spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 119
فضيلة الشيخ موفق طريف يشارك في لقاء السلام والأديان في الفاتيكان
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 136
العدد 135
العدد 134
العدد 133
العدد 132


 
التـأمل الروحانـي طباعة ارسال لصديق
بقلم  د. جبر أبو ركن
مستشار علمي في الجامعة المفتوحة

التأمل الروحي المعروف بالمصطلح الأجنبي – ميديتشن – Meditation  هو حالة عقلية يصلها الإنسان من خلال تمارين روحانية فكرية يقوم بها وبواسطتها يتمكن من تحرير ذاته ونفسه من المخاوف والتوترات والاضطرابات والأفكار السلبية والعادات السيئة ويتخلص من العديد من الحالات المرضية الجسدية والنفسية.
من خلال التأمل الروحاني يصل الإنسان إلى حالة استرخاء الجسد والنفس والعقل وبإمكانه مراقبة وتأمل أفكاره وعقله العادي ومشاعره والسيطرة عليها. وفي هذه الحالة يرى الإنسان الواقع والوجود بشكل طبيعي وكما هو بدون تزييف وانحياز بسبب الأنانية والأطماع والحواس إذ يرى الأمور بالبصيرة وليس بالبصر ويترفع عن أنانيته التي تشغل عقله العادي في الحياة اليومية.
التأمل الروحاني موجود منذ القدم في الحضارات المختلفة وانتشر كثيرا في العالم الغربي مع الانفتاح الحضاري في السنين الأخيرة واليوم أصبح حاجة هامة عند الإنسان لمجابهة مشاكل وتحديات الحياة العصرية والمحافظة على توازنه وصحته الجسدية والنفسية والروحية.
من خلال الأبحاث العلمية والطبية التي أجريت في هذا المجال تبيّن أن نسبة استهلاك الأوكسجين عند المتأملين انخفضت ب 17% وكذلك انخفض عدد دقات القلب وارتفعت نسبة موجات الدماغ من نوع تيتا كما في حالة ما قبل النوم.
وتبيّن أيضا بأن الممارسين للتأمل الروحاني يعيشون في حالة الهدوء النفساني والسلام الداخلي مع أنفسهم والاطمئنان الدائم أكثر بكثير من الناس العاديين، وأن مزاجهم هادئ ومتسامح ولطيف ولديهم قناعة واعتدال في أمور حياتهم. وأكّدت الأبحاث بأن فوائد عديدة تحصل للإنسان الممارس للتأمل خاصة فكرية وعقلية حيث يقوى تركيز الفكر وتقوى القدرات العقلية المختلفة من تفكير وتركيز وتحليل وحفظ. والتذكّر يساعد على الشفاء السريع من الأمراض ويضعف الحاجة لاستعمال الأدوية وكذلك تزداد قوة المناعة عند الممارسين بنسبة أعلى من غيرهم.
لا يتمكن الإنسان من الغوص في أعماق ذاته وإدراك ماهيته ومعرفة نفسه بدون ممارسة تمارين التأمل.
التأمل الروحاني هو الطريقة المثلى والمسار الملكي لتحرير النفس البشرية من قيودها في عالم المادة والتغييرات والأوهام والاضمحلال والفناء. وهو سلم روحاني خفي حيث يمتد من الأرض إلى السماء، ومن الأسفل إلى الأعلى، ومن المتغير إلى الثابت، ومن الزمني إلى الأبدي، ومن الظلام إلى النور، ومن الجهل إلى المعرفة ، ومن الألم إلى السعادة، ومن الخطأ إلى الحقيقة، ومن العبودية إلى الحرية.
إن طرق وتمارين التأمل قديمة الزمن حيث تطورت في حضارات قديمة وعديدة في العالم وانتشرت مع الزمن بين البلدان والشعوب. يمكن تقسيمها إلى ثلاث مجموعات:
1- المجموعة الأولى: تشمل تمارين التركيز والاسترخاء وتؤدي إلى تهدئة العقل وسكونه ولهذه الحالة تأثير إيجابي على الصحة الجسدية والنفسية والعقلية حتى بعد نهاية التمرين بوقت طويل.
