد تكللت جهوده بالنجاح فصدر فرمان عثماني عام 1909 لتعيينه قاضي مذهب. وهذا الفرمان منحه صلاحيات معالجة الأمور الشرعية للطائفة الدرزية في البلاد، وتعيين رجالات دين دروز في وظائف مختلفة، منها تعيين قاضي الشرع في بيروت مندوبا عنه. ويعتبر هذا التعيين أول اعتراف رسمي  يحصل عليه أبناء الطائفة الدرزية في البلاد، ولأول مرّة يتولى أحد أفراد عائلة طريف منصبيْن الأول الرئيس الروحي للطائفة الدرزية وراثة والثاني قاضي مذهب.
وكانت والدته المرحومة الست أم محمد أنيسة أبو حسن، من النساء الصالحات الديِّنات حيث تحمّلت مسؤوليات كبيرة اتجاه زوجها وأولادها. وكانت خير مربية له فنشأ على البراءة والخوف والحياء والتواضع والعفاف والطاعة والطهارة ومكارم الأخلاق. وكان ذا خلق جميل وأخلاق حسنة وجسم معتدل وطول مثالي، وقد حباه الله وهو صغير بميزة هي التقوى وحب رجال الدين، فقد كان في السنوات الأولى لحياته، عندما كان مع والدته في الخلوة وكان يتركها وينتقل حبياً إلى موقع الرجال يجلس بينهم بخشوع ويسجد حينما كانوا يسجدون.  وكان يقلد الأجاويد في حركاتهم ولا يلمس الطعام إلاّ بعد البسملة ولا ينهيه إلا بالحمد والشكر.


 سيرة المرحوم من خلال كتاب أصدره أحد مشايخ الدين الأفاضل بعد وفاته:
تربى المرحوم سيدنا الشيخ أبو يوسف أمين طريف (ر) في بدايته تربية دينية توحيدية، في بيئة ناعمة بالأدب والحسب والكرم والإنسانية، فانفطرت نفسه الأبيّة الروحانية بهذه التربية الشريفة على العلم والمعرفة والحب والرجاء والحياء. وقد عزم في سن الشباب على التنسك والانفراد والعبادة والزهد والسير على طريقة المرحوم سيدنا الشيخ علي الفارس (ر) فطبّق السلوك الدقيق على نفسه، علماً وعملاً، ثم قصد البياضة الشريفة فدرس فيها علوم الحكمة التوحيدية، وحصّل ثقافة دينية أخذها هنالك عن ألسنة الأفاضل، أعيان عصرهم في لبنان وفي مقدمتهم الشيخ المرحوم أبو حسين محمود فرج (ر) الذي كرّم المرحوم الشيخ أمين، بتلبيسه العمامة المكورة والعباءة البيضاء المقلمة وهو في سن الشباب، إكراماً لفضله وورعه وتقواه. وقد قبل ذلك منه نزولا عند خاطره وخاطر مشايخ وقته آنذاك. وكان قد عاشر المشايخ الأعيان في سوريا ولبنان، حيث كان يلتقي معهم في الزيارات العمومية السنوية وفي الزيارات الخاصة للمقامات.


