spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 80
المجاهد شكيب وهاب
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 136
العدد 135
العدد 134
العدد 133
العدد 132


 
من بطون التاريخ.. هكذا انتخب رئيس لبنان طباعة ارسال لصديق

بقلم عضو الكنيست السابق السيد امل نصر الدين


جلستُ في الأيام الأخيرة الماضية، وتتبعتُ عملية انتخاب رئيس الجمهورية في لبنان، وعدتُ بالذاكرة إلى عام 1982، عندما كانت لبنان في وضع، تنتظر فيه انتخاب رئيس للجمهورية، وكانت في خضمّ حرب أهلية، بدأت عام 1975 وأكلت الأخضر واليابس في البلاد. وبعد أن دخل جيش الدفاع الإسرائيلي، ووصل إلى بيروت، كان لدولة إسرائيل ما تقوله في هذه الظروف، حتى بالنسبة لانتخاب رئيس للجمهورية. وقد وكّلني رئيس الحكومة، السيد مناحيم بيغن، أن أعمل باسمه وراء الحدود اللبنانية، على أن أحافظ في نفس الوقت، على مصالح الطائفة الدرزية، وكذلك مصالح دولة إسرائيل، التي كانت متركّزة في إبعاد العناصر الفلسطينية عن حدودها الشمالية، ولم يكن في ذلك الوقت، أي خطر أو خوف من الشيعة أو من غيرهم.
 وصلتُ إلى لبنان، رأسا بعد دخول القوات الإسرائيلية إليها،وكان أول عمل قمت به، هو ترتيب زيارة لمشايخ البلاد، أولا لخلوات البياضة في حاصبيا وبعد ذلك في الشوف. وقد تحقق ذلك بنجاح تامّ، وتمّ اللقاء بين دروز البلاد وإخوانهم في الجبل.
في تلك الأثناء كانت قضية الساعة، عملية انتخاب رئيس للجمهورية، وكان المرشح صاحب الأمل الكبير، هو السيد بشير الجميّل. ولأول وهلة، كان يبدو أن هناك صراع بين الدروز والمسيحيين، لكن وبعد أن تعمّقت في الأمور وبحثتها مع قادة لبنان الدروز، من مشايخ وسياسيين، لمستُ أن مصلحة الدروز، هي في التعاون مع المسيحيين، وفي فرض الشرعية، وفي إخراج الفلسطينيين من حلبة النزاع الداخلي في لبنان. وقد قمتُ بزيارة مقرّ الكتائب في جونياا، واجتمعت هناك مع السيد بشير الجميل، وتحدثت معه عن كافة الأمور، ورأيت أنه يقدّر الدروز، وأنه يعلم أنهم قوة سياسية تؤخذ بالحسبان، في أي تسوية سياسية في لبنان, وكان الأمير مجيد أرسلان، قد نظّم اجتماعا شعبيا كبيرا في عاليه، وتقرر فيه بالإجماع، دعم بشير الجميل للرئاسة، وكان هذا برغبة وإرادة وعدم معارضة من قبل شيخ العقل الشيخ محمد أبو شقرا.
 في تلك الأيام، كنت جالسا في ديوان الأمير مجيد أرسلان في مدينة عاليه، وخلال دقائق، دخل السيد بيير الجميل، مؤسس الكتائب ووالد بشير، ثم دخل الأباتي بولس نعمان، وبعد فترة دخل السيد كميل شمعون، رئيس لبنان السابق، ورئيس حزب من المسيحيين غير الكتائب. وهناك طُلب مني كممثل لرئيس حكومة إسرائيل، إعطاء رأيي في الخلاف بين بشير الجميل وبين كميل شمعون، الذي لم يدعم انتخاب بشير للرئاسة. قلتُ: الدروز لا يهمهم من يكون رئيس الجمهورية، فهذا موضوع مسيحي داخلي، لكننا نحن نريد حقنا بحكومة لبنان، وأن نأخذ التمثيل المناسب. عندها وقف السيد بيير الجميّل، وتوجّه إليّ قائلا : لبنان جريح يا حضرة