spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 113
زيارة مقام سيدنا أبو إبراهيم (ع)
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 145
العدد 144
العدد 143
العدد 142
العدد 141


 
كلمة العدد: عندها، نترفع حتى عن صيد الأسود، وليس فقط عن صيد الأرانب .. طباعة ارسال لصديق
روي عن أحد كبار الصوفيين، أبو إسحاق إبراهيم بن أدهم، وقد كان من أبناء الملوك، أن سبب تصوفه وعزوفه عن الدنيا،  كان حدثا بسيطا للغاية، لكن أهميته بالغة، فقد خرج يوما للصيد، كعادة أبناء الملوك في ذلك الوقت، ولحق أرنبا، وسعى في طلبه بجهد ومشقة واهتمام، وفجأة سمع أو تخيّل أنه سمع هاتفا يقول له : يا أبا إسحاق، ألهذا خُلقت أم بهذا أُمرت؟؟؟ فنزل توا عن فرسه، وصادف راعيا لأبيه، فأخذ الجبة من الصوف التي كانت بحوزة الراعي، ولبسها، وأعطاه ثيابه الفاخرة وفرسه، وكل ما كان معه، ودخل البادية متنسكا...
صيد الأرانب، هو نموذج لظاهرة كانت، وما زالت سائدة حتى اليوم. هذه الظاهرة تشير إلى الترف والفخفخة والحياة الصاخبة، لدى الأغنياء والموسرين، والطبقات المبطنة ماديا في المجتمع، ومن علاماتها الركض وراء المباهج، والتوافه، واللهو وتضييع الوقت، في أمور آنية، ليس لها أي قيمة، إلا في وقتها.
وإذا نظرنا إلى واقعنا اليوم، نجد أن من يستهلك أكثر مصروفه، على المأكل والملبس المبالغ به، وعلى المظاهر الخارجية، وعلى السيارة والقرميد، وعلى البيت الكبير والأثاث الفخم، فهو من صائدي الأرانب.
 ومن يجعل كل همّه في الحياة، كيف يثير انتباه وانطباع الآخرين، ومن يرى كل شغله الشاغل في الحياة هو، كيف يشبع بطنه، ويرضي غرائزه، ومن يؤمن، أن وجوده في هذا الكون، هو للأكل والشرب والبذخ، فهو كذلك من صائدي الأرانب.
وأن كل من يضع نصب عينيه، تحقيق التوافه المادية الزائلة، والركض وراء المناصب والمراكز وتحقيق المكاسب المادية وغيرها، والتفاني وبذل كل غالي ورخيص،في أمور تصبح بعد فترة تافهة لا قيمة لها، فهو كذلك من صائدي الأرانب.
 فعملية الصيد، تفشّت فينا، وطغت علينا، واستفحلت في ربوعنا، لدرجة أن كل همنا، هو أن نكدّ ونعمل ونهلك، لكي نرضي الشهوات الدنيا في نفوسنا. وكم امرئ استدان وتضايق ورخّص من نفسه، لأن زوجته أرادت حاجة ما، ولم يستطع هو أن يلبّيها، فلجأ إلى الذل ليشبع غرائزها. فمثلا، وللأسف الشديد، تحوّل عيد النبي شعيب (ع)عندنا، وعيد الأضحى المبارك، تحولا إلى رحلة استجمام إلى إيلات، وإلى غيرها من المدن السياحية في البلاد. وفي السابق، كنا نبتهج يوم العيد، إذ كنا نخرج، فنرى الصغار في أحلى ملابس العيد، ونشم روائح اللحوم المشوية في الجو، ونعبّئ جيوبنا بالحلويات التي يقدّمونها لنا في كل بيت نزوره. أما اليوم، فالآتي إلى إحدى قرانا يوم العيد، يعتقد وكأنه وصل إلى قرية مهجورة، لا يجد فيها إلا بعض "المعتوهين مثلنا" الذين ما زالوا يؤمنون، أن العيد، يجب أن يُعيَّد به في البيت. وكم سمعنا عن أناس جاءوا يستعطفون موظفي البنوك، أو آخرين تعرف أنهم في ضيقة مادية، وترى يوم العيد أنهم سبّاقون إلى السفر، وقضاء الوقت في الملاهي والبذخ.
