spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 69
المرحوم الشهيد نبيه مرعي
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 151
العدد 150
العدد 149
العدد 148
العدد 147


 
دار الحكمة طباعة ارسال لصديق

من أكبر المعاهد في القرون الوسطى
احتوت على مليونين وستمائة ألف مجلد
ضمت في ربوعها أول متحف في الشرق
فتحت أبوابها أمام النساء والرجال دون تمييز
كانت جامعة علمية تثقف الناس في مختلف العلوم والفلسفات والمذاهب


كانت الدولة الفاطمية في عهد الحاكم بأمر الله قد تميزت بالقوة السياسية والعسكرية وكذلك بالمنجزات الفكرية والعلمية والدينية وأصبحت القاهرة موئلا من موائل العلم والمعرفة وذلك لما حوته من مراكز للعلم والفن والشرع والدين والفلسفة والأدب واللغة كالأزهر الذي أسسه الخليفة المعز، وكدار الحكمة أو دار العلم التي أنشأها الخليفة الحاكم بأمر الله سنة 1005م.
كانت دار الحكمة متصلة بالقصر، وقد احتوت فيما احتوته على مكتبة كبيرة وعلى كثير من القاعات تقلى فيها المحاضرات في شتى العلوم، شانها في ذلك شان الأزهر وما شابهه من مراكز العلم والثقافة في القاهرة وغيرها من حواضر الدولة الفاطمية. وقد ذكر المؤرخ تقي الدين أحمد بن علي المقريزي في كتابه "الواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار" نقلا عن محمد بن عبد الله المسبحي مؤرخ الدولة الفاطمية يصف دار الحكمة فقال :" وفي يوم السبت... يعني العاشر من جمادى الآخرة سنة خمس وتسعين وثلاثمائة، فُتحت الدار الملقبة بدار الحكمة بالقاهرة، وجلس فيها الفقهاء، وحُملت الكتب إليها من خزائن القصور المعمورة ودخل الناس إليها، ونسخ كل من التمس نسخ شيء مما فيها ما التمسه وكذلك من رأى قراءة شيء مما فيها وجلس فيها القرّاء والمنجمون وأصحاب النحو واللغة والأطباء بعد أن فرشت هذه الدار وزُخرفت، وعلقت على جميع أبوابها وممراتها الستور، وأقيم قوام وخدّام وفرّاشون وغيرهم وسموا نجدتها – وحصل في هذه الدار من خزائن أمير المؤمنين الحاكم بأمر الله من الكتب التي أمر إليها من سائر العلوم والأدب والخطوط المنسوبة ما لم ير مثله مجتمعا لأحد قط من الملوك، وأباح ذلك كله لسائر الناس على طبقاتهم ممن يؤثر قراءة الكتب والنظر فيها، فكان ذلك من المحاسن المأثورة أيضاً التي لم يُسمع بمثلها من إجراء الرزق السني لمن رُسم له بالجلوس فسها والخدمة لها من فقيه وغيره وحضرها الناس على طبقاتهم فمنهم من يحضر لقراءة الكتب ومنهم من يحضر للنسخ ومنهم من يحضر للتعليم وجعل فيها ما يحتاج الناس إليه من الحبر والأقلام والورق والمحابر.
ويذكر المقريزي في موضع آخر أن الحاكم بأمر الله نقل إلى دار الحكمة من خزائن مقره والقصور الأخرى في البلدان الفاطمية ما يقدر بستمائة ألف مجلد وقد بلغ مجموع الكتب التي حوتها هذه الدار مليونا وستمائة ألف مجلد.
وكان في دار الحكمة عدا الكتب والخطوط المنسوبة الخرائط وآلات الفلكية والتحف النادرة. وقد ذكر المؤرخون أن من التحف التي كانت في دار الحكمة كرتان أرضيتان إحداهما من الفضة يقال إنها من صنع الفلكي الإغريقي بطليموس، وقد كان خالد بن يزيد بن معاوية الأمير الأموي العالم قد حصل عليها. أما الكرة الثانية فقد كانت من النحاس وقيل إن أبا الحسن الصانع المشهور كان قد صنعها لأسد الدولة صالح بن مروان الكلابي أول الأمراء المرداسيين في حلب. هذا وكانت دار الحكمة تحتوي إلى ذلك صناديق مملوءة أقلاما قيل إنها من براية ابن تعلة وابن البواب وغيرهما من مشهوري الخطاطين. وهكذا لم تكن دار الحكمة مؤسسة ثقافية وجامعة علمية ومركزا للدولة الفاطمية فحسب بل كانت أيضا متحفا يحتوي على التحف النادرة والقطع الفنية الثمينة. وكان الحاكم بأمر الله يشرف بشخصه على دار الحكمة وعلى ما يجري فيها، فكانت تجري بحضرته المناظرات والمجالس دينية كانت أم علمية أم فلسفية أم فقهية أو أبية ولغوية.
