spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 81
حوادث البقيعة
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 136
العدد 135
العدد 134
العدد 133
العدد 132


 
التنظيم الطائفي للدروز طباعة ارسال لصديق
بقلم الأستاذ سلمان حمود فلاح


فترة الحكم العثماني:
في فترة الحكم العثماني اعترف بالطوائف الدينية المختلفة على أنها طوائف مستقلة حسب نظام (الملة) الذي كان معمولا به في الإمبراطورية العثمانية. وقد مُنح لهذه الطوائف حق المقاضاة حسب مبادئ  دياناتها ، وإدارة أموال الوقف وفق ما هو متبع عندها. كذلك مُنحت هذه الطوائف حق إقامة المؤسسات الدينية، والقضائية والتربوية والاجتماعية بشكل مستقل ومُعترف به.
لقد اعترفت الإمبراطورية العثمانية بالطائفة الدرزية في لبنان على أنها طائفة مستقلة في القرن الماضي، رغم أنه لا توجد في حوزتنا الوثائق والمستندات الأولى التي تشير إلى التاريخ المحدد الذي اعتُرف به بالطائفة الدرزية في لبنان على أنها طائفة مستقلة والوثيقة القديمة الوحيدة المتعلقة بهذا الأمر تعود إلى سنة 1890 م، وهذه الوثيقة هي عبارة عن أمر صادر عن (المشيخة الإسلامية) إلى المحكمة الشرعية في منطقة حاصبيا، وفيها يقر (شيخ الإسلام) الاستقلال الطائفي للدروز ويأمر بتنفيذ ذلك وفق "الفرمان الصادر عن الباب العالي في ذلك الوقت". ولم يُذكر في هذه الوثيقة تاريخ صدور الفرمان، وقد ذُكر فيها فقط أن أمور الأحوال الشخصية، والميراث "الوصايا" قد عولجت وحُلت مبدئيا وفق رأي، زعيمهم الديني منذ القدم.
وفي هذه الوصية يأمر "شيخ الإسلام" جميع القضاة الشرعيين بعدم النظر بشكوى أو قضية درزية إلا إذا رغب بذلك الطرفان المتنازعان ووافقا عليه.
لم تُنفذ المحاكم الشرعية هذا الأمر بعدم التدخل في الشؤون القضائية الدرزية، واستمرت في معالجة القضايا المتعلقة بالدروز بادّعاء أن أحد الطرفيْن المتخاصمين طلب ذلك. وقد قام الدروز بتقديم الشكاوي لتدخل المحاكم الشرعية الإسلامية في شؤونهم وتوجّهوا بالطلبات الكثيرة إلى الباب العالي كي يتدخل لوضع حد لهذا التدخل في شؤونهم القضائية والدينية.
في سنة 1908 م أرسل أمر صادر عن مشيخة العقل في استانبول إلى ولاية سوريا وأرسلت منه نسخ إلى جميع المحاكم الشرعية في سوريا، لبنان، وإلى بلادنا. وقد تضمن الأمر من جديد منع المحاكم الدينية معالجة القضايا الدرزية الخاصة بالأحوال الشخصية، والميراث، والوصايا وتحذّرها من مغبّة هذا المر. وقد تضمن هذا الأمر إشارة إلى الشكاوي الكثيرة والمتزايدة الذي قام الدروز بتوجيهها غي هذا الصدد. ومنها طلبات متكررة إلى السلطات لكي تتدخل في صالحهم.
ويضيف هذا الأمر في فحواه أن العادات الخاصة بالدروز وطبيعتهم، وكذلك رغبتهم في الحفاظ على خصائصهم كل ذلك يوجب عدم التدخل من جانب القضاة المسلمين في شؤونهم.
لم يُعترف بالدروز في بلادنا كطائفة مستقلة من جانب الأتراك حسب أمر صادر من استانبول كما كان الحال بالنسبة لإخوانهم في لبنان، غير أنه في سنة 1909 قرر مجلس ولاية بيروت، والتي كان الدروز في بلادنا يتبعون لها، قرر تنفيذ توصية الباب العالي التي تعترف بالاستقلالية الطائية للدروز في سوريا ولبنان وجعلها سارية المفعول بالنسبة للدروز في بلادنا. وفي رسالة جوابية إلى متصرفية عكا كتبها والي بيروت أدهم  بن مسعود، ذكر فيها أن الأمر الصادر عن مشية الإسلام إلى قاضي حاصبيا سنة 1890 يعتبر ساري المفعول بالنسبة للدروز في هذه البلاد، ويضيف فيها أنه من الواجب تنفيذ أمر الباب العالي فيما يتعلق بالدروز وعلى ذلك فإنه يمنع من المحاكم الشرعية حق معالجة الشؤون الدرزية المتعلقة في شؤون الزواج، والطلاق، والوصايا والميراث.