وفي خضم المباهج والملاهي والمساخر، التي ينتهجها القسم الأكبر من مجتمعنا، نسينا في الطريق، عنصريّن هامّين، وركنين أساسيين، لولا وجودهما، لسُدّت أمامنا جميع الطرقات، ودخلنا إلى الفناء بدون أن نشعر. وهذان العنصران هما: العلم والدين. والعلم والدين عندنا هما كنز واحد لمن يفقه ذلك، لكننا بعيدون عشرات السنوات الضوئية من ذلك الوضع، الذي نتمناه، وهو المزيج بين العلم والدين، وهذا ممكن، وهذا ، لو تحقق، لأسدى لنا وللإنسانية خدمة لا تقدر بثمن، لكن الأمل موجود، أن يتحقق هذا الرجاء يوما ما، فتنتعش الإنسانية جمعاء بالموارد التي أوجدها الخالق، سبحانه وتعالى، وهي موجودة في متناول يدنا، لكننا لا نعرف كيف نستطيع الحصول عليها.وسيأتي يوم، سيعرف العالم بأسره قيمة الدرر والكنوز الموجودة، التي تنتظر من يفك رموزها وغموضها بجدارة علمية، وإيمان نقي.
 وحتى ذلك اليوم، نفصل بين العلم والدين، ونشجع كل مقتدر أن ينهل من كليهما، لكن إذا لم يستطع ذلك، فعليه بواحد منهما، وهو بذلك غني، سعيد، قنوع. وقد تحدثنا في هذا الموقع الكثير عن العلم وأهميته، ومدى احتياجنا له، وسنحاول في المستقبل، أن نطرق الموضوع من أبواب جديدة. وهنا، سنتطرق إلى الشق الثاني من المعادلة، وهو مهم وله أبعاد وحدود مصيرية، لها تأثير في كياننا ووجودنا وحياتنا، وهو موضوع الدين.
أقول بكامل الثقة،وبصورة علانية، وبدون أي تردد، وأمام جميع رجال الدين من مختلف الديانات،إنه يمكننا أن نرفع رؤوسنا، ونشمخ إلى السماء، ونعتز ونفتخر ونتباهى، بأن رجل الدين عندنا، هو أشرف رجل دين على وجه الأرض. ونحن، طبعا، نقصد بذلك، رجل الدين الحقيقي، الذي يتقيد بكل التعليمات والقيود والفرائض، والواجبات والسلوكيات والمبادئ، التي يوجِب المذهب التزامها، ونحن لا ننكر، أن كافة الأديان والمذاهب، تضم أناسا متدينين، يلبسون الزي الديني، ويقومون بكل الشعائر، أو بعضها، لكنهم لا يُعتبرون متدينين حقيقيين، بالمعنى الصحيح للكلمة. وكذلك الوضع في الطائفة الدرزية، هناك عدد كبير من المتدينين، لكنهم ليسوا من نوع واحد، وعلى وتيرة واحدة، وإنما هم درجات، فمنهم من يحافظ ويهتم بالسمات الخارجية للدين، لكنه أحيانًا يقوم بتصرفات لا تناسب بالضبط هذا الموقف. ومنهم من لا يدقق في الظواهر الخارجية، لكن أعماله وتصرفاته ومسالكه، تجعله أفضل متدين. ومنهم الصفوة المختارة، والطبقة المميزة، أولائك الذين ينفذون الفرائض الدينية بكاملها،  بقلب صاف وبنية خالصة، وبهدف صادق، فهم يعيشون في هذا الكون، ويقومون بكل واجباتهم الاجتماعية اتجاه الناس والمجتمع، وفي نفس الوقت، يعبدون الله سبحانه وتعالى، ويخافونه، ويعاملون من حولهم، بأكثر ما يتطلبه المذهب والدين. هؤلاء هم المتدينون الحقيقيون، ومذهب التوحيد، وكل مذهب يطمح في أن يصل لوضع، يشمل فيه أكبر عدد من هؤلاء في ربوعه. وكلما زاد عدد أولائك الصالحين، كلما تحسن وضع المجتمع، وكبر نقاؤه، وحسنت سمعته، وزاد تقى وخيرًا. وإذا قارنا هذه الطبقة في كل الأديان، نعود لنستنتج، أن رجل الدين الدرزي الحقيقي، هو أشرف المتدينين، ولا نبالغ بذلك، ولا نقول هذا، لأننا متعصبون، أو متحيزون، بل لأن الفروض والشروط التي يأخذها رجل الدين الدرزي الحقيقي، لا يتعهد بها أحد في العالم. فأول ما يُلزم به رجل الدين في مذهب التوحيد،هو قهر النفس، وقهر النفس بالمعنى التوحيدي، يعني أشياء كثيرة، فهو يعني الابتعاد عن كل ملاذ الحياة الدنيا الجسمانية المألوفة بين الناس، فالموحد الدرزي، يبتعد عن التدخين، عن المشروب، عن الرقص والغناء، عن الملاذ الشهوانية، عن الفخفخة، عن الغنى، عن الجاه، عن المركز، وعن كل ما فيه متعة، أو لذة، أو نعيم، أو مذاق طيب. كل هذه الأمور، لا نعلم أن رجال الدين في الطوائف الأخرى، محرومون منها، كلها أو من بعضها.
