spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 133
بيت بني معروف عسفيا
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 135
العدد 134
العدد 133
العدد 132
العدد 131


 
ذوات النقاب الأبيض طباعة ارسال لصديق
بقلم السيدة عفيفة صعب


لقد قامت على مراحل تاريخنا أعلام من كبريات النساء، نساء شققن الطريق بجرأة الرائد وأيمانه بنفسه، وتركن آثار أقدامهن على الطريق لمن يليهم من نساء، وقرا النساء اللاحقات في أثار الأقدام هذه "أن مررن من هنا فرادى، لتأتين من بعدنا كتائب، ثم جيشا لجبا".
وإذا تصفحنا التاريخ بحثا عن هؤلاء الطلائع الفرادى، تبرز لنا نماذج الامتياز النسائي موزعة على المراحل وعلى وجوه الحياة العامة في المجتمع الدرزي خاصة وفي المجتمع الوطني العام.
ويطالعنا أو ما يطالعنا شخصية الست نسب والدة الأمير فخر الدين المعني الكبير، برزت هذه الشخصية في أواخر القرن السادس عسر وشغلت حيّزا خطيرا حقبة الأمير فخر الدين، حيزا أطلق أقلام المؤرخين من عرب والفرنج إشادة بذكائها ومضاء عزيمتها وقدرتها على معالجة الشؤون السياسية ومهارة التخطيط والتنفيذ.
ولكيما نقيم حق التقييم بهذه الصورة الفذة علينا أن نتحرّى الإطار الذي برزت فيه، علينا أن نتحرى سمات ذلك العهد ونجمع خصائصه ونتحسس المناخ الذي يسود جوه السياسي، وعلاقة الدول الأجنبية بذلك المناخ وما لها من يد في توجيهه.
ففي عام 1650 وهو مبدأ عهد الأمير فخر الدين – كان لبنان مجزأً إلى إحدى وعشرين مقاطعة موزعة بين إقطاعيي لبنان.وكان الإقطاعيون يتنازعون فيما بينهم، يغدر بعضهم بعضا في محالفاتهم، ويشي بعضهم ببعض لدى الباب العالي. وكان للباب العالي في لبنان ولاة يحكمون بالمظالم ويفتعلون فيه المذابح، ويبتزون أمواله بالرشوة ويرّضون فئاته بعضها على بعض ، حتى يعم خراب المدن والحواضر وتسود الفوضى وينتشر الفقر. وحتى تبدو الأسواق وتنطفئ مطامع الناس وأمانيهم، بين الإقطاع والولاة، إلى حدود البلغة والسلامة ومنهم من يهجر وطنه، لا يبالي إلى أين شرط البلغة والسلامة.
في هذا الإطار وفي هذا المناخ تولى الأمير فخر الدين المعني، وهو في الثامنة عشرة من عمره، إمارة لبنان في الإطار والمناخ نفسيهما برزت شخصية الست نسب والدته فكان عليها أن تمر به خلال العواصف والمكائد وقد سلم شخصه وسلمت له إمارته.
مقتطفات من كافرة التقيت بها ببيروت في أيار 1961
كان الأمير فخر الدين حتى توليه الإمارة قد نشأ على احترام والدته وحبها وإطاعتها. فعندما تولى الإمارة وهو بعد طري العود ، غير ذي تجربة وجد فيها المستشار الأمين الراجح الرأي فرجع إليها في الشؤون الخطيرة.
 وعندما بلغت السلطات وشايات بالأمير فخر الدين عن اتصاله بأمير توسكانيا الايطالي صمم على الهرب إلى ايطاليا. وقبل مغادرته البلاد سلم الحكم إلى والدته، والقلاع إلى والده حسن، والجيش إلى أخيه يونس، وابنه إلى العرب حلفائه.وفي حملة أحمد باشا الحافظ على البلاد في غياب الأمير صمد له الجيش ودافع دفاعا مجيدا وعاق تقدمه فعجز عن أخذ القلاع حتى دهمه البرد والمطر. ولما نكّل أحمد باشا بالأهلين قصدت إليه الست نسب في معسكره وأنبته على تعمده إهلاك رعايا السلطان وخراب البلاد التي تؤدي له الجزية، فاتفق معها على الانسحاب مقابل مبلغ كبير من المال
ولم تكن الحازمة الجريئة فحسب وإنما ينسب إليها بعد النظر في العمل الإيجابي فيحدث تاريخ الأمير فخر الدين عن تخطيط مشروع للوحدة اللبنانية ويشير على المشروع إنما هو مشروع مشترك بين الأمير ووالدته.
