spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 74
شهداء قريتا البقيعة وعين الاسد
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 147
العدد 146
العدد 145
العدد 144
العدد 143


 
كلمة العدد: وعندها، لا يهمنا أيهما أكبر.. طباعة ارسال لصديق

ورد في تاريخ الأدب العربي، أن شاعرا بدويا من الصحراء، لم يرَ في حياته شيئا غير الماشية والكلاب والرمال، رحل في أحد الأيام إلى بغداد، في أوج عزها وازدهارها. ولكونه شاعراً، انضمّ لبقية الشعراء في بلاط الخليفة العباسي،وجاء دوره للحديث فكان أول ما مدح به الخليفة، قوله:
أنتَ كالدلو لا عدمناك دلواً         كثير العطا قليل الذنوب
أنتَ كالكلب في الحفاظ على الودّ            وكالتيس في قراع الخطوب
فحاول بعض أعوان الخليفة قتله، لاعتقادهم، أنه يهين الخليفة بألفاظه هذه، لكن الخليفة كان حكيما فمنعهم وأوعز لهم، بإسكانه في القصر، والسماح له بالتمتع بكل ما يحويه من متع وملاذ، مدة من الزمن. وبعد فترة، دعا الخليفة الشاعر البدوي إلى ديوانه، فوقف الشاعر،ابن البادية، الذي كاد أن يقتل، بسبب ألفاظه، وأنشد مادحا:
يا من حوى ورد الرياض بخده       وحكـا قضيب الخيزران بقدّه
دع عنك ذا السيف الذي جرّدته        عيناك أمضى من مضارب حدّه
كل السيوف قواطع إن جُرِّدتْ       وحسام لحظك قاطع في غمده
إن شئتَ تقتلني فأنتَ مخيَّرٌ     من ذا يعارض سيداً في عبده؟
هكذا تغيرت كل مفاهيم هذا الشاعر، وانقلبت من الفظاظة الشديدة، إلى الرقة المتناهية، بعد أن عاش حياة تختلف عن حياته السابقة، ومر بمشاهد ونعومة ورقة عيش، جعلته ينتقل خلال مدة، من جو خشن قاس، إلى واقع لذيذ ممتع، فنطق بأبيات هي من أجمل ما قيل باللغة العربية حتى اليوم، وهذا يبرهن لنا أي قوة تكمن في التعليم، وأي أهمية توجد للتربية، وأي سر يوجد في عملية التوجيه والإرشاد والتثقيف، إذا نُفِّذت بجدارة وجدية وإتقان.
لقد أجمعت جميع مدارس التربية، وجميع الديانات والمذاهب، أن الإنسان يولد طاهرا بريئا نقيا ناصعا واضحا، لا شوائب فيه، ولا خصال متأصلة بداخله، وهو يبدأ بصقل شخصيته، وتكوين ذاته، تدريجيا إذ هو ينمو ويترعرع في المجتمع الذي ينشأ فيه. ولا يمكن أن نقول، إن إنسانا ما ولد مجرما، أو ولد قديسا، فالمزايا الحسنة أو السيئة التي تتأصل في الإنسان، يكتسبها من خلال البيئة التي يعيش فيها، ومن خلال النماذج الحية التي يصادفها، ومن خلال ما يرى ويشاهد حوله، ومن خلال التأثيرات والممارسات التي توجه إليه.وكل مخلوق، يمر عادة بعملية طويلة من التربية والتوجيه والتثقيف، والرعاية والهداية والوعظ والتشجيع، والضغوط وغسل الدماغ، أو الإهمال والانعزال، وبهذه الطريقة يكتسب مع الوقت الخصال التي ترافقه كل حياته، ولو ترك المخلوق الناشئ على هواه، فإنه يتوجه حسبما تتقلب حوله الظروف.
ومنذ فجر التاريخ، تعلمت الأمم والشعوب، كيف تبني المدارس والمعاهد والمؤسسات، من أجل رعاية الأطفال والشباب، ومن أجل توجيههم في المسار الصحيح. ومع الوقت، برز مفكرون وباحثون ومربون ومثقفون وخبراء، وضعوا الأطر والبرامج والنصائح للمجتمعات، كيف توجه أبناءها التوجيه المناسب. وهناك شعوب كانت صارمة وقاسية في توجيهها، فمثلا، يذكر التاريخ أن مملكة اسبرطة في عهد الإغريق، كانت شديدة في تربيتها للنشء الجديد، لدرجة أن كل مولود، كان يعرض لجو قاس، للكشف إذا كان بمقدوره تحمل التربية الصارمة، فكان القوي يستمر في المعيشة، والضعيف يموت. والتاريخ يذكر شعوبا أخرى سخرت كل أبنائها ومقدراتها من أجل الدولة أو النظام، ووجهت عقول أبنائها، حسب أيديولوجيتها ومخططاتها العسكرية. ونحن لا نحبذ هذا التشدد، ولا نقبل هذه الصرامة، ولكننا لا نرضى في نفس الوقت، أن تضيع الأجيال الصاعدة عندنا، لأننا متقاعسون، فلا التشدد يفيد ولا التراخي يفيد.