من خلال فحوى الرسالة الجوابية هذه يُفهم أن سلطات القضاء لم تقم بتنفيذ أمر الباب العالي فيما يتعلق بالاستقلال الطائفي في لبنان وترددت عن قبوله ولذلك قاموا بالتوجه إلى سلطات الولاية التي قامت بدورها في الرد عليهم بهذه الرسالة الجوابية.
من هنا يتضح أنه اعترف بالطائفة الدرزية في هذه البلاد اعترافاً شبه رسمي بالاستقلال الطائفي المنفرد منذ سنة 1909، ومنذ ذلك الوقت لم يلزم الدروز من الناحية الرسمية بالتوجه إلى المحاكم الشرعية، ولم يعودوا بحاجة إلى القضاء الإسلامي. إن الفرق بين مركز الدروز في لبنان ومركزهم في هذه البلاد هو أن الاعتراف بالدروز في لبنان جاء استناداً على أمر صادر عن الباب العالي، وأما الاعتراف بدروز هذه البلاد فقد جاء وفق قرار مجلس إدارة بيروت.
بعد مرور شهرين على هذه التاريخ أي في 20 من شهر نيسان من نفس السنة 1909 أعلن والي بيروت للسلطات في عكا بأنه على ضوء العرائض المقدمة من قِبل الدروز ومخاتيرهم في هذه البلاد إلى وزارة الداخلية (_نظارة الداخلية) في القسطنطينية والتي أرسلت إليه فيما بعد، فإنه يوصي بتعيين الشيخ محمد طريف قاضياً عاما للدروز وذلك استناداً إلى قرار مجلس الإدارة وقد قبل حاكم عكا أو (متصرف عكا) توصية والي بيروت وقام بتعيين الشيخ محمد طريف قاضيا للدروز في هذه البلاد سنة 1909.
ومن هنا فقد اعترفت السلطات العثمانية المحلية بالدروز طائفة مستقلة من نهاية فترة الحكم العثماني، وقامت بتعيين قاض درزي يحكم وفق قانون الأحوال الشخصية الدرزي. غير أن هذا الاعتراف لم يضمن ضرورة إقامة مؤسسات طائفية مستقلة، ولم يتضمن السماح بإقامة محاكم دينية درزية لقد مُنح الشيخ طريف صلاحية القضاء بطريقة تنفيذية، ولم تلزم هذه الطريقة الدروز بالتوجه إليه في حل خلافاتهم، بل أنها منحت المحاكم الشرعية حق المقاضاة في شؤون تخص الدروز في حالة موافقة الأطراف المعنية على ذلك.
وهكذا فلم تعن هذه الصلاحية ارتكازاً على صلاحية سلطانية، أي أنها لم تكن وفق أمر سلطاني (فرمان) بل حسب صيغة قانونية من السلطة العليا، وإنما كانت مجرد قرار صادر عن مجلس إدارة ولاية بيروت. وقد استند الإنجليز بعد ذلك على هذا الواقع في اتخاذه سببا كافيا لعدم اعترافهم بالطائفة الدرزية كطائفة مستقلة وبذلك منعوا إقامة محاكمهم الدينية.


فترة الانتداب البريطاني :
لم ترَ السلطات البريطانية بالدروز طائفة مستقلة، ولم تهتم بإعطائهم الصلاحية القانونية في إقامة محاكمهم الدينية، حتى أن هذه السلطات قامت في بداية الأمر بتقليص صلاحيات قاضي الدروز وحصرها في نطاق شؤون الأحوال الشخصية فقط، وفيما يتعلق بشؤون الميراث والوصايا اعترفت السلطات البريطانية بصلاحية قاضي الدروز في حالة موافقة جميع الأطراف المعنية بذلك فقط.
وفي سنة 1922 اعترفت اعترافاً رسميا بالمحاكم الطائفية التي كانت في ذلك الوقت ومنحت هذه المحاكم الصلاحيات القانونية المترتبة، ولما لم يكن للدروز محاكم طائفية معترف بها في ذلك الوقت فإنهم لم يدخلوا في نطاق الطوائف الدينية صاحبة الاعتراف الرسمي، نتيجة ذلك، لم يُمنح الدروز حق إقامة محاكمهم الدينية، وأكثر من ذلك فأنه سنة 1932 تقرر نهائيا تقليص صلاحيات القاضي الديني الدرزي وألغيت صلاحيته نهائيا في معالجة شؤون الميراث والوصية، وبقيت في يده صلاحية معالجة شؤون الزواج والطلاق فقط.
