spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 127
الاستعمال الخاطئ لشبكات التواصل الاجتماعي يؤدي إلى عواقب غير محمودة
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 154
العدد 153
العدد 152
العدد 151
العدد 150


 
قبر ومتحف القائد الكبير جنبلاط جنبلاط في قبرص طباعة ارسال لصديق
أثناء مكوثي في قبرص مؤخرا، جاءني صديق يسكن الجزيرة، ويعرف مدى اهتمامي وشغفي بالأمور التاريخية، وخاصة بكل ما يتعلق بالطائفة الدرزية المجيدة، جاءني قائلا، إنه أعد لي مفاجأة لا بد ستعجبني وتلقى صدى في نفسي، فنقلني بسيارته، وتركنا مدينة لارنكا، وتوجه بي إلى القسم التركي من الجزيرة، وهو كيان سياسي قائم بذاته، له حدوده ومقومات الحكم الخاصة به. وبعد أن توغلنا في القسم التركي، وصلنا إلى مدينة فاماغوسطا الساحلية. وهذه المدينة لا يمكن أن أنساها في حياتي، لأنني، وعندما كنت طالبا في الصف الثامن، تقدمت لما يسمى "امتحانات الإعانة" ونجحت، لكن قيل لي، إن الغلطة الوحيدة من بين 500 سؤال لي، كانت أني سجلت أن مدينة فاماغوسطا تقع في تركيا، وليس في قبرص. ولم أغفر لنفسي هذا الخطأ حتى اليوم. وعندما وقفت أمام أسوار مدينة فاماغوسطا التاريخية الشامخة، تذكرت ذلك الخطأ، وبعد دقائق، تبين لي أني غفلت مرة أخرى، فقد تقدم صاحبي بسيارته، وأوقفني أمام يافطة تحمل اسم مدافن جنبلاط،، وكانت هذه المفاجأة، وتذكرت ساعتها أني قرأت عن هذا الموضوع في مكان ما، وتذكرت كذلك أني نشرتُ عن هذا الموضوع في أحد أعداد " العمامة" القديمة. وقد جئت في السنوات الأخيرة إلى قبرص عدة مرات، لكن لم يخطر ببالي، ولا مرة، أن ابحث عن القبور وعن تاريخها، وعن الدور الذي قام به المدفونون بداخلها، وهذه غلطة  أخرى لا أغفرها لنفسي. وقد علمت أن الموقع يضم قبور لزعماء من آل جنبلاط، وكذلك متحفا لذكراهم. لكن الوقت، لما وصلنا، كان متأخرا، وكان الموقع مغلقا، فاكتفيت بأن تجوّلت في أرجاء المدينة القديمة، التي تشبه بشكل كبير مدينة عكا، الواقعة بين الأسوار، فالسور يحيط المدينة من أجزائها الثلاثة، والبحر يحدها من الجزء الرابع. وفي المدينة معالم تاريخية ومبان قديمة، تدلّ أنه كان لهذه المدينة شأن كبير في تاريخ الجزيرة والمنطقة، وقد تنشّقت عبق التاريخ في جو المدينة، وتخيّلت القوارب المحمّلة بالجنود، تزدحم على ميناء المدينة وتدخلها فاتحة، وفي مقدّمتها وعلى رأسها أمراء من آل جنبلاط.