الوضع الذي نعيشه اليوم، فيه بذور الجهل والضياع والتنكر والانسياب. وأقول بذور فقط، أي أننا ما زلنا في وضع معقول ومقبول، لكننا على وشك أن ننهار، لأن البذور التي ذكرناها حتما ستولد جيلا لا نعرفه ولم نتعود عليه ولا يمكن أن نقبله.
في السابق، لم تكن المدارس متوفرة في قرانا، ولم يتخرج عندنا الأطباء والمهندسون والجامعيون، ولكن المجتمع الدرزي، كان أكثر مجتمع مثقف بارز فخور مصقول واضح المعالم، لأن عملية التربية والتوجيه فيه، كانت ذاتية داخلية، ونابعة من الجذور والأعماق. فقد كانت القرية كلها مدرسة، وكان الديوان جامعة، وكانت الخلوة كلية، وكانت مناسبات الأفراح والأتراح، مراكز جماهيرية للتثقيف والتوجيه والتعليم. فقد تربى الفتى الدرزي على الجد والعمل وممارسة الحياة، عندما اعتمد عليه والده وعمره 8-9 سنوات أن ينقل الحصاد إلى البيدر، أو أن يذهب للعين لينقل الماء على الحمار، أو أن يقطف العنب في موسمه، أو أن يعود مع قطيع الماعز حاملا الجداء الصغار.هذا الولد في نفس السن اليوم، لا يمكن أن تعتمد عليه، حتى في شراء كيس ملح من الدكان. أما في ذلك الوقت، فقد كان كله مسئولية، وكله قدرة على العمل والجد، فكان يستيقظ باكرا مع أهله، ويذهب للحقل، ويعمل طوال النهار بجد ونشاط، مشاهدا في الأراضي المجاورة، زملاءه وأقرانه يعملون بنفس الجدية، فيأكل زوادته مع أهله، حامدا شاكرا، وفي المساء يعود إلى بيته، فيغتسل ويذهب مع والده إلى الديوان، أو إلى مجالس الكبار على قارعة الطريق، يسمع قصص وأخبار وحوادث، تؤثر في شخصيته، وتجعله يتمنى أن يكون أحد الأبطال الذين يتحدثون عنهم.
 وفي تلك الأيام، كثيرا ما كان الجيران من بدو متنقلين أو من قطاع طرق، يحاولون التعدي على البيوت، أو على قطعان الماعز، أو على الكرم، فكان يسمع المنادي يطلب النجدة، ويهب ابن التاسعة والعاشرة، كما يهب ابن الخمسين والستين، ويركضون إلى موقع الحادث، يقاتلون ويدافعون ويعيدون ما سٌلب، ويستمرون في حياتهم كالمعتاد. وكان كل شاب وكل فتى، يرى الدين والتقوى والإيمان في عمامة والده، وفي نقاب والدته، في القمباز الطويل الساتر عند كليهما، وفي التصرف المحتشم، وفي اللباقة وفي اللياقة وفي الحركات المهذبة، وفي نعومة الكلام، وفي الاستعداد الدائم لتقديم كل خدمة لمن يطلبها. هكذا كانت تتم عمليات التثقيف والتوجيه، وهذه جعلت المجتمع الدرزي، القليل العدد، يتحدى كافة المجتمعات، ويثبت وجوده، ويحافظ على كيانه.