وفي سنة ثلاث وأربعمائة للهجرة أحضر الحاكم بأمر الله أهل الحساب والمنطق كما أحضر جماعة من الفقهاء والأطباء وأخذت كل فئة من أولئك العلماء تتناظر في حضرته. وكان الحاكم يخلع على هؤلاء العلماء الخلع ويصلهم بالصلات. وقد أوقف الحاكم بأمر الله الوقوف على دار الحكمة فكان ريع هذه الوقوفات يكفي للصرف على دار الحكمة وعلى مرتبات موظفيها وصلات العلماء والفقهاء والطلاب. وكذلك كان يصرف من ريع هذه الوقوفات على أثاث الدار وأدوات الكتابة ولوازمها. ولم يكتف الحاكم بذلك بل خصص للدار نسبة من أوقاف الجامع الأزهر وجامع مقس وجامع راشدة. وكان الحاكم قد بنى الجامعتين الأخيرتين وهكذا فقد كانت الأموال تتدفق على دار الحكمة وعلى علمائها وطلابها من هذه الوقوفات بالإضافة إلى الصلات الكثيرة والهبات الكريمة والخلع التي كان يغدقها الحاكم على دار الحكمة وفقهائها. وقد فكّر بعض المؤرخين أن مقدار النفقة على دار الحكمة بلغت ثلاث وأربعين مليون درهم في السنة.
كانت هذه الأهمية الكبيرة التي أعطيت لدار الحكمة كانت ثلاثة وأربعين مليون درهم:
1- كانت دار الحكمة مركزا لنشر الدعوة الفاطمية وتثبيت أركانها، فقد خرج الدعاة الفاطميون يلقون العلم والمعرفة للعالم الإسلامي ويدعون إلى المذهب الفاطمي وبالتالي إلى الدولة الفاطمية.
2- كانت دار الحكمة مركزا تقوم فيه البحوث العلمية التي تحتاج إليها الدولة الفاطمية من النواحي التنظيمية والهندسية والعسكرية والاقتصادية والتربوية والمالية لذلك حوت الدار إلى جانب الفقهاء والفلاسفة والدعاة علماء الفلك والرياضيات والإدارة والمال.
3- كانت دار الحكمة جامعة علمية تثقف الناس في مختلف العلوم والفلسفات والمذاهب. فلم تكن تُلق في هذه الدار مبادئ الدعوة الفاطمية فحسب بل كانت تُعلم فيها مختلف المذاهب الدينية والفقهية إلى جانب الفلسفة والعلوم والأدب واللغة والتاريخ والفنون كل ذلك دون أن يتكلف طالب العلم شيئا من ماله.
وقد ضاقت الدار بمن يرتادها من طلاب العلم فأخذ الفاطميون يعقدون بعض مجالس الحكمة في أماكن أخرى كالديوان والمحول. هذا وكانت العلوم تلقى في دار الحكمة وملاحقها على مستويات مختلفة ، حسب درجات الطلاب العلمية.فكان يُفرد لللأولياء مجلس وللخاصة وشيوخ الدولة ولعوام الناس مجلس وللطارئين مجلس. وكذلك كان الأمر بين النساء فكانت لخواص النساء تُعقد مجالس تختلف عن تلك التي تعقد لعامتهن. وكانت المجالس تدون في كتب خاصة تسمى مجالس الحكمة.
وفي سنة 461 للهجرة الموافقة 1068 ميلادية ثار الجند على الخليفة الفاطمي المستنصر ونُهبت دار الحكمة وروى شاهد عيان أنه رأى خمسة وعشرين جملا محملة كتباً وقد استُعملت وقيدا للنار بعد أن انتُزعت جلودها الثمينة لتُصنع أحذية للجنود. ولكن الدار عادت إلى العمل وبقيت إلى سنة 1122 عندما أغلقت أبوابها بعد أن استحكمت الخلافات المذهبية بين أعلامها. غير أنها عادت في السنة التالية، حين أعاد فتحها المأمون البطانجي وزير الحاكم بأمر الله، غير أنه نقلها من مكانها بجوار القصر بعيداً عن المعترك السياسي بعد أن بنى لها صرحا كبيرا في مكان خال بلغت نفقته فيما يقال أكثر من مئة ألف دينار وعُرفت بدار العلم الجديدة، ولم تزل عامرة إلى آخر الدولة الفاطمية أي سنة 567 للهجرة الموافقة 1171 للميلاد


عن كتاب : تاريخ الموحدين الدروز السياسي في المشرق العربي        

 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2020 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.