spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 110
الشاعر ابن هانئ الأندلسي
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 134
العدد 133
العدد 132
العدد 131
العدد 130


 
كلمة العدد: الرموز المنقوشة على جدران التاريخ طباعة ارسال لصديق
الرموز المنقوشة على جدران التاريخ

جاء في كتاب بعنوان "عبداللة المشنوق يتذكّر" للأستاذ وليد عوض عن السياسة اللبنانية بعد الاستقلال، خبر مميّز عن المرحوم كمال جنبلاط، قوله :" كان ذلك في أول وزارة شكّلها الرئيس صائب سلام، عام 1960 ولي فيها الأستاذ كمال جنبلاط مقاليد وزارة التربية. فجاء إلى إحدى جلسات مجلس الوزراء ومعه مشروع قرار تعيين خمسمائة معلم جديد، من أصل مجموعة من الفائزين في امتحانات أجراها لهذا الغرض كله، رغبة في أن يصادق مجلس الوزراء على مشروع القرار، فيأخذ طريقه إلى النور.
لم يستقبل الوزراء مشروع جنبلاط بالترحاب، بل اعترض فريق منهم على تعيين خمسمائة معلم هكذا مرّة واحدة، بحجة أن الخزينة خاوية وليس هنالك اعتمادات كافية لتحقيق المشروع.
لاذ كمال جنبلاط بالصمت بعد أن سقط مشروعه في مجلس الوزراء، ووضع وجهه بين راحتيه، وكانت لحظات رهيبة!!
فالرجل كان يبكي بصمت !!
ولمّا اكتشف أن عيون الجالسين، من الرئيس فؤاد شهاب، إلى رئيس الوزراء صائب سلام، إلى الوزراء قد استقرّت عليه تُسائل عما أصابه، وتشارك بالدموع، تحامل على نفسه وقال:" أنا ابكي لأنني لم أكن انتظر منكم هذا الموقف السلبي على الإطلاق. ابكي لأن هنالك أطفالا وأولادا بلا مدارس، وأنتم ترفضون أن تؤمّنوا لهم المدارس، لماذا؟ بمجرد أسباب غير مقنعة.
وتبدّل الموقف، وإذا الوزراء جميعا يجمعون على إعطاء كمال جنبلاط ما يشاء من اعتمادات في سبيل أن يتأمّن تعيين المعلمين الخمسمائة. لقد كانت دموع الرجل صادقة، ولذلك أبكانا جميعاً دون استثناء، بمن فيهم الشيخ بيير الجميّل"
بكى كمال جنبلاط في هذا الموقف، ولم يبكِ عندما استشهد حوله عشرات المجاهدين والثوّار في عام 1958، ولم يبكِ عندما سقط في ساعات الوغى، عشرات الضحايا في حرب استقلال لبنان. بكى هنا لأن موضوع التربية والتعليم، كان عزيزاً على نفسه، لأن كمال جنبلاط كان نصير العلم، ورائد الفكر، ومؤسس النهضة الثقافية الفلسفية لدروز المشرق ولسكان لبنان والعالم العربي.
وفي موقف آخر، وفي مكان آخر، وقف زعيم درزي آخر، في ظروف أقل دراماتيكية من موقف كمال جنبلاط،، لكنه حقق نفس النتيجة، هو الزعيم السيد أمل نصر الدين، الذي جاهد في أواخر السبعينات والثمانينات، من أجل خلق شبكة تعليم جديدة حديثة راقية عند الطائفة الدرزية في إسرائيل.
لقد سعى الزعيمان جنبلاط ونصر الدين وبذلا الجهود لتحقيق قسطا أكبر من التعليم لمجتمعيهما، وكان هذا الهدف في نظريهما ذا أهمية قصوى، فقد لمس الزعيمان بشعورهما المتوقد أن اتجاه العالم بأسره هو كله نحو العلم والتعليم، ولا يمكن أن تظل الطائفة بمنعزل عن المكاسب العلمية في العالم. فقد بقيت الطائفة الدرزية على مر العصور حتى الآن، بالدرجة الأولى، بفضل الرعاية الربّانية، والشمولية الإلهية، والحضانة السماوية، وبالدرجة الثانية، بسبب تمسّك أبناء الطائفة الدرزية بدينهم وتقاليدهم وجذورهم وقيمهم وأخلاقهم وشيمهم وروابطهم الداخلية المتينة، وبالتحديد ارتكازاً واستنادا واعتمادا على شجاعتهم الفائقة، وتفانيهم وتضحياتهم ومجازفاتهم وتحدّيهم لأكبر الغزاة وأقوى الفاتحين. وقد كفلت هذه الشجاعة حتى الآن لهم الحياة والبقاء والاستمرارية، طبعاً بعونه تعالى.
 أما اليوم فهذه المقومات والعناصر التي كانت ذات أهمية في الحفاظ على كيان الطائفة الدرزية في السابق أصبحت غير كافية. ففي العصر الحديث تغيّر كل شيء، وبات الإنسان بحاجة إلى عناصر ووسائل أخرى غير التي تعوّد عليها لكي يستمر في البقاء بنفس المستوى مع الآخرين. لقد أحدثت التطورات والانجازات العلمية الهائلة التي تحققت في العشرين سنة الأخيرة، ثورة كبيرة في حياة الإنسان وفي حياة الشعوب. وكل من لا يواكب الركب، وكل من يتأخر عن ملاحقة ما يُنجَز وما يُتحقق، وكل من لا يستوعب التقنيات الحديثة، يظل مكانه بعيداً بعيداً إلى الوراء. والأُطر التي تعوّدنا عليها في السابق، والتي ساعدتنا على التغلب على تغيرات العصور باتت غير كافية. وأصبحنا كطائفة، مطالبين أن نرافق ونوازي باقي الشعوب، حتى وإن كانت أكثر تطوراً منا. وكل هذه الأمور لا نستطيع أن نحققها إلا بالعلم، فالعلم هو أساس الحضارة والمدنية والاختراعات والاكتشافات والانجازات في كل المجالات. والدول التي تضع كل ثقلها على العلم تزدهر وتتقدّم وتحيى وتستمر.
