spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 97
شخصية العدد: عثمان ابن مظعون النجاشي
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 135
العدد 134
العدد 133
العدد 132
العدد 131


 
الدكتور شريف خريس طباعة ارسال لصديق


الدكتور شريف خريس، مثقف درزي ابن قرية المغار الجليلية، التقينا به على بعد آلاف الأميال من مسقط رأسه في مدينة ميلانو الصاخبة وسمعنا منه عن حياته وأعماله في ايطاليا وسجّلنا معه حديثًا .. "للعمامة". وقد حدّثنا عن حياته قائلا:

ولدت في قرية المغار عام 1947 وأكملت دراستي الابتدائية في مدرسة القرية والتحقت بالمدرسة الثانوية البلدية في الناصرة حيث أكملت دراستي الثانوية عام 1965 بالفرع العلمي.أكملت ثلاث سنوات من الخدمة العسكرية وعملت مديرا لمكتب مهندسين استشاريين في مدينة حيفا ثم التحقت بدورة تحضيرية للدراسة الجامعية في الجامعة العبرية ودخلت بعدها كلية الصيدلة ودرست سنة واحدة لكنني تركت الجامعة العبرية ورغبت في الدراسة بأوروبا أو أمريكا فتسجلت في عدة جامعات وقُبلت في جامعة ميلانو في ايطاليا


س - أخبرنا باختصار عن حياتك في ايطاليا منذ وصولك حتى اليوم؟
ج – أقول بصراحة بأن الغربة ليست هينة أبدا، خصوصا عندما يستقر المغترب ببلد أجنبي يختلف عنه كليا بثقافته وبطريقة حياته وبتصرفاته وبتفكيره بالإضافة إلى لغته. فالشعب الايطالي على الغالب لا يتكلم اللغات الأجنبية، وهذه كانت أولى الصعوبات وأقول أكبرها في البداية. إذ أنني لم أدرس أبدا اللغة الايطالية قبل مجيئي إلى ايطاليا..
المحاضرات والمراجع كلها باللغة الايطالية عداك على أن الامتحانات كلها شفهية وباللغة الايطالية أيضاً. لهذا فالطالب المغترب مجبر على دراسة اللغة دراسة وافية وليس فقط تعلمها بصورة سطحية، هذا إذا أراد أن يترك أوروبا ويرجع إلى بلده حاملا ليس فقط الشهادة الجامعية وإنما ثقافة لا ثمن لها.. ثقافة أوروبية إنسانية.
لقد وصلت إلى ايطاليا وبحوزتي بعض الدولارات القليلة وبعض الكتب التي كنت اعتقد بأنها لازمة. وصلت إلى ميلانو في حوالي منتصف الليل، والمفاجأة الكبيرة كانت الضباب الدامس والبرد القارص. لكن على الضباب والبرد سريعا ما تعودت، واللغة بدأت بدراستها كنت أدرس دروسا خصوصية للغة الايطالية، ومقابل هذا كنت أدرّس اللغة العربية. وبعد ثلاثة أشهر تقريبا بدأت " أدبر حالي" باللغة الايطالية وها أنا أحمد الله اليوم أتقن اللغة الايطالية وأتكلمها بطلاقة.
بالإضافة إلى الصعوبات البيئية فقد لاقيت صعوبات كثير أخرى أولها الصعوبات الاقتصادية فعائلتي ليست عائلة غنية. وجئت إلى هنا على حسابي أو بالأحرى على حساب والدي وإخوتي الذين تبنوا تمويل دراستي وتمويل إقامتي في ايطاليا. وكانوا يقومون بإرسال النقود مرة في الشهر لأتمكن من متابعة دراستي الجامعية لكني سريعا ما قررت أن ادرس بالاعتماد فقط على قواي الذاتية ، ولهذا بحثت على أي عمل أعمله لأتمكن من تخفيف هذا العبء الكبير عن عائلتي فقد اشتغلت في مصنع للضاغطات الهوائية، وفي مصنع للقرطاسية وفي فصل الشتاء عملت عن طريق الدامعة في إزالة الثلوج من الشوارع كل هذه الأعمال كانت بالنسبة لي بمثابة وسيلة من أجل الوصول وتحقيق الهدف الأساسي المنشود الذي من أجله جابهت الغربة إلا وهو دراسة الطب وإكمال دراستي الجامعية والاستقلال الذاتي المادي.
أريد أن أقول لك بصراحة بأن الشعور ببعض من الاستقلال المادي قد جعلني أنظر على وجودي هنا بمنظار آخر. فالطالب المغترب يعمل حسابا لكل شيء، وقبل كل شيء يعد دائما النقود الموجودة في جيبه وبناء على هذا يقوم ببرمجة حياته ودراسته، إذ أنه موجود لوحده وعليه الاعتماد على نفسه فقط.
في بداية السنة الدراسية الثالثة بدأت أدرّس اللغة العربية في "معهد الشرق الأوسط والأدنى" التابع لجامعة ميلانو التي أدرس بها الطب. كنت أقوم بتدريس اللغة العربية ليلا لقد درّست في هذا المعهد لمدة سنتين وبعد ذلك تركت التدريس لضيق الوقت عندي ولأن التزاماتي الجامعية لم تمكنني من متابعة التدريس.
كما وضمن دراستي في كلية الطب بدأت أعمل الأبحاث التجريبية وأُجري التجارب في معهد الصيدلة التابع لنفس الجامعة على دواء لمكافحة السرطان.
 لقد قمت بتجريب هذا الدواء في الفئران وعلى بعض الحيوانات الأخرى. فقد كنا نقوم أولا بزرع السرطان في الفئران ومن ثم قتلها وفحص طحالها وإجراء بعض التجارب على كريات الدم البيضاء وذلك باستعمال مادة التيميدين الراديو أكتيفي.