2- المجموعة الثانية: تشمل تمارين التأمل العميق والتطور التي تؤدي إلى تقوية وايقاظ طبقات العقل الباطن ومن ثم تقود إلى التغيير العميق في أنماط وصفات وعادات شخصية الإنسان الممارس لهذه التمارين. وكذلك تمكن الإنسان من النظر إلى الأمور بالبصيرة وليس بالبصر وبشكل شمولي وعميق وموضوعي بعيدا عن السطحية والأنانية والأطماع والحواس.
3- المجموعة الثالثة: تشمل تمارين الإيقاظ والجريان والسيطرة على القوى ومراكز الطاقة والحياة عند الإنسان. هدفها ليس فقط صحة دائمة خلال حياة الإنسان بل تغيير جذري لأنماط حياتية - عادات ومناهج – في شخصيته وتحرير ذاته ونفسه من الشرور والأطماع وكل ما يعيق تطوره للوصول إلى جوهر العقل والعقل الأرفع والاستنارة خلال مسيرته الروحانية في الوجود وتقلباته في الأدوار والأعمار. وهذا يقود في نهاية الأمر إلى الحكمة والروحانية والتحرر الروحاني لماهية الإنسان من المادة والجسد والانعتاق من عجلة الحياة والموت حيث يمكث الإنسان في وجود مرتفع روحاني وليس مادي. (الوجود المادي الأرضي ثلاثي الأبعاد – طول – عرض – ارتفاع – وهذا أحد درجات الوجود السفلي – هنالك عوالم ذات ابعاد أربعة أو خمسة أو أكثر من الصعب إدراكها.)
ممارسة التأمل الروحاني:
1- اجلس في غرفة هادئة تماما ونظيفة ومريحة كذلك يمكن التمرين في الطبيعة أو بجانب البحر. عليك أن تنفرد بنفسك بدون إزعاج من أي مصدر كان – شخص- تلفون – تلفزيون – راديو – وغير ذلك.
2- من المفضل أن تكون ملابسك مريحة بدون أي ضغط على الجسم في المناخ البارد ضع عليك غطاء لكي لا تبرد.
3- لا تتمرن بعد الأكل مباشرة، انتظر ساعة أو أكثر.
4- يمكنك التمرين في أي وقت مريح لك خلال النهار أو الليل. لكن أفضل الساعات للتمرين بين الساعة 4 – 6 صباحا عند شروق الشمس وساعات المغيب.
5- عند الجلوس اتجه نحو الشمال أو الشرق لاستغلال الطاقة المغناطيسية الإيجابية.
6- وضع الجلوس: من الأفضل أن تتربّع في جلستك ولكن إذا كان ذلك صعبا عليك فيمكن الجلوس على كرسي أو مقعد مريح بحيث يكون العمود الفقري منتصبا بقدر الإمكان- أن وضع الجلوس يجب أن يكون مريحا بدون توترات في الجسم أو ضغط. في حالات خاصة يمكن التمرين في وضع النوم على الظهر والاسترخاء ولكنك تبقى في حالة اليقظة- ضع يديك باسترخاء على ركبتيك أو واحدة فوق الأخرى في أسفل البطن.
7- مدة التمرين ما بين ربع ساعة وحتى ساعة.
8- من المهم الممارسة اليومية والمثابرة على ذلك حتى تحصل على الفوائد والنتائج.
9- بإمكانك القيام بالتمرين وأنت مغمض العينين أو فاتح العينين معظم طرق التأمل تفضل التمرين بعينين مغلقتين.