لقد توجّه الدروز في بداية الحكم البريطاني إلى الإدارة العسكرية وطالبوها بالاعتراف بالاستقلال الطائفي وبإقرار تعيين القاضي الدرزي تعييناً رسمياً كما كان الحال في فترة الحكم العثماني. لقد قام الحاكم العسكري البريطاني في حيفا وكان يدعى ستانتوس بتوجيه رسالة جوابية إلى الشيخ طريف بتاريخ 7-7-1919 وفيها يعلمه أن السلطات تقر الاعتراف بصلاحياته في المرافقة في شؤون الأحوال الشخصية عند الدروز، وفيما يتعلق بالشؤون الخاصة بالإرث، بل صلاحيته في معالجة ذلك تتوقف على موافقة الطرفين المتنازعين، وفي حالة عدم موافقة أحد الطرفين المتنازعين على ذلك فإن صلاحية البت تكون في يد المحكمة الشرعية. واستناداً إلى الرسالة الجوابية التي تلقاها الشيخ طريف من الحاكم العسكري في حيفا فإنه توجه إلى رئاسة المحكمة القضائية في حيفا وطلب منهم أن يأمروا حكام محاكم الصلح في حيفا وعكا أن يوجهوا إليه جميع القضايا القضائية الدرزية المتعلقة بالممتلكات، والوصايا، والزواج والطلاق في حالة وصول هذه القضايا إليهم. لقد بلغ رئيس المحكمة في حيفا الشيخ طريف في 11-10-1919 بأن السلطات المسؤولة ستقوم بإبلاغ حكام محاكم الصلح والمحاكم الشرعية في عكا وحيفا أن يراعوا الحق المعطى للدروز في مسألة تقاضيهم في شؤون الأحوال الشخصية حسب قوانينهم الخاصة، وفيما يتعلق بأمور الميراث يقول في رسالته الجوابية – إذا رفض الطرفان المقاضاة عندكم ففي هذه الحالة يحال الموضوع إلى المحكمة الشرعية انبت فيها. ويبدو أن هذا الرد لم يُقبل بعين الرضا في أوساط الدروز وهنا اتسعت مبادرة الشيخ طريف وانتقلت إلى الأوساط الواسعة من الطائفة الدرزية التي تنظمت واتحدت جميعها في الرأي للتوجه لسلطات الانتداب والمطالبة بالاعتراف بالطائفة الدرزية وإقامة مؤسساتها الطائفية أسوة بباقي الطوائف في البلاد.
وكان من النتائج الأولى لهذا التكاتب حول هذه المسألة التوجه إلى سلطات الانتداب بواسطة عريض ة موقعة من جانب حميع وجهاء القرى الدرزية. وتضمنت هذه العريضة طلب وجهاء الطائفة بالاعتراف بطائفتهم اعترافا كاملا مع إقامة مؤسساتها الطائفية، ورغم ذلك لم يستجاب طلب الدروز ولم يتوصلوا إلى مطالبهم، وقد أرسل تارد الأخير بهذا الصدد في الثاني من أيار عام 1924 من قبل دار الحكومة في حيفا بتوقيع حاكم اللواء العثماني، وفي رده إلى الشيخ طريف يقول حاكم اللواء إن حكومة الانتداب لا يمكنها الاستجابة إلى مطالب الدروز بإقامة محاكم دينية خاصة بهم تعالج شؤون الأفراد لأن دستور عام 1922 والذي تعمل بموجبه محاكم الطوائف الأخرى يعترف فقط بالمحاكم التي كانت قائمة في حينه والتي تستمد صلاحياتها من القانون العثماني الصادر بصورة فرمان أو أمر سلطاني آخر. ونظرا لأنه لم يكن للدروز محاكم قضائية في فترة الحكم العثماني، فإن الحكومة تستطيع الاعتراف بإقامة محاكم كهذه بعد أن تقتنع فقط بوجود فرمان أو أمر سلطاني يعطي للطائفة الدرزية صلاحية إقامة محاكمها الدينية  الخاصة.
إن هذا المر يحول صلاحية البت في أمور الأحوال الدرزية (ما عدا الأحوال الشخصية) من المحاكم الشرعية (الإسلامية) إلى المحاكم المدنية.