س - هل حصلتم على نتائج إيجابية؟
ج- إن بحثنا كان قبل كل شيء بحث تجريبي أي في المختبر. وفي نطاق تجارب الحصانة أو المناعة حصلنا على نتائج إيجابية لا يمكن الاستهتار بها. فقد تمكّنا في بعض الحالات من إثارة بعض الخلايا السرطانية وزيادة نموها أيضا. أعود وأقول بأن هذه التجارب كانت تجارب تجريبية إختبارية وبشكلها هذا حصلنا على نتائج لا باس بها. لكني أريد أن أقول بأن هذا لا يعني بأننا وجدنا الدواء الأمثل لمرض السرطان. فالسرطان عائلة كبيرة وتشمل الكثير من الأمراض السرطانية والدواء الأمثل يبقى التشخيص السريع للمرض نفسه وعلاجه بصورة جراحية واستعمال العلاج الكيماوي أو الكوبلت الراديوأكتيفي وغيره . طبعا هذا يتعلق بالحالات المختلفة.


س- ما هي أهم الترجمات التي قمت بها حتى الآن.
ج – لقد ترجمت كثيرا من المواضيع في الحقول والمجالات المختلفة، كالمجال الاقتصادي، التجاري، والمراسلات التجارية، العقود بالإضافة إلى المجال الطبي، الصيدلي والقانوني.
ففي المجال الاقتصادي والتجاري مثلا ترجمت حتى الآن ما يقارب 7000 صفحة.
كما وترجمت في سنة 1975 مجلة اقتصادية أسبوعية اسمها "رمونيتوري" تصدر في مدينة فاريزي – ايطاليا ونشر ووزع من كل منها 25 ألف نسخة. وفي المجال الميكانيكي ترجمت بعض الكاتالوجات المصورة لشركة فيات خصوصا كاتالوجات محركات الديزل وغيرها.
كما وقمت بإصدار لحساب الغرفة التجارية للمبادلات الدولية مجلة اقتصادية اسمها "ماذا تعرض الأسواق الخارجية" باللغة العربية طبعا. أقول إصدار لأنني قمت حقا بترجمتها وكنت مسئولا عن تحريرها.
وفي المجال السينمائي ترجمت في سنة 1978 – 1979 23 فيلما من الأفلام العالمية إلى اللغة العربية أذكر منها على سبيل المثال فيلم دكتور جيفاغو بطولة عمر الشريف ، فيلم حرب النجوم ، السبات العميق، التمرد على سفينة الباونني، القطار الأخير بطولة أنطوني كوين وكيرك دوغلاس، هروب لوغان وغيرها. بالإضافة إلى العديد من الأفلام الوثائقية التعليمية.
وقد ترجمت كذلك كتاب تحفة فنية اسمها الجزائر وكذلك كتاب يضم مجموعة الأبحاث التي ألقيت في ندوات اليونسكو


س- كطبيب ما هي أعمالك الآن؟
ج – الجواب الوحيد اعتقد هو مقدرتي الشخصية، ثقافتي، وإلمامي باللغتين الايطالية والعربية بالإضافة إلى اللغة الانجليزية التي أتكلمها بطلاقة والعبرية. وأنا أقرأ اللغة الفرنسية العلمية لكنني لا أتكلمها، وأعرف اللغة اللاتينية وأدبر حالي بالألمانية.
كما ولا تنسى بأنني عضو في نقابة المترجمين منذ سنة 1976 ، وهذه النقابة هي عضو غي اتحاد المترجمين الفرنسيين.
وهو بدوره جهاز غير حكومي تابع لمنظمة اليونسكو، وبالتالي فأنا مترجم  معترف به من قبل اليونسكو واشترك في الترجمة في مؤتمرات عالمية على مستويات رفيعة وقمت بالترجمة لرؤساء جمهوريات، وأريد أن أضيف أيضا أنه حتى سنة 1982 كنت عضوا في اللجنة التنفيذية لنقابة المترجمين الايطاليين وكنت عضوا ف لجنة الامتحانات فيها كما  وكنت مرشحا لرئاسة هذه النقابة – فرع ميلانو في الانتخابات التي أجريت في يوليو سنة 1982، لكن ولسباب داخلية تتعلق بتنظيم النقابة نفسها تقرر تمديد مدة الرئيس السابق لسنة أخرى.


