spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 66
المؤسسة الصحية في عين وزين- لبنان
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 136
العدد 135
العدد 134
العدد 133
العدد 132


 
الجدلية العقلية عند أبي العلاء وكمال جنبلاط طباعة ارسال لصديق
بقلم –  الأستاذ نزيه خير


أدين للقارئ الكريم في بداية هذه المحاولة الدارسة بتوضيح منهجي لمفهوم – الجدلية العقلية – وهو أمر أرجو من ورائه ومن خلاله تفريغ المعنى الفلسفي الكلاسيكي من أفكار مشتركة عند أبي العلاء وكمال جنبلاط على خلفية فهمهما للرؤيا التوحيدية.
لم يخطئ كارل ماركس (1) في نظريته حول تهذيب المعنى الفلسفي في إطار روح العصر، ذلك لن الرؤيا الفلسفية العميقة لم تطمح يوما في حل مشكلات العصر القائمة، وبقيت دون إسقاطات لشوائب هذه الفلسفة، وهو اتجاه تناوله كارل ماركس من روح – نظرية العلاقات – للفيلسوف الألماني جورج هيجل (2) (1770 – 1831) الذي طمع في المساهمة في إنشاء – علم الاجتماع – الحديث الذي أصبح – العلم الإستعمالي – الأول في حضارتنا المعاصرة. أما علاقة هذا الكلام بأبي العلاء وكمال جنبلاط، فإنها تعود إلى المحاولات المتكررة لإضفاء 0 الطابع الفلسفي – في فكر أبي العلاء من جهة وفكر كمال جنبلاط  من جهة أخرى. وقد نجد في هذه المحاولات إساءة حقيقية لهذين المعلمين إذا بقيت الفكرة السائدة حولهما أنهما تحركا في عالم، فلسفي مجرد، ولذلك فقد وجدت من الاجتهاد مكانا أن نطلق على رؤيا الفكر عندهما مصطلحا خاصا هو – الجدلية العقلية – باعتبار أن الجدلية كما يراها هيجل وغيره من منظري علم الاجتماع الحديث تعني – الثورة الدائمة- للتجولات الاجتماعية التي تطرح الواقع ثم تأتي بنقيضه فينشأ واقع معدل وجديد. ثم تستمر هذه الحركة الدائمة في محاولات مستمرة لخلق ما هو أفضل للمجتمع الإنساني. وقد رأيت أن أطرح هذه المحاولة على خلفية فهم كل منهما لمذهب التوحيد – كل في عصره – لأن الديانة التوحيدية جاءت على أرضية التطور العقلي في الفكر الإسلامي الوسيط. وقد تكون في كثير من مناحيها حصيلة هذا الجهد العقلي عند الحركات المعروفة مثل المعتزلة وإخوان الصفاء وثورات الزنج والقرامطة (3) والحركة الإسماعيلية
وعلية فإن الجدل الذي قد يكون قائما حول مدى – درزية – أبي العلاء يصبح هامشيا إذا اعتبرنا أن العقيدة في أساها هي الروح العقلية المسيطرة للعصر.وهو أمر يؤكده مارون عبود (4) حين يقول :- لست أقول إن أبا العلاء درزيا اسما، فقد سمّوهم هكذا بعده ولكنني أقول إن مذهبهم مذهبه-. ويجدد طه حسين رأيا مماثلا في  ت تجديد ذكرى أبي العلاء – ويستشعر موقفه هذا من موقفه المعروف من الشعراء العرب القدامى، حين يقول طه حسين (5) إن الشعراء العباسيين الذين كتبوا بروح جاهلية ليسوا شعراء العصر العباسي لأن روح العصر لم تنزل بهم فهم شعراء الجاهلية ومن الأصح أن نطلق عليهم – الشعراء الجاهليون – الذين عاصروا العباسيين وهي مقارنة يرجو بها أن يؤكد أن روح العصر هي عقيدة الشاعر ومنهج فكره وعليه فإن التقسيم التاريخي للعصور الأدبية هو تقسيم خاطئ في أساسه، وأن التقسيم السليم هو في حصر التيارات الفكرية وهو أمر ينطبق على فكر أبي العلاء في عصره وأكيدا على فكر كمال جنبلاط في عصرنا بوحي بارز من الرؤيا التوحيدية.