 وفي حين يقبع رجل الدين الدرزي في صومعته، أو في بيته، أو في خلوته، ويدأب على أن يكون له اتصال مباشر مع الله سبحانه وتعالى، في هذا الحين، حيث يصل رجل الدين الدرزي، إلى أن يسمو بعقله وأفكاره وهواجسه، فوق الملاذ الحسية، في هذا الحين، نجد غيره، ولا نقول هذا على باب النقد، ينعم بالشراب، أو النساء، أو أمور أخرى. وكلما زاد المتدين الدرزي زهدا، كلما زاد تقوى، وزادت منزلته عند الله. والعزوف عن الشهوات، وعن الملاذ، يُعتبر عند الكثيرين تضحية وخسارة، أما عند الموحد الدرزي، فهو يعتبر انتصارا، وانتصارا عظيما على النفس، وعلى النزعات الداخلية، وعلى الطمع والشهوات، وعلى المركبات النفسية، التي تدفع المرء لتحقيق الملذات، ومن هنا، فإن استطاع الموحد الدرزي أن يستمر في انتصاراته هذه، وأن يكبح جماح نفسه، فترات طويلة، فهو يستطيع بنفس المنطق، أن يتغلب على كل آفة، وكل خطر، وكل تعدٍ خارجي، لأن جسمه وكيانه يتحوّلان من مواد جسمانية رخيصة، إلى أنواع من الروحانيات، الغنية بالوحي النبوي، وبالتراكيب القدسية، وبالشمولية الإلهية العليا. 
وفي نفس الوقت، يؤمن الموحد الدرزي، بخلود الروح، وبفناء الجسد، وبتفاهة الكيان المادي للجسم. فالروح هي جسم خالد يتنقل، لا موت ولا زوال ولا فناء له، ومن يستوعب هذه الحقيقة، ومن يؤمن بها، ومن يضعها نصب عينيه دائما، فهو كذلك لا يخاف أحداً، أو خطرا أو جسما، أو أي مصدر كان. ويظل خوفه فقط من الله سبحانه وتعالى، إذا فعل شيئا خطأ. أما إذا كانت كل تصرفاته سليمة، وإذا قام بكل واجباته كما هي، فإنه يطمئن إلى أن الله، سبحانه وتعالى، واقف إلى جانبه، يلهمه ويسدد خطاه. وإذا حصل له مكروه، فهو يعتبر هذا المكروه تجربة وامتحانا، ودرسا وعبرة له، لأن يزيد صمودا، ويزيد قوة ومناعة، وأن يتغلب، وهنا يكمن عنصر التحدي، ليس التحدي أمام الله سبحانه وتعالى ومغفرة منه، وإنما التحدي أمام النفس، وأمام كل طاقاتها الأرضية الملموسة التي تجعلنا نشعر أحيانا أن كل السعادة كامنة فيها، لكننا نلاحظ بعد فترة كم هي تافهة، وإلى أي مدى هي غير مجدية وغير نافعة، ولا تكفل للإنسان أي مكسب، ولا تحقق له أي هدف. 
وعندما تتوفر هاتان الخصلتان في الموحد الدرزي الحقيقي، أي قهر النفس والإيمان بخلود الروح، عندها يصبح هذا الموحد من أقوى أقوياء البشر، فتكبر شجاعته، وتعظم قوته، ويتمكن من مجابهة أي مأساة، وأي مشكلة، وأي أمر مستعصي، يعجز عن تحقيقه الآخرون.