وللست نسب قيمة إنسانية عالين فيما أحاطت به الشعب من محبة وعطف حتى ليذهب بعض قناصل الدول في مؤلفاتهم عن لبنان، وفي تقاريرهم إلى حكوماتهم إلى أن الشعب أنزلها منزلة الأنبياء وسواء في ذلك عناصر البلاد جميعا.
ونقلب صفحات التاريخ حتى يطل القرن التاسع عشر ويطل معه وجه الأميرة حبوس أرسلان. وهنا أيضا تجدنا ملزمين بتعرف الإطار والمناخ للعهد الذي برزت فيه هذه الصورة .العهد عهد أحمد باشا الجزار والأمير بشير الشهابي والشيخ بشير جنبلاط وسائر زعماء الإقطاع يدور جميعهم بين حجري رحى: السلطان العثماني وقناصل الدول الغربية.  
وفي هذا العهد، الضرائب الثقيلة وجباية الأموال مثلثة: نصيب للسلطان ونصيب للجزار ونصيب للأمير بشيرالشهابي. ويشتد الجباة في الجباية فيعصى الأهلون ويتمردون. فتُضبط الغلال، وتُصادر الأملاك أو تحرق وتطلق الأيدي في النهب والسلب ومن الأسر من لا تجد وقاء من المخاطر والمخاوف غير النزوح.
وبسجل ميزان التوتر بين الطوائف صعودا متزايدا وتكثر الاغتيالات لكبريات الشخصيات السياسية. ويكون تجمع سياسي وأحلاف ثم خيانات للتجمع وغدر بالأحلاف وينقسم زعماء الدروز على أنفسهم وينتابهم النزوح والنفي واللجوء.
وفي هذا الإطار وهذا المناخ تبرز شخصية الأميرة حبوس أرسلان قوية عاتية طموحا، فتطغى على شخصية ابيها الأمير بشير محمد ارسلان، ثم على شخصية زوجها الأمير عباس فخر الدين ارسلان ويعلو نفوذها من فوقهما حتى يعلن الأمير بشير إمارتها على الغرب بعد وفاة زوجها، فتحجب الإمارة عن الأمراء الأرسلانيين نيفا وربع قرن.
ومن أعمالها الموصوفة أنها أجلت الشهابيين من الشويفات واستصفتها للارسلانيين ، وأنها ناوأت الأمير بشير الشهابي في في سياسته في جرأة حتى كان موقفه منها مزدوجا: فهو في الظاهر يرعى خاطرها، ويغتنم كل مناسبة لإثبات تقديره لها ، وفي الباطن يضمر لها الحقد ويهدف إلى التخلص منها. ثم أنها وهي نازحة إلى حوران ، حاربت البدو وتغلبت عليهم. وقد كانت تجلس للقضاء في دعاوي الناس ، وتتصدر المجالس الدينية ، وتلجئ اللائذين السياسيين وتحميهم من الاضطهاد والانتقام. ووصفت بالبذخ الوافر والسخاء في الضيافة وفتح أبوابها للوافدين وتصدرها مجالس الكبراء والأعيان الذين زخرت بهم سراياها.
ويرد بين السماء اللواتي طمحن إلى الحكم من نساء الدروز وقمن فيه بمحاولة جريئة اسم عمشة القنطار. وُصفت بالقوة البدنية ومضاء الهمة والبراعة في استخدام السيف والرمح. وكان آل قنطار قد استطاعوا الانفراد بالحكم في أوائل القرن التاسع عشر في منطقة راشيا ووادي التيم. غير أن عمشة وهي بعيدة مدى الهمة تجاوزت منطقة آل قنطار وعمدت إلى ما يشبه الفتح فاقتطعت زحلة وحكمتها.
وينتصف القرن التاسع عشر، ويكفهر الجو اللبناني، وتبلغ الأزمات النفسية بين الطوائف ذروتها، ويدنو قطاف التمر للمكائد التي زرعتها أيدي السلطان العثماني من الرجال وكذلك بالعظيمات من النساء وكما تنجب الأزمات السياسية دهاة السياسة، هكذا ما ينشأ عند الأزمات السياسية من الحقد والخوف والجوع، فينجب عبقريات روحية وإنسانية تهدهد ثورات النفوس وتبشر بالأخوة والتعاطف، وتلجئ الخائف إلى مأمن من كنفها وتذود عن المعوزين الجوع – لا تميز بين الفريق وفريق. هذه القوة الروحية الإنسانية وجدها الناس في شخصية نايفة جنبلاط ابنة الشيخ بشير جنبلاط وزوجة الشيخ خليل شمس.