النائب، وهو بحاجة لوثبة هذا الأسد، وأشار إلى الأمير مجيد ارسلان. وأخرج من جيبه قلما مذهّبا وقال بحدّة وإصرار: إذا كان الأمير مجيد يقول إن هذا القلم سيكون وزيرا فسيصبح القلم وزيرا، إن تركيب وتشكيل حكومة لبنان وانتخاب رئيسها، متعلق كله بقرار من الأمير مجيد، فهو بطل بشامون ومن مؤسسي لبنان، وهو شخصية محترمة ويمثل طائفة عريقة... وكان ينقص انتخاب بشير الجميل عشرة نواب فقط. تقرر في الجلسة أن يؤمّن الأمير مجيد النواب العشرة، وأن يُنتخب بشير وأن يمثّل الطائفة الدرزية في الحكومة الجديدة ثلاثة وزراء: وزارة الدفاع، وزارة الإعلام ووزارة الاقتصاد. واتفقنا على تأليف لجنة من ثلاثة أشخاص مكوّنة من ممثل حكومة إسرائيل والأباتي نعمان، ممثل الكتائب، والأمير فيصل ارسلان ممثل الدروز. فاجتمعت اللجنة وقررت أن يجتمع الدروز ويقرروا انتخاب بشير، وأن يجتمع المسيحيون ويعلنوا عن الشراكة الدرزية المسيحية في الحكم. وقد اجتمع الدروز في خلوات القطالب في ألأول من شهر تموز عام 1982 وأصدروا بيانا موقعا من قبل الهيئة الروحية لطائفة الدرزية، أعلنوا فيه تأييدهم للشرعية، ودعمهم ترشيح السيد بشير الجميل، وبعد ذلك توجهت إلى مقر الطائفة المسيحية في الكسليك، وطلبت أن يجتمعوا وأن يصدروا بيانا ردا على بيان الطائفة الدرزية. فاجتمعت الهيئات الممثَِّلة للقوى المسيحية في مقر الكسليك، وأصدروا بيانا ذكروا فيه، أنهم يرتاحون لبيان الطائفة الدرزية، ويتمسكون بوحدة لبنان وبشرعية الحكم فيه ذاكرين " أن أحدا لا يستطيع ان ينكر كون الطائفة الدرزية في لبنان، هي ركيزة من ركائز وجوده واستقلاله، بل هي أيضا ركيزة من ركائز ديمومته". واتُّفق على دعم انتخاب بشير الجميل، وإنهاء الحرب الأهلية في لبنان، وإثبات الشرعية.
 وهكذا كان، وتمّ انتخاب بشير حسب الاتفاق، وقد وعد هو ووالده وأركان حزبه أن ينفذوا الاتفاق مع الأمير مجيد، لكن الرياح جرت بما لا تشتهي السفن، فقد تمّ اغتيال بشير الجميل، وألغيت كل الاتفاقيات، وتحوّل مجرى التاريخ إلى مسار آخر.
راجعت بفكري كل ما جرى في ذلك الوقت، وحمدت الله سبحانه وتعالى، أن الأحداث التي جاءت بعد ذلك، أثبتت صدق ما كنت أفعله في حينه، فقد سمعت من زعماء دروز ومسيحيين في ذلك الوقت، أنه بالرغم من وجود مناوشات أحيانا بين الدروز والمسيحيين، إلا أن واقع لبنان، وكيان لبنان، وديمومة لبنان، بشكله التاريخي، لا تبقى إلا إذا تعاون الدروز والمسيحيون. وأكبر إثبات على ذلك، هو التقارب الذي حصل بين السيد وليد جنبلاط، وألدّ أعدائه في حينه، السيد سمير جعجع. وفي ظل الإشاعات الأخيرة والأخبار عن بدء مفاوضات بين الجمهورية السورية وإسرائيل، أرى مرة أخرى، إثباتا وصدق ما فعلناه وبنيناه في ذلك الوقت. وكلي أمل أن يتحقق ما كنا نحلم به، من صلح بين سوريا ولبنان وإسرائيل، حتى ولو جاء متأخرا بعقدين ونصف من الزمن.  
 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2017 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.