 وإذا كانت هذه الحال مع الفرد المؤمن، فكيف إذا تضافرت القوى، واجتمعت العزيمة والإيمان، في أكثر من شخص واحد؟ عندها، تتضاعف وتعظم القوى، وتنمو وتكبر القدرات، وتتحول كل هذه، إلى طاقة هائلة من العزيمة، تستطيع أن تذلل كل صعوبة، وأن تفتت الصخور، وأن تتغلب على كل المعجزات.  وهذه القوة الكامنة في الطائفة الدرزية، كانت في السابق، واستطاعت أن تحافظ على وجود وكيان الطائفة الدرزية خلال ألف سنة، وهي بقدرتها أن تحافظ علينا اليوم، وفي المستقبل، بشرط أن تصدق عندنا النيات، وأن تصفو القلوب، وأن نحب واحدنا الآخر، وأن ننفذ تعاليم مذهبنا القويم، وأن نترفع عن الصغائر، وان نصبو إلى الأحسن والأفضل لنا كمجموعة وليس كأفراد، وأن ننفذ بدقة وببساطة كل ما نحفظه، ونكرره، ونعيده في خلواتنا، وفي زياراتنا، وفي مذاكراتنا، وفي صلواتنا في الفجر، وفي ابتهالاتنا، عندما تقع الشدائد، وفي كل ما نؤمن به، ونعتقد بوجوده، ونتضامن معه، من خصال ومناقب وأعمال، ومبادئ وآراء وتوجيهات وملاحظات وتنبيهات عملية فاضلة، مكتوبة ومسجلة بالخطوط العريضة، نعرفها، ونحترمها، ونقر بها، ونؤمن بوجودها، لكننا نتعامى في الغالب عن تنفيذها.
وإذا عدنا إلى سيدنا إبراهيم بن أدهم، فلنعلم أي قوة، واي عظمة، تكمن في البساطة، في التقشف، وفي الابتعاد عن الملذات.
 وفي هذه الأيام، ونحن نحتفل بحلول عيد سيدنا شعيب عليه السلام، نذكر أشباها لسيدنا إبراهيم، عاشوا ويعيشون بيننا، ويثبتون لنا، أن خلود النفس، وعراقة الإيمان، وعظمة التفكير، ورجاحة العقل الموجودة في مبادئنا، هي هي، في السابق وهي هي اليوم، لم تتغير. وقد ذُكر عن المرحوم، الشيخ التقي، أبو يوسف سليم العنداري، انه قدم برفقة عمه المرحوم، الشيخ أبو محمد صالح العنداري، وبعض الإخوان المتدينين إلى فلسطين، لزيارة مقام السيد شعيب عليه السلام، فجاءوا سيراً على الأقدام،كعادة الصوفيين الكبار. وقد رجع من هناك حافياً، بعد أن ضاع حذاؤه،كذلك مشيا على الأقدام، فكتب له المرحوم الشيخ، أبو حسن منهال منصور من عسفيا :" لك أُسوة حسنة، بِشْر الحافي". وكان فضيلة الشيخ سليم، الذي توفي وعمره خمسة وثلاثين سنة فقط،، معتادا المشي حافيا، طبعا من باب التقوى والتعفف والترفع، وليس من باب البخل  أو الحرص، فقد روي عنه أنه عندما التحق بالصومعة الدينية الزاهرة، البياضة، للحفظ والتعبد، كان من عادته بعد أداء الصلاة، ليلة الجمعة في البياضة، أن يذهب مشيا على الأقدام، إلى ضريح الشيخ الفاضل (ر)، في عين عطا، فيتعبد هناك طوال الليل، ويعود بنفس الطريقة مع الصباح، إلى البياضة الزاهرة. ومع ذكر هؤلاء الثلاثة الكرام : بشر الحافي، الشيخ سليم العنداري، والشيخ ابو حسن منهال، يشعر المرء فينا، أنه مهما بلغت أوضاع الطائفة، من بؤس، وشقاء، وتعاسة، وانحطاط، كما يتصوّر لبعض المتخاذلين فينا اليوم، الذين ينعدم الإيمان في قلوبهم، ولا يرون إلا السواد، أقول، مهما بدا الوضع بائسا في عيون هؤلاء، فمع ذكر واحد فقط، من أولائك الأتقياء، يشعر المرء، بالعظمة، وبالقوة، والبأس، وبالعنفوان، الذي يتمثل في بساطة الشيخ، الذي فقد حذاءه، وفي تقشف الملك الذي استبدل ثيابه مع راعي والده، وفي إيمان وفلسفة الشيخ أبو حسن منهال، وفي صلابة وبسالة أضعف الضعفاء، بشر الحافي. أجل، عندما تجتمع العزيمة، مع الإيمان، مع العقيدة الراسخة، فلا حاجة عندنا، لا إلى القصور، ولا إلى الأموال، ولا إلى المباهج، فتكبر نفوسنا، وتتعالى، وتترفع، حتى عن صيد الأسود، وليس فقط عن صيد الأرانب...    



وكل عام وانتم بخير

سميح ناطور


دالية الكرمل
نيسان
 2008

 
 
التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2019 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.