هذه الشخصية غير بعيدة عنا فقد عاشت إلى مطلع القرن العشرين وعمرت تسعين عاما. بين الشيوخ الدينيين والزمنيين من عرفوها شخصيا، ومن استقوا أخبارها من معاصريها. قالوا فيها إنها كانت تملك شخصية وذكاء وتقى عميق شغلت بهذه السجايا مقاما رفيعا في حاصبيا.
وبذلت من هذه السجايا لمصلحة الناس ولدرء كوارث العاصفة وهي مقبلة ولتخفيف ويلاتها وهي واقعة. كانت دمثة شديدة العطف على الفقراء، كبيرة قوية العارضة مع الحكام والمسؤولين تجادلهم في حقوق الناس من كل الطوائف وتحاول رفع الضيم وإشاعة الإنصاف والرفق. وهيمن نفوذها الروحي والأدبي على أهل عصرها حتى غدت دارها قبلة لرجال الدين والدنيا من أهل منطقتها وخارج المنطقة من كبار الشخصيات.منهم الأمير شكيب أرسلان الذي قال فيها على أثر زيارته لها:" لقد زرت كثيرا من الكبراء فلم أتأثر تأثري بشخصية هذه السيدة" وعند اشتداد الفتن عام 1860 جعلت من بيتها ملاذا للخائفين فآوت عائلات بكاملها  من المسيحيين. ولما اشتد الحصار على الشهابيين في سراي حاصبيا خرجت من دارها تحت الخطر الشديد وسارت إلى السراي بين جثث القتلى، وأخرجت النساء والأطفال من بين المحاصرين ونقلتهم  إلى دارها وحمتهم. ويذكر عنها أنها لم تكن تبيع القمح بل كان هذا القمح وقفا على المحتاجين ، تتسقط أخبارهم وتمدهم بعونها تحت جنح الليل. وقد بنت خلوة في البياضة ووقف بها من أملاكها وخصت طالبي العبادة والرياضة الدينية من اللبنانيين. ودفنت بجوار هذه الخلوة.
ويدعونا استفتاء الأدلة إلى نصفنا الآخر في حوران – الجبل الذي عاش أهله تتناوبهم الحروب والغزوات، والخصومات العائلية الدامية، وسنو القحط  والجفاف، فكان من هذه العوامل تربة البطولات ومنجب أهل الرأي ومعنى الكرم. وما اقتصر على إنجاب الرجل في هذه الميادين وإنما تتحدث مجالسه وتعي حافظته أحاديث نساء كبيرات وتروي مآثرهن بكثير من الاعتزاز.
ففي النضال التحرري يلمع اسم سعدى ملاعب في معركة عيون عام 1895 ودورها في التغلب من الجيش العثماني المؤلف من أربعة آلاف مقاتل كما تلمع أسماء بستان شغلين وشما أبي عاصي وعبلة حاطوم وترفا محيثاوي اللواتي حولن مقدرات معركة المزرعة مع الفرنسيين عام 1925 من الهزيمة إلى النصر الساحق وأنقذن بقوة السلاح الكثير من الجرحى في معركة اللجا.
وفي مجال المروءة والإغاثة ايام المجاعات خصوصا إبان الحرب العالمية الأولى عام 1916 يتحدثون عن شهدة هنيدي ولبيبة عامر بما خففن من ضائقة وأنقذن من أرواح ونظمن من أسباب الإغاثة.
وعند اشتداد الخصومات وتعقد المشكلات يبرز اسم ميثا الأطرش التي تمكنت بحنكتها السياسية وذكائها من خلافة زوجها على تزعم بلدتها صلخد، كما تبرز سبروج القلعاوي وشيخة عزام بأصالة الرأي والنفوذ في حل المشاكل.
ونتتبع هذه السلسة، حتى إذا انقضى الربع الأول من القرن العشرين أو كاد، أطل علينا وجه الست نظيرة جنبلاط – وجه عرفه كثير منا وجالسوا صاحبته وتحدثوا إليها.
عن نظيرة جنبلاط في العدد القادم


 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2017 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.