spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 139
شهر آذار ورحيل العمالقة
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 146
العدد 145
العدد 144
العدد 143
العدد 142


 
الجذور التاريخية للصراع الدرزي الماروني في لبنان طباعة ارسال لصديق
بقلم الأستاذ نبيه القاسم 
الرامة

تعود قضية الصراع الدرزي الماروني لتحتل مركز الأحداث من جديد مع كل حدث يلم بلبنان...ففي عام 1958 عندما قاد المرحوم كمال جنبلاط الثورة ضد رغبة كميل شمعون في الاستئثار بالحكم وتمديد فترة رئاسته.. وفي عام 1975 عندما تصدّى المرحوم كمال جنبلاط لرغبة أحزاب اليمين اللبنانية بقيادة سليمان فرنجية وبيير جميل وكميل شمعون في تصفية الوجود الفلسطيني في لبنان وفرض الهيمنة المارونية على لبنان... وفي الأشهر الأخيرة من هذا العام بعد اجتياح القوات الإسرائيلية للبنان... عادت قضية الصراع الدرزي – الماروني تثير التساؤلات وتفرض إيجاد الأجوبة الشافية.. بعد الاشتباكات المسلحة التي حدثت في الأسابيع الأخيرة في بعض المناطق الدرزية ووضع الحواجز في مداخل القرى والمدن الدرزية...
كان، ولا يزال هذا الصراع ما بين الموارنة والدروز يثير انتباه المؤرخين.. والمعتمين بأحداث لبنان. وقد نجد من يلقي أسباب وتبعات هذا الخلاف المستحكم على الدول الأوروبية وخاصة فرنسا وانجلترا. ويتهم البعض الحكام الأتراك، ومحمد علي باشا وابنه إبراهيم، والبعض الآخر من المؤرخين يتهمون الدروز بكل التعديات والبعض يتهمون الموارنة.
وحتى لا تقع ضحية لاتهامات بعض المنحازين.. نعود بقضية النزاع الدرزي – الماروني إلى جذورها الأساسية، منذ وُجد افراد هاتين الطائفتين فوق أرض لبنان.


من هم الموارنة:
تتفق المصادر التاريخية على أن الموارنة يعودون في أصلهم إلى خليط من الأقليات المسيحية التي كانت تسكن في الجبال اللبنانية الشمالية وتتحدث الآرامية مع الجنود المرتزقة الذي استخدمهم الروم لشن الغزوات على حدود الإمبراطورية العربية الإسلامية في سوريا وقد عرف هؤلاء المرتزقة باسم "الجراجمة" نسبة إلى مدينة الجرجمة في جبل اللكام، وقد اشتد ساعد هؤلاء المرتزقة لدرجة أنهم أجبروا معاوية بن ابي سفيان ومن بعده عبد الملك بن مروان على دفع الضريبة لهم بمقدار ألف دينار كل أسبوع. وقد  نحج الوليد بن عبد الملك أن يحاربهم ويفرض عليهم القبول بحكمه.. لكن الخليفة العباسي أبا جعفر المنصور رأى أن الحل الأمثل لمشكلة الجراجمة أن يوجه إليهم جيشا عربيا يقيم في مناطقهم ويقضي على نفوذهم.. وهكذا فعل فقد عمل على أيفاد قبيلة لخم العربية إلى لبنان حيث نجحت في السيطرة على المنطقة وفرض هيبتها على الجراجمة الذين عُرفوا باسم (المردة) بعد امتزاجهم بسكان الجبل الأصليين.


تسمية الموارنة:
تعود هذه التسمية إلى القديس مارون شفيعها. وقد عاش هذا القديس في أواخر القرن الرابع ومات حوالي سنة 410 في البلدة التي تقع بين أنطاكيا وقورش إلى الشمال أما الذي بث الروح القومية في أتباع مار مارون فهو يوحنا مارون بطريك الطائفة المتوفى حوالي سنة 707 م الذي اهتم بإبراز الخصائص المميزة لأبناء طائفته.. ودافع عن استقلالهم حتى أنه قاد جيشاً واجه به الإمبراطور الروماني يوستنيان الثاني وهزمه. والموارنة يعترفون بسلطة الباب باعتبارهم طائفة وكنيسة تامة وهم فرع من الكنيسة التي كانت لغتها سريانية.