 كرامات الشيخ:
نقتطف من الكتب التي ألِّفت عن فضيلة المرحوم الشيخ أمين طريف، عدّة قصص وكرامات، تثبت قدسية الشيخ وعلو مكانته وأهميته في مجتمع الطائفة في البلاد وفي كل مكان. ومن الكرامات التي ذُكرت، ما حدث للأسطول الأميركي، فأثناء حرب لبنان عام 1982 هاجمت البوارج الحربية الأمريكية القرى الدرزية بوحشية لم يُعرف لها مثيل. وقد حضر وفد من شيوخ الطائفة الدرزية في لبنان لتقديم شكوى لفضيلته، ومن التصادف أن يلتقي فضيلته مع الوفد الكريم، حينما كان فضيلته في مقام سيدنا شعيب عليه السلام. وبعد التحية للوفد أمام المقام، أخبِر بما تفعله السفن الحربية. فوقف أمام الحجرة المقدسة منتخياً به (ص) طالبا منه المعونة، مستنجدا لنصرته لأبنائه ورعيّته. ومن شدة تأثره أخذت الدموع تنهمر من عينيه، فرفع يديه إلى أعلى وقال: اسأل الباري عز وجل راجيا متضرعاً بجاه صاحب هذا المقام الشريف، سيدنا نبي الله شعيب عليه السلام، أن ينتقم من السفن الأمريكية الباغية حالا وسريعاً. وكانت شبابيك المقام حينما كان يدعو تصفق كأنها ممسوكة بأيدٍ قوية تهزها وتضربها وكأنها تتجاوب معه، ولم تكن وقتذاك عواصف ولا ريح. وقد استجاب الباري تعالى لدعائه بواسطة صاحب المعجزات النبي شعيب ص. فتقدّر بإذن من الله تعالى، أن حدث زلزال في الماء تحت السفن الأمريكية كاد أن يدمّرها. فأبحرت بعيدا عن الشواطئ اللبنانية، وتوقفت عن القصف. وقد أعلنت الإذاعة الأمريكية آنذاك بأن البحرية الأمريكية، لم تشهد شبيهاً لذلك الزلزال منذ تأسيسها. ولقد وصلت أخبار سخط سيدنا الشيخ على السلوك الأمريكي لأذني السفير الأمريكي، فزار سيدنا الشيخ بصورة مفاجئة، ورجاه ألا يكرّر سخطه. وتعاهد بأن يعمل المطلوب لوقف جميع النشاطات الأمريكية ضد الطائفة الدرزية في لبنان. 
وحدث مرّة،أمر غريب، يدلّ على مكاشفته وإلهامه ولطافة جوهره، وهو أنه كان مريد من بلده من آل كبيشة، قد توجّه للخير وجعل يطلب الدين في الخلوة. وفي إحدى الليالي التي كان يطلب فيها ذلك المريد، طلب كعادته بحضور سيدنا الشيخ وخرج من المجلس. وكان سيدنا الشيخ أثناءها قد أطرق برأسه، فألهِم بسرّه من حيث مصلحة المريد، فرفع رأسه وسألهم عنه، فقالوا: إنه قد طلب وخرج. فقال لهم الحقوا به وأرجعوه. فخرجوا في طلبه فوجدوه في الطريق لم يصل إلى البيت بعد. فنادوه ارجع! سيدنا الشيخ طالبك. فرجع، فلما وصل قال له فضيلته أطلب فطلب فسلمه المعلوم وجلس وحضر السهرة. وبعدما رجع إلى بيته بساعات قليلة، توفي رحمه الله، وذلك مما يدل على صلاح هذا المريد.
دعي فضيلته لتدشين بيت المرحوم بركات في عسفيا، وأثناء الاحتفال الكبير الحاشد انقطع التيار الكهربائي واستمر الاحتفال بدون نور، وبدون مكبر صوت. وكان الضغط شديداً على سيادته لأن يلقي كلمة بهذه المناسبة. وقد تكلم الخطباء حتى ذلك الوقت دون أن يساعدهم مكبر الصوت، وبذلوا جهدا كبيراً كي يسمعهم جميع الحاضرين. وعندما استُدعي سيادته لإلقاء كلمته تحسّر البعض كيف يلقيها والتيار مقطوع، طمعا واستبراكا به وباستماعها منه، فعندما وقف أمام مكبر الصوت ليلقي كلمته، وهو يعلم أن المكبر لا يعمل، التفت يمينا وشمالا وإلى الأمام وقال: "بسم الله الرحمن الرحيم،" وما أن نطق بالبسملة إلا والكهرباء شعل نورها فجأة، وأخذ فضيلة الشيخ يتمم كلمته على مسمع الحاضرين. فصمت الجميع خاشعين متمتمين "الله وأكبر لقد بان سرّ هذا الشيخ العظيم، وكرامته عند الله، ولا شكّ أنه وليّ من أولياء الله تعالى."