 ونحن كطائفة لم نولي حتى الآن هذه الناحية الأهمية التي تستحقها، فقد انشغلنا في أمورنا وشؤوننا ومعيشتنا، واكتفينا بالقبوع في فناء دورنا وقرانا، نتزوّد بالقليل، ونرضى بالبسيط، ولا نطمح إلى شق طريق أبعد مما تراه أعيننا. وكما قلنا،هذه الأمور لم تعد تكفي، وعلينا أن نغيّر مفاهيمنا، فمعظمنا ينهمك وينهمر وينشغل وينجرف ويتدحرج وراء المادة الرخيصة. نحن نبذل كل طاقاتنا وقسما كبيرا من مدخولاتنا في البهرجة والفخفخة، فنبني القصور ونشتري أغلى السيارات ونؤثث البيوت ونركض وراء المحسوس والملموس والمفتن والمخادع، وننسى الجوهر. إن من يدخل إلى بيوت الأغنياء والأثرياء منا، ينبهر من كثرة الأدوات المنزلية والأثاث الفخم والأجهزة الكهربائية والمصابيح وعشرات الأسلاك والخيوط، لكنه نادرا أن  يجد كتاباً، فنحن نقدّس الترف والبذخ، ونترك العناصر الرصينة والمتينة والمجدية. إنّ البنايات الجامعية تناطح قرانا، وتتحدّانا أن نؤمّها ونرتادها ونستغل قاعاتها، لكننا نسافر بعيداً عنها ونمر من جانبها لنصل إلى حيث تتوق نفوسنا من رخاء زائف. وقد استطعنا حتى الآن ان نتكيّف مع العصر بشكل ما، لكن علينا أن ننتبه وأن نصحو وأن نستيقظ من أوهامنا، وأن نفكر بتحدّيات العصر، بأن نستوعبها ونستعملها ونستخدمها، وعلينا أن لا ننسى، أننا أهل العقل، وأهل الكلمة، وأهل المعرفة، لكننا حتى الآن لم نستطع أن نثبت أننا جديرون بأن نكون كذلك.
وإذا أردنا أن نحقق أمنياتنا بشكل عملي، علينا أن نكرّس جهودا أكبر لشؤون التربية والتعليم. علينا أن نولي الأمور الثقافية الحق الكامل لها، وعلينا أن نهتم بالكتاب والكلمة المكتوبة، وعلينا أن نربي بناتنا وأولادنا على حب العلم، وعلى التبحّر بالعلوم، وعلى ارتياد الجامعات، والانشغال بالبحث العلمي، ومرافقة العصر في كل المستحدثات والاختراعات. وعلى كل واحد منا، أن يعلم أنه سليل الدوحة المعروفية، وأنه وليد المجتمع التوحيدي، هذا المجتمع الذي يقدّس العلوم، ويصبو إلى ارتياد آفاق جديدة، وعوالم غير مكتشفة، وسماوات ليس لها حدود. وإذا أراد الواحد منا أن يجد عزاءه في مصادره القديمة، وفي كتبة العتيقة، وفي الشخصيات والأعلام التي تربى على ذكرها، والتعلم منها، وسرد قصصها، فهناك يجد الكثير من القصص والنماذج والمحاولات الفكرية والعلمية الخالدة، التي تضيء لنا طريقنا وتنير لنا دروبنا وتوجهنا إلى الطريق الصحيح. ومن بين هذه المراجع نعود إلى  أحد المصادر الفكرية الهامة، وإلى إحدى النبذ التاريخية المصيرية، فقد حوى كتاب "زينون" لمؤلفه جورج عبد المسيح، وصفا دقيقاً لسيدنا فيثاغوروس، يوم رحل إلى مصر. وبعد الإشادة بعظمة هذا الفيلسوف الرياضي، وبما أتى بمعجزات أمام الكهنة المصريين، قال في الصفحة 64:
" إن الرموز المنقوشة على جدران الأهرام، أعجزت العالم القديم، حتى الكهان أنفسهم، كانوا عمهين عن تفسير أي رمز، وحينما أقبل فيثاغوروس، أخذ يقرأ تلك الرموز، كأنها مكتوبة بالأحرف الإغريقية، أو كأنه هو الذي حفرها، فصُرع المشاهدون لدهشتهم."
وكل ما علينا أن نفعله اليوم، كطائفة وكمجموعة من الأفراد المؤمنين العارفين، هو أن نحاول بكل إمكاناتنا وقدراتنا أن نتعلم ونتعلم وأن نحث أبناءنا على التعليم وأن نهيء كافة الأجواء لصغارنا أن يتعلموا كي تواكب هذه الطائفة النبيلة روح العصر، وكي يكون بإمكاننا نحن أيضا أن نقوم بتفسير بعض الرموز المنقوشة على جدران التاريخ...


والله ولي التوفيق ...


سميح ناطور

دالية الكرمل
تشرين ثاني
2006

 
التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2017 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.