تمركز الموارنة في لبنان:
ذكرنا أن المرتزقة من الجراجمة الذين أحضرهم الروم لمحاربة جيوش العرب في سوريا وجدوا مكانا أمينا لهم في جبال لبنان الشمالية حيث اندمجوا مع سكانه من النصارى وعُرفوا باسم "المردة " . وقد أقاموا هناك حياة مستقلة وفرضوا هيبتهم على كثير من خلفاء بني أمية وبني العباس. وقد اختاروا مكان تمركزهم السم الشمالي من لبنان وهو قريب من وادي العاصي وذلك إثر خلافهم مع اليعاقبة واحتكامهم إلى معاوية سنة 659 م وهكذا ظل القسم الشمالي من لبنان يُعتبر وطنا للموارنة بينما عُرف القسم الجنوبي منه وطنا للدروز.


قدوم القبائل الدرزية إلى لبنان وانتشارها:
ذكرنا في حديثنا عن الموارنة أن قياصرة الروم أحضورهم إلى بلاد الشام على شكل فرق مرتزقة محاربة لإشغال الجيوش العربية وقد عُرفوا باسم "الجراجمة" ومن ثم باسم "المردة" بعد اندماجهم بسكان الجبل من النصارى وإقامتهم هناك.وقدوم القبائل التي اعتنقت العقيدة التوحيدية إلى لبنان وكان له العلاقة المباشرة مع قدوم واستيطان الجراجمة للبنان فقد وجد الخليفة العباسي ابو جعفر المنصور أن حدوده مع الروم لن تستقر إلا إذا نجح في إضعاف الجراجمة والسيطرة عليهم ولهذا فقد عمل على توجيه قوة عربية وظيفتها وضع حد لعبث الجراجمة.. وهكذا تم الاتفاق مع قبيلة لخم العربية (ملوك الحيرة سابقاً) على القيام بالمهمة، وبالفعل قام الأمير أرسلان بن مالك ونزل مع قواته في وادي التيم وبعده قدم الأمير المنذر وتابع التمركز والانتشار.. سنة 759 م. والجنبلاطيون قدموا من حلب إلى بيروت وللصداقة التي كانت بين أسرة الجنبلاطيين والمعنيين كان الأمير فخر الدين المعني يعتمد على زعيم الجنبلاطيين وأسند إليه المهمات العديدة.. وقد استوطن الجنبلاطيون في الشوف واتخذوا المختارة مقرا لهم..
وهكذا نرى أن قدوم القبائل الدرزية إلى لبنان وانتشارها على فترات زمنية متعاقبة تركز أخيرا في منطقة لبنان الجنوبية الداخلية شرفي منطقة صور وصيدا والساحل.. وهذا التمركز الدرزي في الجنوب مقابل التمركز المسيحي الماروني في الشمال أدى مع مرور الزمن إلى انقسام لبنان إلى قسمين يفصل بينهما ما يُعرف اليوم بطريق بيروت دمشق.. في الشمال المنطقة المسيحية وفي الجنوب المنطقة الدرزية... حتى أن الجنوب الداخلي عُرف باسم "جبل الدروز".