وعندما عدتُ إلى البلاد، أسرعت إلى المراجع الكثيرة الموجودة في حوزتي، وأخذت أفتش عن المصادر التي قرأت فيها، عن آل جنبلاط في تركيا، فوجدت أن الدكتور جبر أبو ركن، نشر في العدد التاسع من "العمامة" الصادر في أيلول عام 1988، مقالا عن مدينة كِيلس في سوريا, وهي مهد الجنبلاطية، معتمدا على كتاب الدكتور سليم حسن هشّي بعنوان " علي باشا جنبلاط" الصادر في بيروت عام 1986. وفيه ذكر لتفاصيل هامة عن احتلال ميناء فاماغوسطا من قِبل جيش تركي، كانت قيادته في يدي الزعيم الكبير جنبلاط جنبلاط.  ولأهمية الموضوع، ولزيادة المعلومات عن تواجد للطائفة الدرزية خارج منطقة الشرق الأوسط، أعود واقتبس المعلومات التالية، عن الكتاب المذكور، داعيا جميع أبناء الطائفة الدرزية المتوجّهين إلى جزيرة قبرص، أي يزوروا مدينة فاماغوسطا، وأن ويقفوا أمام قبور الزعماء من آل جنبلاط:
" بعد أن احتلت الجيوش العثمانية الشرق العربي، فكّر العثمانيون جديا بفتح قبرص، ووضع حد لتسلط قراصنة البحر، ومن ثم فتح طريق آمن أمام الحجاج القاصدين بيت الله الحرام. فقرّر السلطان سليم الثاني، أن يعمل بسرعة وصمت، فقاد الأسطول البحري إلى سواحل ليماسول في أوائل ايلول عام 1570 وفي التاسع منه، ضرب الحصار حول نيقوسيا، ودخلها بعد ثمانية أيام. تابع العثمانيون زحفهم داخل الجزيرة، ولم يبق أمامهم سوى مدينة فاماغوسطا المحصّنة، وكان موقعها الاستراتيجي يحول دون احتلالها . استجمع العثمانيون كل قواهم، واستعانوا بأسطول ضخم مكوّن من 168 قطعة بحرية من جميع الأحجام، مزوّدة كل منها بمدافع ضخمة، ثم ألقوا الحصار عليها وشدّدوه. أما الجيش البري البالغ عدده ما ينوف عن 25 ألفا، فقد قاده جنبلاط جنبلاط، وهو ابن التسعين سنة. استطاع هذا الكهل أن يضع خطة حصار محكّمة، فأنزل الجيش البري عن طريق البحر، وحاصر القلعة من جهة البر، بينما اندفع الأسطول البحري وسدّ جميع المنافذ, دام الحصار عدة أشهر، استبسل خلاله البنادقة( جنود مدينة البندقية)  بالدفاع، واستمات العثمانيون بإحراز النصر مهما علا الثمن، فدارت معركة طاحنة من حائط إلى حائط، ومن زاوية إلى زاوية، حتى وصل العثمانيون بعد جهد جهيد، إلى باب القلعة الرئيسي، وكان محصنا تحصينا فنيا، فقد وضع البنادقة على المدخل دولابا ضخما ذا نصال حادة، يدور آليا، ويهدد كل من يقترب منه بالموت الزؤام. أمام هذا الواقع المرير، لم يجد جنبلاط بدا، إلا التضحية بنفسه، لاقتحام الباب الرئيسي، فاسحا بذلك المجال أمام جنوده لاحتلال هذا الموقع الحصين.
كفن جنبلاط نفسه وهو ابن التسعين عاما، والتفّ بعلم الدولة العثمانية، وودّع جنوده الوداع الأخير، واندفع نحو الدولاب حادّ النصلات، وتمسّك به وأوقفه، غير أنه فقد توازنه، ووقع بين نصلاته الحادة، وانقطع رأسه وهوى إلى الحضيض، وعيناه ناظرتان إلى أعلى. اتجاه هذا المشهد المرعب، دبّ الذعر بالجنود البنادقة، فانسحبوا لا يلوون على شيء، فاسحين المجال، كل المجال، لأعدائهم، فاندفع حينئذ العثمانيون، واحتلوا القلعة، بعد أن رفع قواد الحامية البندقية راية الاستسلام.
ليم ينسَ العثمانيون بطلهم، وقائد جيوشهم، ابن التسعين عاما، فحفظوا ذكره، وتغنّوا بأمجاده قرونا طوال، وأقاموا له التماثيل التذكارية، ومتحفا يحمل اسمه إلى اليوم، وضريحا فخما داخل القلعة التي اقتحمها. وقد سجّلوا في تواريخهم، وسطّروا في نشراتهم الدورية، الصادرة إلى يومنا هذا، في  هاتيك الديار، مآثر هذا البطل المغوار. وقد كتب مؤخرا أحد مؤرخي الأتراك مادحا هذا البطل القومي مذكّرا الأتراك ببطولته الخالدة ومآثره الطيبة نحو وطنه قائلا :" كثيرون هم أبطال بني عثمان الذين لمعوا كالنجوم في سماء وطننا ليبقوا مجد الأمّة. ومن هؤلاء الذين لمعوا كالنجوم الساطعة جنبلاط جنبلاط." 
 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2021 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.