spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 122
من عادات الدروز وغيرهم في الزواج
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 133
العدد 132
العدد 131
العدد 130
العدد 129


 
الصين في فكر بروفيسور سلامة عبيـد طباعة ارسال لصديق


الصين، تعني الكثير الكثير، في أذهان الموحدين الدروز، فهي في كل صلاة، وفي كل ذكر، لكن القصد هو الصين الوجدانية المجازية، التي تحتل مكانة هامة في ملحمة التوحيد. أما الصين العادية، الدولة العظمى، التي تشق طريقها الآن، لتحتل الصدارة في العالم، تكنولوجيا، وعسكريا، وحضاريا، فلها أهمية كبيرة كدولة عظمى، وكحضارة ساهمت في بناء التراث الإنساني الكبير. وهناك عدد من المواطنين الدروز، لهم ارتباط بشكل ما في الصين،فقد قام المفكر كمال جنبلاط بزيارتها في الستينات، واجتمع مع ماو تسو تونغ وتشو إن لاين.
وفي بلادنا، تربط علاقة وثيقة بين رئيس بلدية الكرمل، د. أكرم حسون، والسلطات الصينية. فقد كان د. حسون عام 1991، عضوا في أحد أوائل الوفود الإسرائيلية، التي زارت الصين، من قبل وزارة الخارجية الإسرائيلية، وحل ضيفا على منظمة الشبيبة الصينية، وعلى صحيفة ديلي ستار الصينية، وبلدية بيجين. وقام عام 1993 بزيارة للصين مرة أخرى، موفدا من قبل بلدية تل أبيب، حيث وقع مع رئيس بلديتها، معاهدة توأمة بين تل أبيب ومدينة بيجين، كما حل ضيفا على جامعة نانكاي في نيتجين، وعين منذ ذلك الوقت، عضوا في لجنة الصداقة الصينية الإسرائيلية وما زال. هذا وقد قامت السفارة الصينية في البلاد، بالتبرع بغرفة حاسوب للمدرسة الإعدادية في دالية الكرمل، كما استقبل الصينيون عشرة وفود من مدينة الكرمل، زاروا الصين كضيوف رسميين.، وقد قام محرر "العمامة" عام 1993 بزيارة للصين مع رئيس الحكومة الإسرائيلية آنذاك، المرحوم اسحق رابين وقضى معه أسبوعا حيث زاروا المنشآت والمعالم الصينية الهامة في بيجين ومدينة شنغهاي، بالإضافة إلى المقابلات الرسمية التي شهدها، وبعد عودته بأسبوعين، استقبل في منزله في دالية الكرمل وزير الثقافة الصيني ووفدا من الكتاب. وفي السنوات الأخيرة أصبحت الصين هدفا سياحيا لمئات الشباب الدروز، الذين يصلون إليها ضمن رحلات منظمة، كذلك يوجد بعض رجال الأعمال الدروز من البلاد وغيرها،  يستوردون منها أو يتعاملون معها تجاريا.
ومن بين المثقفين الدروز الذين ساهموا في بناء العلاقات الثقافية العربية الصينية، البروفيسور الأديب سلامة عبيد، ابن جبل الدروز، الذي طلبته جامعة بكين عام 1972 ليدرس اللغة العربية فيها فقضى، في أروقتها الجامعية 12 سنة، وقد اشتاق لأن يموت في بلاده، ولما عاد قضى ليلة واحدة فقط في بيته في الجبل، وأسلم الروح، فقد استجاب الله،سبحانه وتعالى لأمنيته وحقق له ما أراد.وكان البروفيسور عبيد، قد ولد في السويداء عام 1921، ابنا للشاعر الشعبي الكبير، الشيخ سلامة عبيد، الذي رافق الثورة السورية الكبرى، وكان شاعرها  وأرخ معظم أحداثها، فسمي "ربابة الثورة". تعلم في السويداء، وتخرج من الجامعة الأمريكية، فنال شهادة الماجستير في التاريخ بتفوق. عين مديرا للتربية والتعليم في محافظة السويداء 1953-1960 وكان في زمن الوحدة مع مصر، عضوا في مجلس الأمة.زار الصين لأول مرة عام 1964 ضمن وفد لإتحاد كتاب آسيا وإفريقيا، وكتب إثر هذه الزيارة كتاب "الشرق الأحمر" . ترجم عام 1983 مختارات من الشعر الصيني القديم ونشرها في كتاب. أنجز قبل وفاته عملا ضخما هو القاموس الصيني العربي، وصدر عام 1989 يحمل اسم "معجم الصينية- العربية".وبالإضافة إلى منشوراته المتعلقة بالصين، كان شاعرا فياضا، وناثرا ناجحا، وكاتبا متنورا، فاصدر عدة كتب، ونشر الكثير من القصائد والمقالات.