 تناقض المواقف والأهداف بين الدروز والموارنة:
ليس صعبا على المتتبع لتاريخ لبنان وبلاد الشام أن يلمس التناقض الواضح بين موقف وأهداف كل من الدروز والموارنة منذ وُجدوا فوق أرض البلاد السورية. فبينما كان الموارنة جند الروم المرتزقة وحربتهم الجارحة الموجهة ضد الدولة العربية الإسلامية كانت القبائل العربية الدرزية رسل الخلفاء العرب وجند الدولة العربية وطلائعها في الحفاظ على الحدود، والقيام بالتصدي لكل عابث غريب.. فكان الدروز جند العروبة وسيف الإسلام وذادة حدود البلاد ومؤكدي انتماء البلاد للدولة العربية الإسلامية.
وظل هذا التناقض يرسم العلاقة بين الطرفين، فبينما كان الموارنة يسارعون لاستغلال كل مناسبة تسنح للعمل ذد العرب ودولتهم، كان الدروز على النقيض تماماً. وقد تأكد ذلك – بالإضافة إلى ما وضحنا من هدف استيطانهم للبنان – بما يلي:
أولاً :– الاتصال المبكر بالصليبيين.. فقد جرى أول اتصال بين الموارنة والصليبيين في البترون التابعة لإمارة طرابلس وقد أمدّ الموارنة الصليبيين الذين كانوا في طريقهم لاحتلال بيت المقدس بأدّلاء كانوا في أمس الحاجة إليهم وكان ذلك عام 1099 م. كما أن الموارنة ساعدوا القوات الصليبية بقوات مقاتلة حيث حاربت كتيبة من حملة الأقواس الموارنة إلى جانب الصليبيين ضد جيوش المسلمين بقيادة نور الدين سنة 1146 م.
ثانياً :- العلاقة القديمة مع الفرنسيين: وكما باشر الموارنة في العلاقة المبكرة مع الصليبيين حيث قدموا لهم الأدلاء والفرق المحاربة.. هكذا بادروا لإقامة العلاقة الوطيدة مع الفرنسيين، فقد حدث أن تقدم وفد مؤلف من خمسة وعشرين ألف ماروني ومعهم المؤن والهدايا واستقبل لويس التاسع ملك فرنسا عندما نزل إلى البر في عكا. وفي هذه المناسبة سلمهم رسالة مؤرخة في 21 أيار 1250 فيها تصريح بأن فرنسا تتعهد بحمايتهم، ويقول في الرسالة ونحن مقتنعون بان هذه الأمة التي تُعرف باسم القديس مارون هي جزء من الأمة الفرنسية. وقد كان الموارنة يحتلون في الممالك التي شيدها الإفرنج المرتبة الأولى بعد الإفرنج.
من الطبيعي أن تكون لهذه العلاقات الخاصة آثارا كبيرة على تفكير وتوجه وتطلع الموارنة لمستقبلهم في لبنان. حيث بدأوا يشعرون بصورة أكثر حدة بانسلاخهم عن الانتماء العربي وحتى الشرقي. ويرون في أنفسهم أمة غربية
متفوقة تعمل على فرض وجودها وهيمنتها على الآخرين في لبنان.
وكان من الطبيعي أيضا أن يكون لهذا التوجه الثر على الطوائف الأخرى وعلاقتها بالموارنة عبر تاريخ لبنان الطويل. وخاصة الدروز الذين كانوا اصحاب جبل لبنان وأسياده ويرون أن السيادة من حقهم.