يمنح هذا الأمر كذلك إمكانية اعتراف سلطات الانتداب البريطانية بدروز هذه البلاد طائفة مستقلة وخاصة، وقد توجه منذ ذلك الحين الدروز بهذا الصدد إلى سلطات الانتداب عدة مرات غير أن ذلك لم يعير شيئا وبقيت الحال على ما هي حتى سنة 1957. إن الرسالة التي تصادق على تعيين الشيخ طريف رئيسا للطائفة الدرزية في البلاد والتي أرسلت من حاكم لواء حيفا في 16 كانون ثاني عان 1929 لا تتضمن تفصيلا وافيا للصلاحيات التي يجب  ان يتمتع بها الشيخ طريف، وهي نفس الصلاحيات التي تمتع بها سابقه الشيخ محمد طريف. إن صورة هذا التعيين لم يكن بها ما يساعد شيئا في مسألة الاعتراف بالطائفة وإقامة مؤسساتها الطائفية الخاصة. ورغم ذلك فإن مطالبات الدروز لم تتوقف من أجل منحهم حق التنظيم الطائفي وإقامة المؤسسات الطائفية المعترف بها. وكانت آخر توجهاتهم في سنة 1932 حيث وصلت إجابة الرفض الأخيرة من حاكم لواء الشمال، وفي هذه الإجابة عاد حاكم اللواء وأكد على أن سلطات الانتداب لا يمكنها الاعتراف بالطائفة الدرزية على أنها طائفة مستقلة لأنها غير واردة في قائمة الطوائف المذكورة في البند 51 من أقوال الملك في مجلسه (دستور فلسطين) من سنة 1922 وذلك لأنه في سنة إقرار الدستور لم تكن هناك محكمة درزية قضائية تحمل صلاحية قانونية، وفي 18 نيسان من ذات السنة (1922) تسلم الشيخ سلمان طريف رسالة جوابية سلبية فيما يتعلق بتعيينه قاضيا درزيا عاما.
ومن هذه الفترة وحتى نهاية الانتداب لم ترد إلى سلطات الانتداب مطالب جديدة بهذا الخصوص وبقيت الحال قائمة على أساس أن السلطات لم تعترف بالدروز على أنهم طائفة مستقلة وعلى أن هذه السلطات ترفض أيضا إقامة مؤسسان دينية، أو قضائية أو ثقافية خاصة بهم، وإنما جاء هذا التوقف نتيجة الصراعات والخلافات في الرأي والتي ظهرت بين العائلات الدرزية الكبرى حول توزيع المناصب الطائفية بما في ذلك منصب إدارة رئاسة الطائفة الدرزية.
لقد جرّت هذه الخلافات إلى وقف التنظيم الطائفي وتوحيد الكلمة من أجل المطالبة بالاعتراف التام من جانب السلطات. لم يستمر الدروز في توجيهاتهم إلى السلطات وكان ذلك ناتجا في الأساس عن الأحداث الدموية التي جرت بين السلطات وبين أقسام من العرب واليهود في هذه البلاد من جهة ومن جهة أخرى بين قطاعات مختلفة فيما بينها.
وفي نهاية هذه الأحداث أخذت تبرز دلائل أزمة عالمية كانت نتيجتها الحرب العالمية الثانية التي تفجّرت علم 1939، الأمر الذي أدى بالسلطات البريطانية إلى إهمال هذه الطلبات، وبطبيعة الحال فإن الدروز أنفسهم ونتيجة الجو العام امتنعوا عن التوجه إلى السلطات وهكذا بقيت الحال حتى نهاية الانتداب البريطاني


أما بالنسبة للبلاغ الذي أرسله والي بيروت للدروز في حينه، فيقول حاكم اللواء إن هذا البلاغ يفي الشروط الواردة في البند السابع من دستور فلسطين وهو لا يمنح الصلاحية المطلوبة لإقامة المحاكم، لأنه يحدد صلاحية الشيخ طريف في الحكم في أمور الأحوال الشخصية فقط. وأما بالنسبة لصلاحيته في المقاضاة في أمور الميراث فإن ذلك منوط بموافقة الطرفين المتنازعين.
وعليه فقد صادق اللواء على صلاحية الشيخ طريف في الحكم في أمور الأحوال الشخصية (الزواج والطلاق) بغير حاجة لإقامة محكمة درزية، واستند في ذلك على البند العسكري الذي يمنح الشيخ طريف هذه الصلاحية. أما بالنسبة لباقي الأمور المتعلقة بالأحوال الشخصية قإن حاكم اللواء يقر بأن المحاكم المدنية هي صاحبة الصلاحية للبت في ذلك.    
   

 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2017 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.