spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 99
خلوة العدد: خلوة أبو سنان
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 148
العدد 147
العدد 146
العدد 145
العدد 144


 
رشيد طليع طباعة ارسال لصديق
رئيس اول حكومة أردنية مستقلة

بقلم الأستاذ نمر نمر


كثيرون هم الذين يمرّون مر الكرام دون أتن يتركوا أثراً لبصماتهم على طابع عصرهم وسجلّه، وقليلون هم الذين يتوقف التاريخ عندهم لحظات تأمل وتقييم، بعد أن تركوا بصماتهم على مجرى الحياة في العصر الذي عايشوه، وأحد هؤلاء الأقلة رشيد طليع، الذي يطيب لنا أن نعيد إلى الذاكرة بعض مآثره ومواقفه القومية المشرّفة في مقارعة الاستعمار والانتداب الفرنسي والإنجليزي بشتى ألوانه وطرقه المألوفة.
 رشيد بن علي ابن الشيخ حسن طليع شيخ عقل الطائفة الدرزية. ولد في بلدة جديدة الشوف عام 1876، لعائلة عريقة متمرسة في مجالي القضاء ومشيخة العقل.
درس في مسقط رأسه ثم انتقل إلى الكلية الداوودية في عبيه، ومنها إلى المركز الإعدادي في بيروت، ومنها إلى الآستانة موفداً من قِبل الدولة العثمانية للالتحاق بمكتب العشائر ومعهد الإدارة والمال منهياً دراسته عام 1900 وليعود إلى وطنه يبني ويخدم ويرقى سلم المجد الذي يتوّجه بالانضمام إلى صفوف الثورة السورية الكبرى عام 1925، ثم يصارع الموت إثر مرض عضال لم يمهله حتى يتذوّق طعم الاستقلال الحق فقضى نحبه عام 1926، تاركاَ سجلاً حافلا يخلد ذكراه على مر الأجيال.


المناصب الرسمية التي تقلدها:
نذر رشيد نفسه لخدمة أبناء ملته وشعبه وقد تقلب في عدة مناصب وتقلد أعلى المهام السياسية والإدارية، وقد أجاد وأصاب في إدارته وحسن تصرفه، ومن بين ما شغله على سبيل المثال لا الحصر: قائمقام في بعلبك، الزنداني، راشيا، حاصبيا، على التوالي طيلة ست سنوات. ومن لبنان انتهى به المطاف في سوريا ليواصل عمله كقائمقام في جبل الدروز ثم من هناك وبنفس الوظيفة إلى منطقة المسمية. عندما فتح باب الترشيح لمجلس المبعوثان العثماني 1914 انتدبه أبناء الجبل ممثلا عنهم لتمثيل لواء حوران، ثم عاد بعد ذلك ليكون متصرفاً لنفس متصرفية طرابلس الشام، ومنها إلى اللاذقية عام 1919 وفي نفس السنة سقطت السلطة العثمانية، رفض الاستمرار في منصبه تحت الحكم الفرنسي وعاد إلى مسقط رأسه. وبعد أن وضعت الحرب العالمية الأولى أوزارها ونكث الحلفاء بوعودهم المعسولة للشريف حسين وأبنائه، كان محمد الشريتي ابن اللاذقية من الوطنيين، فعرّف الأمير عبد الله برشيد، وأعجب منه، وانضم إلى حزب الاستقلال العربي بعد أن نشطت جمعية" العربية الفتاة" السرية. وهنا اصبح رشيد من كبار العاملين والمروّجين للحزب والجمعية، وحمل أعباء ثقيلة على كاهليه، قام بها بكل أمانة وإخلاص، حتى انتهى به المطاف إلى رئاسة الجزب.
وثمة عودة إلى المجال الإداري حيث عُين متصرفا وحاكما عسكرياً لمنطقة حماة. واستطاع بلباقته وحسن تصرفه الجمع بين مختلف الديانات والمذاهب لصهرهم في بوتقة القومية العربية في إطار الحكم العربي المستقل العتيد. وحين شكّل الأمير فيصل 1919 في سوريا حكومة مديرين برئاسة رضا الركابي عين رشيد وزيراً للداخلية. عند مبايعة فيصل عام 1920 بالملك عين رشيد والياً على حلب وشمال سوريا. ومن هنا بدأت أواصر العلاقة تقوى مع رواد النهضة العربية والنزعة الاستقلالية مثل إبراهيم هناتو، سلطان الأطرش، أحمد مريود، شكري القوتلي وغيرهم.
كانت الأحداث تجري سريعة، كحومة فيصل سقطت عام 1921 بعد معركة ميسلون، تجمع أحرار العرب في الأردن، حيث كان هذا القطر من نصيب الأمير عبد الله، الذي استطاع احتضان كافة الوطنيين من رجلات حزب الاستقلال، وعلى رأسهم رشيد، فكان مستشارا للملك، وحين شكّل الملك عبد الله حكومة أردنية مستقلة عام 1921 عهد برئاستها إلى رشيد الذي احتفظ لنفسه كذلك بحقيبة الداخلية، فيكون رشيد قد تبوّأ أعلى المناصب الرسمية رغم أنه لم يسعَ ولم يجرِ خلف المناصب، إنما الرجال ينتدبون لمثل هذه الأمور، لقد أراد النهوض بالأردن في ظل الاستقلال، إلا أن الرياح تجري بما لا تشتهي السفن، ضُيّق عليه الحصار من قبل الانجليز ومن قبل الملك عبد الله الذي بقي يساير الموقف الانجليزي ففضّل الاستقالة على أن يكون لعبة بيد الغير.