واليوم، لم يبق لدينا من كل ما ذكرنا شيئا. نعم وصل طلابنا إلى الجامعات، وتخرجت بناتنا من المعاهد الثانوية والكليات، وأصبح التعليم الإلزامي فرضا موجبا على الجميع. لكننا اكتفينا بجهاز التربية والتعليم الرسمي فقط، واعتقدنا أن بإمكانه، أن يقوم بواجب تثقيف وتوجيه أبنائنا لوحده. فشلنا في ذلك على طول الخط. ولا يهمنا الآن أن نحدد إذا كان الجهاز صالحا أو غير صالح، أو إذا كان برنامج التربية والتعليم مناسبا أو غير مناسب، فحتى لو كان أفضل جهاز تعليم في العالم، وحتى لو حقق أحسن النتائج، وأصبح كل طلابنا جامعيين، فهذا لا يكفي، لأنه بذلك حققنا عملية التعليم الرسمي، أما عملية التوجيه العقائدي، والتربية التوحيدية والثقافة الدرزية، وسلسلة العادات والتقاليد والمبادئ التراثية، فهي بعيدة كل البعد عن الأجيال الصاعدة والنشء الجديد. محاولة تعليم التراث في المدارس لم تنجح، هناك هوة كبيرة بين المتدينين وغير المتدينين. مجتمعنا مفتوح أكثر من اللازم على المجتمعات الأخرى، وعلى وسائل الإعلام والتقنيات الجديدة، التي تنادي كلها بالتحرر والتجرد من القيود، وتبث برامج ومشاهد وأفلام وقضايا بعيدة كل البعد عن تراثنا وعن عاداتنا وأخلاقنا. السوق في دالية الكرمل، وفي يركا وفي قرى أخرى، فيه دخل وربح لبعض العائلات، لكن الظواهر الغير مستحبة، التي يمكن أن يتعرض لها فتى يمر من هناك، تؤثر عليه كثيرا، وتتطلب على الأقل أن تكون عند المسئولين مخططات وبرامج لتحمي عقول النشء الجديد. الحرية الفردية التي نمارسها في عائلاتنا، هي بحد ذاتها إنجاز كبير وتقدم هائل، لكن تنقصنا الروابط العائلية، والخصائص المفضلة التي تجعل من مجتمعنا مكانا يطيب العيش فيه. إن الإنترنت والتلفزيون والفيديو، أصبحت أدوات مسلم بها في أعماق بيوتنا، ونحن ما زلنا نعاملها بلهفة وشوق، لأنها جديدة وممتعة، لكننا لا نعرف ما هي أخطارها، وما هي الأبعاد التي يمكن أن توصلنا إليها. فنحن نسير مع الحياة ولا نفكر كيف نحيى، وفي أي طابع وبأي شكل. كل همنا أن نبني الدار، ونزوج الأولاد، ونقتني السيارة، ونأكل ونشرب. هذه  أمور ضرورية هامة، لكنها عديمة المعنى، لأنها أمور بديهية، يجب أن تكون، وتحقيقها يشعر الإنسان بأنه يقوم بواجبه، لكن الاعتماد عليها فقط، يجعل أن لا فرق بيننا وبين أي مجتمع آخر. هو يبني عمارات عالية، ونحن نبني عمارات عالية. هو يخرّج أطباء ومهندسين ونحن كذلك. إذن فليكن العالم واحد ومكوّن من نوع واحد من الناس. وهناك طبعا من ينادي ويتاجر بذلك. أما نحن فلا يمكن أن نقبل هذا، لأننا طائفة مميزة، ومجموعة لها كيانها وصبغتها وخصالها ومزاياها. ولا يمكن أن نسمح بتذويب شخصيتنا المنفردة لنسير مع بقية العالم.
وكثيرا ما نتهم الرئاسة الروحية والمشايخ، في وجود هذه الهوة الواسعة بين الطرفين. والحقيقة هي أننا نظلمهم، ونتجنى عليهم، ونكتفي بأن نقول إنهم السبب،  فقط لكي نبعد التهمة عنا. الحقيقة أن المسئول عن هذا الوضع، هو كل رب أسرة وكل أم. البيت يعتمد على المدرسة، ويقول هي تربي وهي توجه وهي تصقل الشخصية. المدرسة تعلم فقط القراءة والكتابة ومواضيع أخرى. المدرسة توجه إلى بعض المثاليات من بعيد، لكن ما يحدد شخصية الولد أو البنت هم الأهل.
لقد نما عندنا في العقود الأخيرة جيل ضائع، فمن جهة ترك هذا الجيل نمط المعيشة القديم الذي تحدثنا عنه، ومن جهة ثانية لم يتعلم تعليما عاليا، وإنما انجرف في حقل الملذات، واكتسب كل ظواهر المدنية الزائفة، وخاصة التبذير الهائل في حياة كل أسرة فينا. أنت تجد فتاة من بيت متواضع، كانت بصعوبة تحصل على الزاد في بيتها، وبالكاد كانت تشتري فستانا في السنة، وتراها عندما تخطب وتتزوج، تتحكم بأهل عريسها وتتطلب البيت الكبير والعرس الفخم والسيارة والأثاث الفاخر والسفر إلى الخارج، وتتحكم بزوجها وتخضعه لرغباتها، وترهقه وترهق أهله. وفي نفس الوقت تجد الشاب، يعمل ويجتهد، لكنه يرهق نفسه بالديون لكي يبذر ويعيش في مستوى أكبر من قدرته.وقد استفحل هذا الوضع عندنا لدرجة، أننا بنينا أفخم العمارات والمباني بتمويل من البنوك، ورضخنا تحت طائلة الديون، وأخذنا نقلد الواحد الآخر في الإنفاق وفي التدهور، ونسينا التعليم، ونسينا التواضع، ونسينا القيم والعادات.