10- بداية التمرين: ركّز الوعي على عملية التنفس- الشهيق والزفير- تأمل بعقلك الهواء الذي تتنفسه. تنفس تنفسا عميقا عدة مرّات وبعدها تنفس بشكل طبيعي عملية التنفس هي سر الحياة وهي علاقة الجسد مع العقل وتنقطع حياة الإنسان بدونها – وهي حلقة الوصل بين الإنسان والطاقة الكونية والإلهية.
مع كل زفير اخرج التوترات والأوجاع من داخلك – تنفس الصعداء بشكل عميق حتى تصل إلى استرخاء جسدي ونفسي.
تأمل كل ما يجول ويدور بعقلك بدون توقف أو تمسّك أو ارتباط بفكرة أو موضوع أو أي شيء- اجعل كل شيء يجري كالسحاب وأنت كالسماء الثابتة تراقب جريان الأمور من أعلى – المكوث في هذه الحالة هو جوهر التمرين.
إذا شغلك موضوع ما- عندها ركّز الوعي والفكر على التنفس مرة ثانية حتى تتحرر مما يشغلك- وهكذا حتى تنقطع عن العالم الخارجي وتنفرد مع نفسك وتعيش مع عالمك الداخلي والباطني –حتى تصل إلى السيطرة على جسدك وعقلك ونفسك بعد سنوات من التمرين والممارسة والمثابرة.
التأمل الروحاني – هو أن يكون في حالة سكون وهدوء وأن نعيش في حالة سلام مع أنفسنا قبل كل شيء. الإنسان كالأرض والسماء. الحسد المادي بمثابة الأرض ، العقل بمثابة السماء، الأفكار بمثابة الغيوم. العقل العادي- الأسفل- بمثابة السماء السفلى مع الغيوم القريبة من الأرض. العقل الأعلى – الأرفع- بمثابة السماء العليا.
من هو الذي يتأمل في الإنسان؟ وماذا يتأمل. المتأمِّل هو جوهر العقل – العقل الأعلى أو الأرفع – وهو طبيعتنا الحقيقية والثابتة وهو العنصر الروحاني والإلهي في كياننا وهو ماهيتنا وحقيقتنا. هو الذي يتأمل العقل العادي البسيط والمتغير والذي يختزن الأفكار والمشاعر والأهواء.
في ممارسة تمارين التأمل علينا الوصول إلى حالة حقلية نكون مع جوهر العقل الذي هو نحن وعندها نتأمل وننظر بالبصيرة على العقل العادي من موقف محايد بدون التعلق بشيء – فكرة وغيرها- وبدون الحكم على شيء حيث نضع الأنانية والأفكار والمشاعر جانبا ونعيش مع ذاتنا الجوهرية – طبيعتنا الحقيقية- حالة السكون والسلام والسعادة والخلود.
هنالك طريقة أخرى بالإضافة للتنفس- من اجل تركيز الفكر في بداية التمرين – وهي التركيز على شيء معين – مثلا – زهرة أو صورة جميلة – أو شمعة أو ركيستال- أو صورة مرشد روحاني وغير ذلك- المهم أن يساعدك على الوصول إلى حالة التأمل بسهولة وبسرعة.
طريق ثالثة مستعملة كذلك هي المنترا –Mantra منتشرة في الهند والتبيت وعند الصوفيين – وهي تتلخص في تكرار كلمة – قول- عبرة- جملة- مرات كثيرة وهدفها الوصول إلى حالة العقل الأعلى وهي تعتبر واقية وحارسة له من تأثيرات مختلفة من العقل العادي حيث الأفكار التي تحوم فيه كل الوقت بدون انقطاع- وتساعد المتمرن على ممارسة التأمل بشكل صحيح وسريع ومفيد.
المنترا وتكرارها تقود إلى الصلة مع العقل الأرفع بواسطة خلاصة الصوت النابع من أعماق القلب حيث تجري الطاقة بواسطة الصوت من القلب إلى العقل ولهذا تأثير إيجابي كبير على كيان الإنسان جسديا ونفسيا وعقليا وروحيا.