النزعة الاستقلالية:
غرام السيد رشيد باستقلال أمته أنساه كل شيء، هذا بعض ما قاله الأمير شكيب أرسلان، وقد أصاب الأمير كبد الحقيقة، فهو العالم بمجريات الأمور وما يدور وراء الكواليس من مؤامرات، صفقات، مهادنات، أخذ وعطاء تحت الطاولة وفوقها. أضف إلى ذلك الضحك على الذقون الذي يتبع تقبيل الأيادي.
كل هذا لم يكن مألوفا في قاموس رشيد طليع السياسي، لذلك اتخذ مواقفه بناء على النزعة الاستقلالية التي تطمح إلى التحرر مما هو دخيل وغريب، مهما حاول هذا التستر والتخفي وراء الوعود المعسولة والمغريات التي يسيل لها اللعاب عند ذوي النفوس الضعيفة، أما رائدنا رشيد طليع رغم تقلبه في مختلف المناصب، فذلك لم يغره ولم يفقده جادة الصواب. ترأس أول حكومة أردنية مستقلة، وأرادها أن تكون مستقلة قولا وفعلا، لا صورة ووهما، أراد للبلاد أن تتحرر من كل القيود والعقبات، دون هوادة، بلا شفاعة ولا وساطة، ولكن أنى للأسد البريطاني العجوز الخداع أن يرضى بمثل هذه الإجراءات، إذن لا بد من خلق المبررات لإعادة الاحتلال من الباب الخلفي، بعد أن طُرد من الباب الشرعي. تدخّل سافر في أمور الحكومة، بسط مخيمات عسكرية بحجج أمنية، رشيد يثور يزمجر ويعربد على الأسد البريطاني، الأسد يلجأ إلى فرض العقوبات الاقتصادية بواسطة المفوض السامي، عن طريق عدم صرف العوائد الجمركية للدولة الفتية، حوار ورضوخ من المندوب السامي، وزير المستعمرات يبدي استياءه من هذا "العدو" على حد تعبيره والذي يعرف باسم رشيد، الملك عبد الله يضطر إلى المهادنة والرضوخ، تقفل الأبواب أمام الرئيس الشرعي، فلا يرى مخرجاً إلا الاستقالة تعبيرا عن النقمة والغضب، ترك الأردن إلى فلسطين ومن هناك إلى مصر حيث قادة الرأي والفكر أمثال عادل أرسلان، فؤاد سليم، خير الدين زركلي، توفيق اليازجي وغيرهم.


رفيق درب مع سلطان:
رقد السيف لحين واستراح الأعادي حين، دون أن يدركوا أن النزعة الاستقلالية، والجذوة الروحية المنبثقة ناراً ولهيباً لن تخبو ولن تنطفئ، فالهدوء الذي يسبق العاصفة لن يطول، واستعادة القوى ولمّ الشمل لا محالة آت، وحين يشهر سلطان الأطرش سيفه في وجه الأعداء يلبي رشيد النداء ويستجيب لخفقات علت الحرية والنداء.
بدأت علاقة رشيد طليع مع سلطان حين كان الأول متصرفاً لمنطقة درعا، حصل خلاف بين أهالي بصرى وأهالي (القْريّة) بلدة سلطان، الخلاف على المراعي، ولئلا يتورط الأهلون بادر سلطان للاجتماع بالمتصرف، لحسم النزاع الطائفي، تطوع رشيد لهذه المهمة وبمؤازرة والي الشام تم تعيين الأمير علي الجزائري وسيطاً بين الفريقين  المتخاصمين وكان التوفيق حليف لجنة المساعي الحميدة وحل النزاع وتوطدت العلاقة بين رشيد وسلطان، سلطان صاحب السيف المسلول، يثور ضد الانتداب الفرنسي الغاشم يستنفر كل القوى الوطنية في العالم العربي، منهم من يلبي النداء، منهم من يتقاعس حتى تلوح بوادر النصر لاستغلال الظروف، أما رشيد طليع فكان من أوائل المبادرين للانضمام إلى الثورة، وفي هذا المجال ذكر سلطان في مذكراته:" بعد اجتماع ريما الفخور في أيلول 1925 وإذاعة المقررات الصادرة عنه والدعوة إلى السلاح بدأت النجدات تصل إلينا تباعاً من إخواننا بجبل لبنان وكان على رأس القادمين منهم الأمير عادل أرسلان، رشيد طليع، العقيد فؤاد سليم الذين أفادوا الثورة بخبراتهم ومؤهلاتهم العالية واشتد أزرنا إثر انضمامهم إلى هيئة أركان القيادة العليا للثورة.
رشيد سينضم إلى الثورة، عليه أن يصل سالما ليشارك ويأخذ نصيبه، لكن الانجليز والفرنسيين يقطعون السبل وينصبون الحواجز والكمائن، يطاردون الثوار ويتربصون بهم شراً،. جاءت المساعدة من قبل السيد عوني عبد الهادي الذي هيأ وسيلة المرور لرشيد إلى الجبل متخفيا بزي مهندس طلياني يكشف على الأرض، فعبر نهر الأردن أمام شرطة الحدود ووصل إلى الجبل ليشارك ويساهم في نداء الواجب وفداء الوطن مع غيره من الوطنيين أحمد مريود، نبيه العظمة، إبراهيم هنانو، شكري القوتلي، محمد إسماعيل، حمد صعب وغيرهم. 