وحدّث أحد المشايخ قائلا: إنه كان برفقة فضيلته إلى مدينة صفد إلى عيادة طبيب. فلمّا رآه الطبيب، أراد أن يقدّمه على المرضى، فلم يقبل فضيلته، وأجاب: أنه ينتظر حسب الدور التابع له بالترتيب. فجلس خارج العيادة منتظراً، وإذا برجل يأتي نحوه مسرعاً من بعيد. وفجأة مسك يديه، وجعل يقبّلهما بدون سابق معرفة. وعندما سأله فضيلته: لماذا عمل معه هكذا بدون سابق معرفة؟ طلب أحداً أن يترجم بلغته،وتبيّن أن الرجل هو برتبة بروفيسور، ورئيس أطبّاء من فرنسا،ولمّا سئل هل تعرف الشيخ من قبل؟ أجاب البروفيسور: لا ولكن لأول مرّة أرى شخصية مثل هذه، وأن هذه الشخصية هي شخصية وليّ، وقال له المترجم إن هذا الشيخ رئيس الطائفة الدرزية. فقام البروفيسور لقد حصل لي الشرف أن أقبِّل يد رئيس الطائفة الدرزية، وقد تجوّلت في الدول العربية، ولم أرَ مثل هذه الشخصية، فدعاه فضيلته لزيارته في قريته جولس.
وحدّث أحدهم أن رجلا ذا مكانة كبيرة رأى صورة فضيلته على الشاشة في ألمانيا الغربية، فسأل هل هذه الشخصية موجودة بعد على قيد الحياة؟ فأجيب نعم، وهو رئيس الطائفة الدرزية في إسرائيل. فقصد الرجل من ألمانيا إلى إسرائيل هو وعائلته، حتى يزور فضيلته في بيته، ويشرب فنجانا من القهوة عنده. ولمّا وصل ودخل بيته سلم على فضيلته، وجلس فجعل ينظر إلى الشيخ، ومن كثرة ما أعجبه وتأثر برؤيته، ذُهل واندهش وقال: إن هذه الشخصية هي شخصية وليّ.
حدث مرّة أن فضيلة الشيخ كان زائراً لمقام سيدنا شعيب عليه السلام. وحين وجوده أمام الضريح المقدّس منفردا، وإلا بامرأة أجنبية دخلت لتزور، فرأته ورجعت في الحال مندهشة خائفة، تقول لزوجها: إن النبي شعيب (ص) داخل المقام وذلك لمفاجأتها بهيبة منظره وحرمته.
وحدث مرة، أن رجلا أجنبيا ومعه زوجته، بينما كان جالسا بقرب الزيتونة الموجودة في رحاب المقام الشريف، مقام سيدنا شعيب (ص)، إذ نظرت زوجته إلى الداخل، فرأت سيادة شيخنا مقبلا، فاندهشت وانبهرت ثم قالت لزوجها من خوفها: هذا النبي شعيب قادم أرجوك ساعدني وغُشي عليها، مما رأت من نوره وهيبته ووقاره.
حدّث أحد المشايخ قائلاً: وقع بيني وبين فضيلة الشيخ أبو يوسف أمين طريف سوء تفاهم وقد مضت عليه مدّة من الزمن. وفي إحدى الليالي المظلمة وإلا بطرق على باب البيت. فتحت وإلا بسيدنا الشيخ أبو يوسف أمين، كلفته بالدخول وعندما جلس لاحظ عليّ فضيلته الارتباك. فسألني لماذا أنت مرتبك؟ فقلت له: يا سيدي الشيخ، الدار محاطة بسور عال ٍ، والبوّابة مقفلة. أنا لست مرتبكاً بل مستغرباً من أين دخلت؟. ضحك سيدنا الشيخ وقال: أنت نسيت البوابة مفتوحة هذه الليلة، ودخلت منها. قلت له: لقد أقفلت البوابة بيدي، وهذا مفتاحها، لا يعقل أن أنسى وأتركها مفتوحة، ولكن الأمر به سرّ، والسرّ عند فضيلتك، فأنت سرّك كبير عند الخالق، وعندما نويت، وتوجّهت لزيارتي، فتح الله أمام حضرتك البوابة المقفلة، حتى أعرف سرّ وكرامة حضرتك عند الله تعالى.
عندما قدِم الرئيس أنور السادات إلى البلاد وقف فضيلة الشيخ بين المستقبلين. وعندما وصل الرئيس إلى الشيخ، وقف مدّة يتأمّله بإمعان خاصّ، وما كان منه إلا أن قال له: يا سلام إن فضيلتك تمثل لي ملاك الخير والرحمة، الذي يشعّ من وجهه النور، وتنبع من فمه الحكمة والتعقل، وببركتك سوف يأخذ الله بيدنا، لإحلال السلام في الشرق الأوسط. فأجاب فضيلة الشيخ: بل بقدومك يا سيادة الرئيس للقدس الشريف، يكون إحلال السلام، فأنت أمثال خليفة المسلمين، أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب. 