موقف الدروز من الصليبيين والمغوليين والفرنسيين:
اختلف موقف الدروز كليا عن موقف الموارنة تجاه الأغراب الذين حاولوا احتلال البلاد واستعبادها.. فقد اعلن الدروز عداءهم للصليبيين وقانوا بالتصدي لجيوشهم المتقدمة.. ففي سنة 1100 م تصدى الدروز بقيادة أميرهم عضد الدولة التنوخي لتقدم بدوان عند نهر الكلب.. وتصديهم مرة ثانية لتقدم جيش ريموند دوتولوز الصليبي عند نهر الكلب ايضاً. وقد فشلت هذه المحاولات وكانت نتائجها وخيمة على الدروز إذا قام تلصليبيون بالانتقام من الدروز بعد احتلال بيروت عام 1110 م حيث قام الصليبيون باكتساح بيروت وقرى الغرب وانتقموا من الدروز وقتلوا العديد من الأمراء التنوخيين وبينهم الأمير عضد الدولة.
هذا الانتصار الصليبي لم يردع الدروز فقاموا بالتصدي للفرنجة مرة ثانية في موقعة "عين التينة" عند نهر الغدير جنوب بيروت سنة 1151 م وانتصر الدروز تحت قيادة الأمير بحتر بن عضد الدولة التنوخي ومرة أخرى وقف الدروز يتصدون لجيوش الصليبيين حيث بادر الأمير جمال الدين حجي التنوخي على رأس وفد من الدروز إلى خلدة لينضم إلى قوات صلاح الدين اليوبي في محاصرة بيروت وتحريرها من الصليبيين، وقد خاطب صلاح الدين الأمير جمال الدين التنوخي بعد تحرير بيروت "ها قد أخذنا ثأرك من الفرنج فطيب قلبك وأنت مستمر مكان أبيك وإخوتك".
وكما تصدى الدروز للصليبيين هكذا فعلوا مع التتار فقد سارع الأمير زين الدين صالح بن علي بن بحتر وانضم إلى جيوش المماليك التي تقدمت من مصر لتتصدى للزحف المغولي في موقعة "عين جالوت" الشهيرة سنة 1260 م وقد ابلى الدروز في هذه الموقعة بلاء حسنا. وكان من نتائج هذه المواقف المشرفة للدروز أن عهد إليهم مسؤولية المحافظة على الثغور عند بيروت وصيدا من أي تقدم للفرنجة.
وأثناء حملة نابليون بونابرت على مصر وفلسطين.. ورغم محاولته استمالة الدروز بما قطعه من تعهدات لهم.. فإن الدروز وقفوا موقف المعارض للتعاون معه وهذا الرفض حال دون إقدام الأمير بشير الشهابي ورغبته في تلبية طلب بونابرت



علاقات الدروز بالموارنة حتى حكم الأمير فخر الدين المعني:
رغم المواقف لكلا الطرفين.. إلا أن الطرفين اهتما بالمحافظة على علاقات جوار حسنة.. وإذا كان الموارنة ظلوا يحافظون على رغبتهم الاستقلالية وتطلعاتهم لتقبل المساعدة من كل غريب يعطف عليهم.. فإن الدروز والموارنة عرفوا كيف يعيشون معاً.. كل في منطقته.. وقد تجلت المصلحة المشتركة بينهم يوم وجدوا أنفسهم يقعون ضحية للانقسامات بين الحكام المماليك والأيوبيين... فقد وجه الملك الناصر سنة 1255 حملة للانتقام من الدروز بسبب اعتقاده انحيازهم إلى جانب المماليك وقد وقعت المعركة المعروفة بموقعة "عيتات" وكان النصر فيها للدروز.
كما أن المنافسة والوشايات بين المماليك عادت بالوبال على سكان لبنان فقد قام الظاهر بيبرس ونتيجة لوشايات غير مؤكدة بالتنكيل بأمراء الدروز وقتلهم مما أدى إلى التمردات العديدة في مختلف المناطق الدرزية.. ولم تسلم المناطق المسيحية في كسروان من انتقام المماليك وخاصة في زمن السلطان أشرف خليل بن قلاوون الذي قام بحملته الشهيرة على كسروان سنة 1291 م ثم حملة ثانية بقيادة الأمير جمال الدين أقوش الأفرم سنة 1300 م أدت إلى انكسار سكان كسروان وقيام الجيوش المنتصرة بالتنكيل بالسكان وقتل الآلاف..
وهذه الحوادث أقنعت الدروز والموارنة أن مصلحتهم في وقوفهم معا وتصديهم لكل من يعاديهم.. وهكذا أخذت روح المردو تضعف عند الموارنة.. والروح القتالية الصلبة تخفت عند الدروز وسادت الروح المتسامحة بين ابناء الطائفتين المتجاورتين. الموارنة في الشمال والدروز في الجنوب.