هذا كان مصيرنا في العشرين أو ثلاثين سنة الأخيرة.
تعلم غيرنا وسبقونا، فحصلوا على الوظائف ومراكز القوى، وقبعنا نحن في أماكننا، ننعم بالمرسيدس والقرميد والفساتين والبدلات الفخمة، ورؤوسنا فارغة وعقولنا مغلقة، ونعرف فقط كيف نشتكي ونتذمر من التفرقة والإضطهاد والتمييز، ونصرخ أننا مظلومون وأنه يحق لنا أكثر، لكننا يجب أن نلوم فقط أنفسنا وأوضاعنا وتفكيرنا، ولا أحد غيرنا. وكل ما علينا أن نفعله هو أن ننتبه لأنفسنا، وأن نتكيف مع العصر، فاليوم الحياة هي في العلم والتكنولوجيا والتفكير والبحث والجامعة والدراسة والتنقيب والتخصص.وعلى كل إنسان أن يحدد لنفسه سلم الأفضليات في معيشته وفي مصروفه وفي تعامله مع المجتمع.
 ومع كل هذا فالوضع غير ميئوس منه،إذ بدأنا نلاحظ، أنه أخذ ينمو لدينا جيل جديد، يختلف عن الجيل الأخير، هذا الجيل بدأ يفكر جديا بالتعليم والتثقيف والتحصيل الأكاديمي،وهذا التغيير نشأ عن حدوث ثورة إجتماعية مباركة لم ننتبه لها، وهي انطلاق المرأة إلى العمل والتعليم. فعندما بدأت الفتيات بالدراسة الجامعية، وأخذن يحصلن على وظائف، وتزوجن وأنجبن، شعرن بثقل المسؤولية، فعزفن عن الدور الكبيرة، وعن المتطلبات الباهظة، وأخذن بالإهتمام بأطفالهن، فصممن أن تنجب كل واحدة ولدين أو ثلاثة فقط، وأخذن بمنح أولادهن كل ما يتطلبونه من رعاية وتجهيزات للتعليم، وتغير نمط التفكير عندهن.
  وكلي أمل أننا بدأنا مسيرنا في الطريق الصحيح، ونحن نتمنى أن يقوى هذا التيار، وأن يجرف معه غالبية الفتيات في المجتمع.وعندها نصل إلى المرحلة الحرجة في حياتنا، فبعد أن بدأنا نرفع من مستوى أفرادنا العلمي، يظل واجبنا هو المباشرة بعملية التوجيه المعنوي الذي نريده، وهنا يتطلب من الرئاسة الروحية، وجهاز التعليم الدرزي في وزارة المعارف، والمجالس المحلية الدرزية، والمؤسسات الشعبية والثقافية، وروابط الأدباء والمثقفين، وكل من يهمه أن يكون لنا كيان مذهبي عقلاني متقدم ، على كل هؤلاء، تنسيق الجهود، للوصول إلى الغاية المطلوبة، وتحقيق الهدف المنشود. فإذا حصلنا على الثقافة المطلوبة عند غالبية أبنائنا وبناتنا، وإذا وفرنا الإمكانيات اللازمة لتوجيههم التوجيه المطلوب، ساعتها نهدأ ونطمئن، ان مستقبلنا مضمون، بإذن الله، لأننا نكون قد أثبتنا، أنه لدينا العقل الكافي، ولدينا العلم الكافي، ولا يهمنا ما هو بينهما أكبر.فقد قيل إنه اجتمع ابن المقفع مع الخليل بن أحمد، وكلاهما من نوابغ العرب، وتباحثا ليلة. ولما سئل الخليل عن ابن المقفع، قال علمه أكبر من عقله، وسئل ابن المقفع عن الخليل، فقال عقله أكبر من علمه،  ونحن حتى الآن لا ندري ما هو أهم.        


والله ولي التوفيق..

سميح ناطور

دالية الكرمل
شباط - آذار
 2008

 
 
 
التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2019 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.