الأنموذج الذاتي:
تنطلق الجدلية العقلية عند كمال جنبلاط من سلوكه الذاتي القائم على الثقافة العربية الإسلامية وخاصة الثقافة العقلية التي توالدت في ظل حضارية موروثة كالزهد والتصوف (6). وسلوك الإنسان في التزامه الذاتي والشخصي هو قياس حقيقي وعملي لشرف الفكر والمبدأ. فجنبلاط كان زاهدا عصريا يلتزم مظاهر الزهد في مأكله ومشربه ومنامه وهو الذي لم يأكل لحم مذبوح طيلة سنوات وعيه كما يقول (7) ونحن حين نعي هذه الحقيقة تتبادر إلى ذهننا المسألة الروحية التقليدية التي يطرحها الإسلام الأورثوذكسي والتي رفضت فكرة المادية التاريخية في مفهومها القديم والحديث، وعليه فاننا لا نجد مظاهر الزهد والتصوف على أنها جانبا ملازما للحركات العقلية قي الفكر الشرقي الوسيط والحديث، غير أن فكر جنبلاط في هذا المجال جاء خاصا وثوريا، وهو الذي يعرف اشتراكية في قوالب محدثه تجمع بين المفاهيم الموروثة والحديثة في الفكر الاجتماعي والسياسي (8) فلا يرى تناقضا بين زهده وفهمه للمادية بل يرى في ذلك توافقا تاما وهو قمة الجدلية في التوفيق بين العالمين وغي ذلك يقول : (الاقتصاد ليس هو الكل كما يدعي الماركسيون، والاجتماع ليس هو الكل كما يدعي النازيون والفاشيون) وذلك مع التشديد الكبير حول الفوارق بين الماركسية وبين تلك الحركات.
مقابل هذه الجدلية عند جنبلاط لا نلبث أن نرى عالم المعري وقد زخر بالنموذج الذاتي أو الأنموذج الذاتي في تطوير مفهوم الزهد وجعله مذهبا عقليا في الحياة، وإذا كان الزهد عند أبي العلاء ردا تلقائيا في بدايته على مأساته الشخصية ومعاناته من فقد البصر فقد تحوّل عنده فيما بعد إلى مذهب عدائي لمظاهر الحياة التي تميّزت بالاعتدال الاجتماعي والخلقي في عصر المعري والذي ساده إلى جانب الفساد السياسي طابع البذخ الطبقي الفاحش من جهة وطابع الفقر الطبقي المهين من جهة أخرى.
الموقف من النظام
لعل هذه المسألة كانت وما زالت محورا مركزيا في نشوء وتطور الحركات السياسية والعقلية في البلاد الشرقية بعد العصر الإسلامي الأول (9)، والموقف من النظام هو حصيلة الصراع على السلطة أو السلطان، بل أن كثيرا من المؤرخين العرب ومن المستشرقين يعتقدون اعتقادا راسخا أن نشوء الحركات العقلية وطرحها للجدليات العلمية والفلسفية على أنها محاور عملها ونقاشاتها ليس إلا تغطية شرعية لحركات سياسية كانت تسعى في الأساس إلى العمل على إسقاط النظام الملكي الهرقلي الأموي والحكومة الكسروية العباسية (10). وهذه الجدلية عند جنبلاط تبدأ ولا تنتهي بإنشاء الحزب الاشتراكي التقدمي القائم على أيديولوجية فكرية واضحة. تسعى إلى الشمولية في طرح الحلول الاقتصادية والسياسية للشعوب الشرقية انطلاقا من التطبيق المحلي في لبنان، وقد يكون كمال جنبلاط قد دفع ثمن ذلك حياته إثر اغتياله عام 1977 وإذا كان جنبلاط قد استفاد الكثير من التجربة التاريخية للدعوة التوحيدية في إنشاء حركته السياسية فقد سعى المعري إلى المشاركة الفعلية في وضع الخطوط الفكرية للدعوة التوحيدية ومحاولة تهذيبها العصري وذلك في الرسائل المتبادلة بينه وبين الحاكم بأمر الله، وبينه وبين داعي الدعاة (11) . وفي الحالتين تحوّل جنبلاط والمعري من طريق العنف الثوري في بداية العمل إلى التحرك المنظم.