حكم فخر الدين المعني الكبير والتغلغل الماروني في المناطق الدرزية:
تميز حكم الأمير فخر الدين الثاني بأنه العهد الذي عرف التسامح الديني والمحبة والمساواة بين جميع السكان..ورغبة فخر الدين في بناء لبنان المستقبل القوي وتقليد أوروبا في التطور والعمران. أدت به إلى أن يعمل على خلق أمة لبنانية لا تفرق بينها المذاهب.. تجمعها روح التسامح والهدف المشترك والرغبة في التطور والعمران.. وباشر بتحقيق وحدة الشعب، فاتخذ حلفاءه من جميع الطوائف ومن الحزبين القيسي واليمني، وصاهر الأمراء الأرسلانيين وساوى  بين جميع الرعايا وشجع المسيحيين على الانتقال والهجرة إلى لبنان الجنوبي، وكان عطف الأمير على الموارنة وتحالفه معهم من أبرز ميزات سياسته الداخلية، كما أنه عطف على الإرساليات الأوروبية وسمح بإنشاء مراكز لها في لبنان وفلسطين، حتى أصبح الأوروبيون يدعونه (حامي النصارى في الشرق) وقد سمح الأمير للموارنة بحمل السلاح والتجند في الجيش وقد قال الأب فيتالي في تقرير له :" إن الموارنة هم الوحيدون بين مسيحيي الشرق الذين يحملون السلاح ويستعملونه مرارا ضد العثمانيين تحت قيادة الأمير". وقال الدويهي في تاريخه :" في ايام فخر الدين ارتفعت رؤوس النصارى وعمروا الكنائس وركبوا الخيل ولفوا شاشات بيضاء..." وقال فيليب حتي في تاريخه :" كانت سياسة التسامح الديني في عهد فخر الدين عاملا في هجرة الموارنة من شماله إلى جنوبه الذي كان منطقة درزية صرفة، وكانت هذه المرة الأولى التي تجتمع فيها الطائفتان في منطقة واحدة وتعيشان بصفاء ومودة".



