spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 92
التواصل بين دروز لبنان ودروز إسرائيل
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 136
العدد 135
العدد 134
العدد 133
العدد 132


 
الأيام والساعات الأخيرة للشيخ الفاضل (ر) طباعة ارسال لصديق
بقلم تلميذه الشيخ أبي علي عبد الملك
من كتاب الأستاذ عجاج نويهض
في آخر السنة التي نُقل فيها إلى رحمة الله تعالى، لحقه قلق كثير من ضعف بدنه من الجوع والسهر ومكابدة العبادة، فتألم من ضعفه كثيرا، ومع هذا كله بقي صابرا، لا يشكو ولا يئن ولا يتأفف، من أكل ولا شرب، كما يفعل الناس، بل دام على أسلوب حياته وعافيته. وكنا نسمع منه في الليل والنهار، يتطلب ويقول : "سيدي! أسالك أن تبقي عليّ عقلي، والجسم افعل به ما شئت" وكان الناس يعودونه من كل ناحية، وكان قد صار من ضعف بدنه وخراب رأسه قليل السبيل، فإذا أتى جماعة يعودونه، فننزلهم في المنزل المعدّ للضيوف، ثم ندخل إليه نعلمه بالزوّار وهو ملازم الفراش. ومعلوم كيف تكون حال المريض فيستأذن منه خادمه، ويأخذ عمامته عن رأسه، ويضع عمامته على رأسه الشريف، إلى أن يلف له شاشة، ثم يردّ عمامته على رأسه، فيقول له بعد التشكر والدعاء، كأني الساعة شممت الهواء، وكذلك مرارا يستأذن منه خادمه في كحل عينيه، وتسريح كريمته الطاهرة بالمشط يبد خادمه، ولسانه لا يفتر عن الدعاء والشكر له. وسبّب ذلك الضعف الكثير، حتى صارت ترتجف يداه، ولا يقدر أن يضبط بهما المشط، وفوق ذلك قلة مبالاة بجسمه الطاهر ثم يقول له:" يا بعدي هذه آلة ترابية " هذا كان كلام المرحوم. وأما مقصد خادمه فشفقة عليه ورقة ومحبة، حتى لا يرى أحد به إهانة، ثم بعد ذلك يخرج إلى الزوار ونأمرهم بالدخول عليه، فيدخلون للسلام عليه، ويسلمّون فيردّ عليه السلام بالبشر والتسهيل والترحيب والتودّد الجارية عادته به، فيلتمسون منه البركة، ثم يخرجون من عنده، وهم يحمدون الله تعالى ويقولون: الشيخ، نحمد الله، طيب، وجهه منوِّر وكلامه شديد ونحو ذلك.
وكان رحمه الله وقت هذا الكلام عمره ثلاث وستون سنة، تزيد قليلا أو تنقص قليلا، وكنا نلازمه ليل نهار، وكان رأسه قد خرب من "التسقيط) فأشار عليه أخوه الكبير بالكي في رأسه فقبل منه، وكان من سمته أن يقبل مشورة الإخوان، يحب ذلك ولا يريد مخالفتهم في الصواب، فأحضروا له متطببا يدّعي المعرفة بالكيّ، فأجلسه بين يديه، وصار يحمّي كعب الميسم حتى يحمّر كالجمر، ويضعه في رأسه حتى يحمرّ موضع الكيّ، فوضع في رأسه في ساعة واحدة خمس كيات، هذا والمرحوم متكتف ثابت في مكانه لا يأتي بحركة، ولا يتكلم مع نحافة بدنه وضعفه. فلما فرغ الكاوي من عمله، فرك المرحوم يديه ثم حمد الله وشكره ودخل إلى فراشه، وما افاده ذلك الكي شيئا.