الموقف من الدين 
في اللاذقية ضجة  هذا بنا قوس يدق
كل يقول بدينه  ما بين أحمد والمسيح
وذا بمئذنة يصيح  يا ليت شعري ما الصحيح؟
هذه الأبيات المشهورة للمعري تلخص عالمه الديني المضطرب وبحثه المستمر على خلاصة الجدلية، ما بين الديانات المعروفة حتى ذلك العصر، ومن خلال ذلك يقترب المعري إلى عالم الدعوة التوحيدية التي يرى بها مذهبا عقليا وخلاصا واقعا لنفسه المضطربة، وليس إيمانه بالتقمص إلا جانبا واحدا من جوانب هذه الجدلية، ذلك أن المعري (وقد سبقه القرامطة إلى ذلك) يعتقد أن جدلية التقمص هي مرحلة مستمرة لتهذيب الروح، وتنظيف الأجساد.
ما الدين صوم يذوب الصائمون به  ولا صلاة ولا صوف على الجسد
وإنما هو ترك الشر مطرحا   ونفك  الصدر من غل ومن حسد
والمعري مثله مثل كمال جنبلاط يدعو إلى ثقافة رجل الدين ويهاجم المرائين منهم حين يقول:
بخيفة الله تعبدتنا  وأنت عين الظلم اللاهي
تأمرنا بالزهد في هذه الدنيا ، وما همك إلا هي
خلاصة القول أن روح العصر الفاسد في زمن المعري جعلته يطمح إلى جدلية جديدة فوجدها في مناخ الدعوة التوحيدية القائمة على ثورة الفاطميين. وفي حين أن كمال جنبلاط يسعى في فكره الديني إلى الاستفادة من هذه الدعوة بعد تكاملها لجعل روح العصر القائمة فيها وليست مفاهيمه وأفكاره الاجتماعية والسياسية المعروفة إلا خلاصة لجدلية دينية وروحية توحيدية جاءت لتحل مشكلات العصر الحديث كما فعلت في عصر المعري.
إلى هنا أرجو أن أكون قد وفقت في وضع بعض الملامح العقلية المشتركة بين هذين العظيمين، وأرجو إلى جانب ذلك أن أنوّه إلى الدراسة الشاملة للمعري ولفكر كمال جنبلاط هي الوحيدة الكفيلة لفهم هذه الجدلية العقلية عند كا من هذين الرجلين.
(1) أكارل ماركس – بؤس الفلسفة – إصدارات متعددة
(2) جورج هيجل – فلسفة التاريخ
(3) د. محمود إسماعيل – الحركات السرية في الإسلام رؤية عصرية – دار القلم – بيروت – لبنان – 1973
(4) مارون عبود – زوبعة الدهور
(5) الشعر العربي  - مجموعة محاضرات – جامعة الإسكندرية
(6) كمال جنبلاط – أدب الحياة
(7) كمال جنبلاط – هذه وصيتي
(8) كمال جنبلاط – ثورة في عالم الإنسان
(9) د . إسماعيل – الحركات السرية في الإسلام
(10) ن . م.
(11) مارون عبود – زوبعة الدهور




 الأستاذ نزيه خير
ولد في دالية الكرمل عام 1948 وتعلم في مدرسة القرية ثم أنهى دراسته الثانوية في كلية تراسنتا في عكا. وبعد الخدمة العسكرية التحق بجامعة حيفا فدرس الأدب العربي والعلوم السياسية وحصل على الماجستير في العلوم السياسية. يعلم اللغة العربية في دار المعلمين وهو مفتش العلوم الاجتماعية في وزارة المعارف والثقافة . يكتب الشعر من صغره وأصدر حتى الآن ديواني شعر: أغنيات صغيرة وقراءة جديدة لسورة الياسمين. واشترك كذلك في تأليف ثلاثة كتب مدرسية. ينشر القصائد والمقالات في الصحف المحلية وقد نشر من إنتاجه في صحف مصرية ولبنانية كما أنه تُرجمت له قصائد للعبرية والانجليزية والروسية. 
 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2017 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.