التأمل هو وسيلة وليس هدفا. الهدف هو حالة الوجود المستمر. الوضوح، الاطمئنان والسلام الداخلي، وأهم شيء حالة عدم التمسك او الارتباط بشيء- حالة الشعور بالحرية- والتحرر من كل ما يعيق الإنسان من الوصول على العقل الأرفع وجوهره الذي هو طبيعته الجوهرية  وأساسه ومصدره حيث يصبح الاثنان واحد- لأن الإنسان وعقله الأرفع هما واحد تام وغير منفصل.
إن التأمل الروحاني ليس الهروب من العالم والحياة أو الانقطاع عنهما، بل بالعكس لأن بواسطة التأمل يعيش الإنسان حياة أفضل وأسعد، حيث نسبة التوترات والعنف والمرض منخفضة جدا ونادرة الوجود وهذه أهداف يصبو إليها معظم البشر في كل البلدان والأماكن والأزمان.
ماذا يعيق ويعرقل ممارسة تمارين التأمل الروحاني؟
1- الوقت : ربما لا يوجد وقت كاف أو غير ملائم. مع الإرادة وتقسيم صحيح للوقت ممكن تكريس ربع ساعة أو اكثر للتمرين.
2- فقدان فكرة التركيز: في البداية من الصعب تركيز الوعي والفكر لمدة طويلة، لكن الإيمان بالهدف والمثابرة يساعد على تقوية التركيز ولمدة أطول.
3- الملل وعدم الهدوء والاضطراب والشكوك: في هذه الحالات يمكنك أخذ استراحة قصيرة دقيقة او دقيقتين، وكذلك بالإرادة والتمرين المستمر تعبر هذه الحالات بنجاح.
4- النوم وقت التمرين: لذلك من المفضل أن تمارس التمرين في وضع الجلوس.
5- أوجاع وآلام وحالات مزعجة:
بعض النصائح والتعليمات لمواجهة صعوبات وقت التمرين:
1- معرفة المشكلة أو الصعوبة
2- عدم الارتباك بها، حاول التحرر والتخلص منها تدريجيا مع الزفير
3- ابتسم واضحك على المشكلة وتابع التمرين.
4- الالتزام بالتمرين والحزم والعزم على المتابعة.
5- الصبر يساعد كثيرا على التقدم نحو الهدف وتحقيقه.
6- تغيير وضع الجلسة اجلس بوضع مريح أكثر مما كان، مثلا استعمل وسادة وغير ذلك.
من أقوال حكماء التأمل الروحاني:
(الإنسان الذي لا يمارس التأمل يكون بمثابة الأعمى الذي يعيش في عالم الألوان والأشكال.
(إن أفضل هدية يمكن أن يقدمها الإنسان لنفسه في حياته هي ممارسة التأمل الروحاني)
التأمل هو لغة الصمت، لغة الصمت هي اللغة الروحانية، للصمت والتأمل توجد قوة وطاقة أقوى بكثير من الكلام والحاضرات.
التأمل يحرر الإنسان من الخوف والقلق والغضب والمرض والاضطراب والتوتر والعنف والإيذاء اتجاه نفسه وغيره.
أصبح التأمل الروحاني في متناول اليد في العصر الحاضر ويلائم كل الناس وليس مختصرا فقط على  الحكماء والعلماء والقديسين والصالحين والأنبياء كما كان في الفترات السابقة.
انتبه: انتبه لنواياك لأنها تتحوّل إلى أفكارك
انتبه لأفكارك لأنها تتحوّل إلى أقوالك.
أنتبه لأقوالك لأنها تتحول إلى أفعالك.
انتبه لأفعالك لأنها تتحول إلى عاداتك.
انتبه لعاداتك لأنها تتحول إلى شخصيتك
وانتبه لشخصيتك لأنها تتحول إلى قدرك. 
 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2017 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.