قالوا في رثائه:
الكثيرون من رجال الفكر والأدب والسياسة وقفوا طويلا وقفات إجلال وإكرام إزاء الزعيم السياسي رشيد طليع، ليوفوه بعض حقه، ويؤكدوا لمن يعاصره الدور السياسي الحافل الذي لعبه، ومن بين هؤلاء نذكر ما قاله الأمير شكيب أرسلان أمير البيان في جريدة الشورى 1926 :" إنه عميد كبير وأخ صميم ومجاهد نادر النظير وخارق العادة في الهمّة والنبالة وحسن التدبير. لم يكن يكتف بمرافقة المجاهدين ومواساة المصابين إبان الثورة، بل خاضها بنفسه رغم المرض، لأن غرامه باستقلال أمته أنساه كل شيء وأخرجه من نفسه وعوّضه من قوة جسمه بقوة روحه العالية، وبقي يجاهد حتى تناهت همته إلى حدها الأقصى وهو الموت."
وذُكر عن الملك عبد الله بن الحسين ملك الأردن قوله:" ما رأيت رجلا كملت أوصافه واتسع عقله وما تهون عليه كرامته ويصارع الأجنبي كرشيد طليع".
سلطان الأطرش، سليل المجد والحرية، قائد الثورة السورية الكبرى لمقاومة الاستعمار الفرنسي، قضى ردحا من الزمن مع رفيق الدرب رشيد، وحين ينعي سلطان رشيداً، فهو ينعي الزميل والرفيق بكلمات من القلب دون مبالغة :" فُجعنا بوفاة المجاهد الكبير والبطل المقدام والإداري الحكيم رشيد طليع ببلدة الشبكة إثر مرض معوي أصابه بصورة مفاجئة. فقدنا بوفاته ركنا من أركان الثورة ورجلا من خيرة رجالات العرب الأفذاذ. "
الشاعر المؤرخ سلامة عبيد ابن الجبل والذي أرّخ لثورة الجبل وزادها حماسا ونبراسا فقد تحدث عن رشيد طويلا ومن جملة الحديث قال :" هو من أنجب من أنبتهم الشوف اللبناني، ومن ألمع الإداريين العرب في العهد العثماني، ومن أبرز وجوه العهد الاستقلالي قبل ميسلون، وعندما كان واليا في عهد الملك فيصل، اشتهر بالحزم واللباقة معاً، وطني قوي صادق، نشيط لا يعرف التعب أو الملل".
محمد الشريتي، أحد رجالات الفضية العربية في مطلع القرن، ابن اللاذقية التي عمل بها رشيد متصرفاً عام 1919 تحدث عنه قائلا:" إن السيرة التي تركها رشيد طليع في اللاذقية كانت كلها مضمّخة بالطيوب ، وكان أحرار العرب وقواد حركتهم السرية يعلمون، أي عنصر نبيل ينطوي عليه خلق رشيد طليع".




الأستاذ نمر نمر
كاتب المقال الأستاذ نمر نمر ولد عام 1941 في قرية حرفيش بالجليل، تلقى دراسته الثانوية في مدرسة كفر ياسيف، خريج كليتي التربية وعلم النفس في جامعة بار إيلان رمات غان. يكتب المقالة والبحث باللغتين العربية والعبرية. أصدر عام 1977 كتاب الشهيد كمال جنبلاط، واشترك في تأليف كتاب ألف شخصية عربية. له مجموعة قصص قصيرة اجتماعية ومجموعة مقالات ساخرة معدتان للطبع. يزاول مهنة التدريس في مدرسة قريته.
 
 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2019 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.