ولما ثقل مرضه أحضر أخويه وخادمه وجماعة من الأعيان الحاضرين، وكان قد أوصى بتفريغ متروكاته بخط خادمه، وأفضى إليه بالوكالة. وكان قبل ذلك لجّ عليه بعض الأعيان في الوصية، لظنهم أنه مدّخر دراهم مما دخل عليه،  فقال ونحن نكتب وصيته:" ما في عمري كله صررت قرشا لأجل الادخار، بل ما أعجل إنفاق الدراهم بعد وصولها". هذا كان كلامه وقت وصيته وصدق فيما قال. وما وجدنا تخلف عنه شيء أو يكون نحو عشرة قروش أو اقل أو أكثر، ثم قال للحاضرين حوله:" مطلوبي منكم أن لا تدفنوني إلا في حقل ينحرث حتى لا يُعرف لي قبر أبدا. وألحّ علينا في ذلك. فقلنا له لا يليق ولا يرضاه منا الناس ولا حكّام البلاد. فعاد بنا إلى غير ذلك وبعد مراجعة كثير قال: إن كان لا بد من هذا الأمر، فيكون الدفن في تربة البلد، وصورة القبر كصورة القبور المعتادة، فأجبناه إلى ذلك ثم قال : لا تنعوني إلى أحد. وكان قد قطع حكمه في هذا في حياته، حتى كان يبعد من ينعي ومن يمشي في المنعى، وبلغوا عن لساني أن لا يرثيني أحد ببيت شعر. إذا قضى الله فيّ، فاكتبوا أوراقا وفرّقوها أن لا يمشي أحد في عزائي، ولا يتكلف شيئا، بل كل ناحية يعزّي أهلها بعضهم بعضا. فقبلنا منه ما أوصانا به والتزمنا بذلك .
فلما قربت منه الوفاة، وكان قد قطع الكلام، قرب يوم وليلة وعقله حاضر ووعيه معه. وكان أخوه الصافي رحمه الله حاضنه، ونحن حوله نبكي، وهو ينظر إلينا، فرفع يده قليلا قليلا إلى فوق رأسه، ومرّ بها عليه، وأدار بنظره إلى من حوله، واحدا واحدا، مودّعا ثم قضى نحبه إلى الله تعالى. فوضعناه في فراشه، وخرجنا من عنده بالبكاء، والحسرات قائلين :" يا لها من ركضة إلى الفردوس الأعلى، ويا لها من مصيبة ما كان أعظمها، ويا لها من ساعة ما كان أشقّها على الحاضرين". وللحال قبلنا ما أوصانا به، وكتبنا ست أوراق بخط خادمه، وأرسلنا اثنتين منها إلى حكام البلاد، فأحدهما ركب وقال لرفاقه، ما كل يوم يصير لنا أجر كأجر هذا الشخص الفضيل الفاضل وحضر دفنه. والآخر قال: قبول أمره أعظم من أجره ومن المشي في عزائه. ثم دفناه، رحمه الله بحسب ما رسم في تربة البلد الذي توفي فيه، في قبر محدث بلا نواص ولا تجصيص سمت قبور العباد. ومشى أمره في البلاد بحسب ما رسم، وأهل كل ناحية يعزّون بعضهم بعضا، وما حصلت مشقة لأحد، وما تكلف أحد شيئا، وما رثاه أحد رحمه الله ما كان أتمّ مراسيمه حيا وميتا. وإنا لله وإنا إليه راجعون.
 وكانت وفاته ليلة الجمعة في الثاني والعشرين من شعبان من شهور سنة خمسين بعد الألف. فأرسلنا نعزي فيه إلى بلاد حلب، فلما عزوا فيه الشيخ جابر، عضّ على إصبعه، وفاضت دموعه على تلك الشيبة الطاهرة، ثم أخذ في نعت المرحوم الصالح حتى أنه أذهل كل من كان حاضرا أو أبكاه، وأقاموا للمرحوم عزاء واسعا كما نقل التقاة.
 
 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2017 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.