حكم بشير الشهابي الثاني الكبير وتفجير الصراع الدرزي الماروني:
شهد لبنان بعد انتهاء حكم فخر الدين المعني الكبير وقتله يوم 13 نيسان سنة 1635 فترة فوضى وقلاقل.. إذ مع الأمير قتل العديد من أفراد بيته على يد الأتراك.. وهكذا انتقل الحكم لابن أخيه ملحم الذي بموته سنة 1697 م انقرض نسل المعنيين من الذكور فسادت الفوضى في البلاد إلى أن تم اجتماع قومي عام عقده وجهاء لبنان عام 1697 م في السمقانية (بالقرب من بعقلين) الإجماع على انتخاب الأمير بشير الشهابي من راشيا حاكما على لبنان وكان هذا الأمير ابن أخت الأمير أحمد آخر الأمراء المعنيين. وقد عمل أمراء الشهابيون على إثارة الخلافات بين الأحزاب والفئات قصد الاحتفاظ بالتوازن السياسي بيت الموارنة والدروز، وقد قام الأمير حيدر الشهابي بتأييد الحزب القيسي ضد الحزب اليمني في معركة عين دارا سنة 1711 م حيث قتل الكثير من آل علم الدين حاملي لواء اليمنية مع الكثير من أعوانهم.. وكان من أثر هذه المعركة أن نزح الكثير من الحزب اليمني إلى حوران حيث شكّلوا الفوج الأول لتكوين الجالية الدرزية القوية هناك. كما أدت هذه المعركة لتكوين أحداث ترتيبات جديدة بين الأسر الإقطاعية، فاللمعيون منحوا لقب الإمارة وأقطعوا المتن، والجنبلاطيون رفعت رتبتهم إلى المشيخة وولوا الشوف، وثبت آل الخازن في كسروان، أما الارسلانيون الين مالوا للحزب اليمني فقد جردوا من إقطاعهم في الغرب وأعطي إلى آل تلحوق ورفعت درجة آل تلحوق إلى المشيخة. كما برزت أسر درزية جديدة مثل أسرة عبد الملك وولوا الجرد.
وكان الحدث السياسي في تاريخ دروز لبنان هو تنازل الأمير ملحم الشهابي سنة 1754 م عن الحكم لأخيه منصور الذي تنازل بدوره عن الحكم سنة 1770 لصالح ابن أخيه يوسف الشهابي الذي ترك مذهب التوحيد واعتنق المسيحية وهكذا خسر الدروز الحكم في لبنان وإن لم يظهر اثر هذا إلا في حكم بشير الثاني.
ففي عهد بشير الثاني (1788 – 1840) عمل كل جهده لإضعاف الإقطاعيين من الدروز خاصة واهتم بتوزيع الأراضي والإقطاعيات المصادرة على أفراد اسرته.. إذ وجد أن تثبيت الحكم لا يتم إلا بتركيز الأرض وشل قوة الإقطاعيين.. واتبع سياسة فرق تسد.. فكان يؤلب الواحد على الآخر ويساند هذا الحزب ضد الثاني حتى استطاع ان يستفرد بالحكم ويقضي على التأثير الذي كان للإقطاعيين الدروز وبعض المسيحيين مثل آل الخازن في كسروان. كما عمل الأمير بشير على الاستعانة بكل من ينجده لقمع أي تمرد أو انتفاضة تقوم ضده.. وقد ساهم الانقسام الذي استحكم بين السر الدرزية في تقوية مركز الحكم الشهابي وتثبيته وإضعاف مركز الدروز السياسي في البلاد.. ولعل نجاح الأمير بشير الشهابي الثاني في تصفية كل خصومه ونجاحه في التخلص من الشيخ بشير جنبلاط وباقي زعماء الحزبيين اليزبكي والجنبلاطي تمثل نقطة تحول في مرحلة من الانحسار لمركز الدروز السياسي وقد نجح بشير الثاني أن يسدد ضربة قاضية لمكانة الدروز في لبنان على حد تعبير المؤرخ كمال الصليبي. وقد قام الأمير بشير بإجلاء أفراد الأسرة الجنبلاطية من الشوف وهدم أبنيتهم وصادر أملاكهم وضمها إلى أملاكه.
لم تكن نهاية الأمير بشير الثاني كما أرادها.. فقد عُزل من الحكم لتألب الجميع ضده ولإتباعه السياسة الظالمة تجاه رعاياه وغدره بحلفائه من باقي الحكام مثل الجزار حيث توانى عن تقديم المساعدة له عندما طلبها منه يوم حاصر نابليون عكا.
لكن السياسة القمعية والهادفة إلى تحطيم مركز الدروز السياسي في لبنان التي اتبعها طوال فترة حكمه اثمرت وأوصلت البلاد إلى وضع بدا الانقسام الطائفي والاحتراب المذهبي الوضع الذي لا يمكن التهرب منه.. أو تجنبه.
وهكذا عاش لبنان بعد حكم بشير الثاني فترة قاسية برزت فيها الأحقاد الطائفية ورغبات الانتقام.. التي نمّاها بشير الثاني طوال فترة حكمه.. فتلقفها منه سياسيو الدول الغربية وعملوا على تقويتها.. وكان غباء رجال الأكليروس الماروني واعتقادهم الأحمق بأن الفرصة أزفت للقضاء على كل تأثير للوجود الدرزي.. تجمعت هذه العوامل كلها لتوصل بلبنان وأهله إلى الاحتراب الطائفي.. وصفك دماء للآلاف .. إلى مذابح ما عُرف بمذابح الستين.. التي سنقف عندها مطولا في العدد القادم.
 
 



 الأستاذ نبيه القاسم:
كاتب ومعلم في مدرسة الرامة الثانوية. ولد في قرية الرامة عام 1945 ودرس في مدارسها الابتدائية والثانوية وانتسب للجامعة العبرية بالقدس وأحرز البكالوريا عام 1969 في موضوعي التارخ العام والأدب العربي. تابع دراسته للماجستير في آداب اللغة العربية. اصدر نشرة محلية باسم "صوت الرامة" صدر منها خمسة عشر عددا ويحرر مجلة مدرسة الرامة الثانوية المسماة "الشعلة" منذ سنة 1970 اصدر عددا من الكتب.
 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2019 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.