وعن ظروف تأليف كتابه "الشرق الأحمر" كتب:" كنت أعلم أن مؤتمرا طارئا للكتاب الإفريقيين والآسيويين، سيعقد في عاصمة جمهورية الصين الشعبية، ولكن لم يخطر على بالي، أن أكون بين المدعوين، ومع ذلك لم أتردد في قبول الدعوة، سيما وأن الأسطورة في جبالنا لا تزال تردد:بأن الصالحين من أسلافنا، يعيشون خلف السور العظيم، بانتظار اليوم الموعود.." وقد حوى الكتاب مشاهدات وأحاسيس المؤلف، وما أحب أن نتعلمه من الصين وتجربتها.فعن علاقة العرب بالصين، يقول البروفيسور عبيد:" تبدو الصين أكثر من العرب طلبا للصداقة وسعيا وراءها، إلا أن هناك نقصا في المعرفة المتبادلة بين الجانبين، فالعرب لا يزالون يتمسكون بالوهم المهيمن، وهو أن الصين دولة بعيدة وضعيفة.."وحوى الكتاب مشاهدات وأحاسيس المؤلف، وما أحب أن نتعلمه من الصين وتجربتها، ولا يخفي ميوله الذاتية اتجاه هذا البلد الذي أعجب بشعبه وتجربته، فسافر إليه ثانية ليعيش فيه أكثر من عشر سنوات. وتحدث الكاتب عن المدن الصينية، القرى، المدارس، نظم التعليم، طرق التربية، عقيدة الصينيين اتجاه الاستعمار وعن قضايا أخرى.وقد ركز في كتابه عن رحلته الأولى للصين على ما رآه من نقاط ايجابية تميز الصين وتسهم في إنجاح التجربة لبناء الصين الجديدة. وقدم للقارئ خلال حديثه عن مشاهداته ما يراه لازما لبناء وطن عربي جديد قدمه بأسلوب بسيط وبصدق .هكذا كان في زيارته الأولى إلى الصين فكتب عن صين الواقع بأبعادها الاجتماعية ، السياسية والفكرية فكان "الشرق الأحمر". أما في رحلته الطويلة إلى الصين فقد حاول أن يذهب إلى الأعماق الصينية في فلسفتها ، شعرها وحضارتها فكتب" طرائف من الصين" وترجم قصة "النساجة وراعي البقر" كما ترجم "مختارات من الشعر الصيني القديم". ومن الكنوز الصينية الأدبية التي ترجمها سلامة عبيد مقطوعة باسم "ولدي والكتاب" :
" ابني الصغير لا يجهد في الدراسة
ولا يعرف أن في طيات الكتب ذهبا
ولو عرف مبكرا أن فيها ذهبا غاليا
لرفع فتيل المصباح ودرسها حتى مطلع الفجر"
و"لخنساء الصين" كما يدعوها المترجم مقطوعة بعنوان" المساء الحزين" تقول فيها:
"في مثل هذه الحالة
أحزاني تعجز عن إدراك معانيها
كلمات الحزن.." وتقول في قصيدة" ترنيمة المشردة":
" إن شئت أن تحيى فعش بطلا
وبعالم الأرواح، كن بطلا". وفي قصيدة للشاعر شين تشي جي بعنوان" شباب من نار وكهولة من ثلج" يقارن بين عهدين ويقول:
" في شبابي
كنت لا أعرف معنى الهم والحزن الكئيب
كنت أمضي، أطلب الإلهام، في أعلى مقاصير التلال
في المقاصير الرفيعة، أنظم الأشعار ألحانا حزينة، وشجية
وأنا اليوم، قد ذقت مرارات الكآبة،
لا أغني الحزن، لكني أقول: إنه جو بهيج
آه ما أجمله فصل الخريف" .
وكتب الأستاذ عبيد بعض القصائد من وحي الصين منها قصيدة "السر الكبير":
" أطلب العلم ولو في الصين"
أوصانا النبي الكريم فأتينا ورأينا
وعلمنا أن هذي الأرض ليست للفناء
إنها ليست "كبيت نسجته العنكبوت
كل ما فيها سيفنى عن قريب ويموت"
هي أم، هي جنة، ولها منا الرعاية والعناية
وعلمنا أن للإنسان في الأرض السيادة
وله حق الإرادة
لم يعط بالخيط مشدودا بكف القدر
خائفا من عالم الغيب، ذليلا يتضرع". وأهم ما كتبه سلامة عبيد هو قصيدة" الله والغريب" وفيها يدعو الله أن يجعله يموت في بلاده، فيقول:
" يا رب لا تغمض جفوني هنا
هنا قلوب الناس بيضاء
وأرضهم ماء وأفياء
لكن بي شوقا إلى أرضي
لجبل الريان والساحل
ألقي عليه نظرة الراحل
دعني أعش يوما أخيرا هناك
حيث أحبائي
والذكريات الحلوة المرة
يا رب لم أحقد ولم أندم
ألا ترى قلبي بلون الثلوج
دعني إذن أغمض جفوني هناك
حيث أحبائي
يذرفون الدمع لون الدماء
ويعرف الرجال طعم البكاء"
وكأن الله جلت قدرته، استجاب لدعاء الشاعر فكان له يوم أخير في الوطن، ورحل بعد أن جاوز الستين قليلا في 25 آذار من عام 1925 فكان يوم رحيله مهرجانا شعبيا ورسميا، شارك في كثير من الصينيين الذين عرفوه جيدا وقدروا بكثير من الوفاء عطاءات وإنجازات الرجل. عاد سلامه عبيد إلى أرض الوطن وبعد يوم وليلة فيه وافاه الأجل فوق تراب الوطن الذي أحبه.



بتصرف عن كتاب " سلامة عبيد الأديب والإنسان"
للأستاذ فوزي معروف ، دمشق 1998
 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2017 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.