س – ما هي الأبحاث التي تجربها الآن؟
ج- الآن أقوم بإجراء بحث بسيط جدا ويتعلق بسرطان الثدي لا يزيد حجمه عن 5 ملم إن هذا البحث يعتمد قبل كل شيء على الحقيقة الإحصائية. فأنا أريد أن اعرف عن طريق الحقيقة الإحصائية نسبة البقاء في الحياة في النساء المصابات بسرطان الثدي واللواتي تتم معالجتهن عن طريق استئصال الثدي بكامله ومقارنة هذه النسبة بالنسبة التي يمكن الحصول عليها من نفس عدد النساء المصابات بنفس السرطان فيما لو تمت معالجتهن باستئصال السرطان لوحده مع إبقاء الثدي كما هو.
الهدف من هذا البحث هو معرفة أي الطريقتين الجراحيتين قد تؤدي في المستقبل إلى الحصول على نسبة أكبر من البقاء في الحياة من بين النساء المصابات بهذا المرض.


س- وماذا عن كونك درزيا موجودا في ايطاليا؟
ج – أكرر أن الغربة صعبة جدا ليس فقط بسبب وجود الإنسان لوحده في بلد غريب وإنما بسبب وحدته العقلية والروحية ولعدم تمكنه من التزود بذلك الغذاء الروحي الذي يربط أبناء التوحيد ببعضهم أو يربط أبناء أمة ما ببعضهم، فأنا شعرت أول ما جئت على هنا بانقطاع اجتماعاتنا وسهراتنا، فالجميع عندنا يتكلم  عن الدين والديانة وفقا للمفهوم التوحيدي طبعا، ويفهمون كل شيء عن الحياة بناء على التعاليم الدينية التي تربينا عليها منذ صغرنا وهذا الشيء يحدث دائما وأبدا عندما يلتقي درزيان حتى ولو منا جهالا حسب المفهوم التوحيدي للكلمة هذا الغذاء الروحي الذي نتزود به يوما بعد يوم بصورة لا شعورية لهو السلاح الحقيقي الذي يعتمد عليه الموحدون أينما كانوا وأينما وُجدوا. والإكثار منه ما هو إلا حصانة ومناعة ضد الموبقات وغيرها.
لكن وجودي هنا لوحدي في السبعينات جعلني أتشوق كثيرا لهذا الغذاء الذي لا يمكن شرائه ولهذا ومع مر الوقت وجدت نفسي أبحث عليه بنفسي في المكتبات والمتاحف الغنية بتراثنا وبفلسفتنا العريقة التي كثيرا ما نجهلها لجهلنا، ونجهلها بالرغم من أننا دافعنا عنها خلال ألف سنة وأرهقنا دماءنا رخيصة للحفاظ عليها. وانطلاقا من هذا بدلت أجمع كل ما يكتب عن الدروز في أوروبا باللغات الأوروبية طبعا.
أردت قبل الرد على سؤالك أن أقدم لك هذه المقدمة الوجيزة لأنني اعتز كثيرا بكوني درزيا وأقولها علنا "إنني فخور جدا بكوني درزيا  إن بيتي في ميلانو كان وما زال مفتوحا لكل درزي يأتي إلى ايطاليا ، سواء للدراسة أو مرورا بها. لقد استضفت في بيتي طلابا دروزا جاءوا للدراسة في ايطاليا لمدد تزيد على الشهر والنصف، كما وأنا كنت وما زلت على استعداد دائم لمساعدة أي درزي يريد أو بحاجة إلى أية مساعدة خلال وجوده في ايطاليا، ليس فقط من الناحية الاقتصادية وإنما من الناحية المعنوية التي هي أهم من الأولى إذا كان الإنسان موجودا لوحده في الغربة. فكل درزي جاء إلى ايطاليا وإلى مدينة ميلانو بالأخص يعرف بأن شريف خريس درزي متعصب لدرزيته فخور بكونه درزيا ويعتز اعتزازا كبيرا بانتمائه لهذه الفئة من الناس الذين يعتنقون دين التوحيد والذين عملوا من "عمل المعروف والنهي عن المنكر" أساس وشعارا لدينهم وإيمانهم التوحيدي.
لقد حصلت في المدة الأخيرة على مخطوط باللغة اللاتينية كتب في سنة 1460 م يناقش الديانة الدرزية ويتناول موضوع الاستجابة لدين التوحيد قبل إقفال باب الدعوة، كما ويتطرق إلى التعاليم الأساسية التي على المستجيب لديانة التوحيد معرفتها والإلمام بها قبل اعتناقه هذا المذهب التوحيدي. لقد انتهيت من ترجمته من اللغة اللاتينية إلى اللغة الايطالية وبعد ذلك سأترجمه إن شاء الله إلى اللغة العربية.
بالإضافة إلى التنقيب عن كل كتاب أو مخطوط يتعلقان بالدروز في مكتبات أوروبا فإني أعمل الآن مع بعض الإخوان الدروز في ايطاليا على إقامة صندوق لمساعدة الطلاب في أوروبا وعلى إقامة دار الطائفة الدرزية في مدينة ميلانو وقد وعدت بلدية ميلانو بتقديم المساعدة لهذا الغرض.

 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2017 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.