كلمة فضيلة الشيخ أبو محمد جواد ولي الدين التي ألقاها باسم الهيئة الروحية العليا للطائفة الدرزية في الاحتفال التأبيني الذي أقيم في مقام الأمير السيد قدَّس الله سرّه في عبيه – لبنان- في ذات اليوم والوقت الذي شُيّع فيه المرحوم في بلده، وأقيمت صلاة الغائب عن روحه الطاهرة، ومما قاله في كلمته:
" بسم الله الرحمن الرحيم
لن نقدر أن نفي الراحل الكبير حقه بكلمة، يا أيتها النفس المطمئنة، ارجعي إلى ربك راضية مرضية، فادخلي في عبادي، وادخلي في جنّتي، صدق الله العظم.
علم من أعلام الإيمان والتوحيد، وركن من أركان طائفة المسلمين الموحدين الدروز، وأب كريم عطوف، وقائد روحي، واجتماعي كبير، واجه الأمور بحكمة وعقل، فافتقده الجبل ولبنان، كما افتقده الجليل والكرمل والجولان، وكما يفتقده أهله وعارفوه في كلّ مكان، وبكت عليه القلوب والعيون التي كانت وما زالت تتبرّك باسمه الطاهر، وتتنشّق عبير أنسه الزاهر، الأمين المجاهد، والعالم العامل، والزاهد الفاضل، صاحب السيرة المنيرة، شيخنا الجليل، ونبراسنا المضيء، وعلمنا الثابت الذي لا يغيب، إنّ الهيئة الروحية لطائفة الموحدين الدروز في لبنان التي آلمها المصاب الجلل بفقد الفاضل الجليل الشيخ ابي يوسف أمين تترحّم على روحه الطاهرة وصفاء جوهره، وتتذكر مواقفه التوحيدية الموحِّدة وحدبه الدائم على بنيه وأهله وإخوانه، وعمله الخالص لخير قومه وأمّته، وتؤكّد الهيئة الروحية بأن طائفته المسلمة الموحِّدة التي ساهمت في دعم وإعزاز القضية العربية والإسلامية، ستبقى بعونه تعالى بقياداته ورجالاتها وأبنائها في طليعة المناضلين في إعلاء كلمة الحق، وترسيخ الكرامة الوطنية أينما وُجِدت، وختاماً تتوجّه الهيئة الروحية والطائفة الدرزية في لبنان من المشايخ الأجلاّء، ومن آل طريف الأفاضل، ومن الموحدين في كافة الجليل والكرمل وفي الجولان وفي كل مكان، بأوفر التعازي القلبية، والمشاعر الأخويّة، راجية الله عز وجل أن ينفّعنا ببركات الشيخ الفاضل، وأن يلهمنا الاقتداء بسلكه، والاهتداء بهديه، وأن يوحّد قلوب إخوانه وأهله، ويوفقهم إلى كلمة واحدة جامعة، للحفاظ على ما خلفه الراحل الكبير من تراث، ومواقف وكرامات، للاستمرار في نهجه الشريف، ومن أجل خير الأمّة، وعزة أبنائها. رحمات الله تعالى تتتالى على شيخنا الراحل الصاعد في معراج الحقيقة، والسالك بروحه سبيل الأصفياء الموحدين، وإنا لله وإنا إليه راجعون .
كذلك كان على رأس الهيئة الروحية، فضيلة الشيخ أبو حسن عارف حلاوي، وفضيلة الشيخ أبو ريدان يوسف شهيب، وسماحة شيخ الطائفة في سوريا، وأصحاب الفضيلة وقضاة المذهب الدرزي، وعدد كبير من القادة الروحيين، وآلاف من مشايخ وأبناء الطائفة في لبنان ومنهم عدد من رجال السياسة. وتقدّم المصلين، الشيخ بهجت غيث، قائم مقام شيخ عقل الطائفة في لبنان.



 

عن كتاب " العمامة المكورة" بتصرف
تجدون كتاب " العمامة المكورة"  أيضا هنا في موقع
"العمامة" على شبكة الانترنت  www.al-amama.com

 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2014 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.