spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 117
نشــاطــات طائفية
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 148
العدد 147
العدد 146
العدد 145
العدد 144


 
المرحوم الشيخ أبو جهاد إسماعيل قبلان طباعة ارسال لصديق

انتقل إلى رحمته تعالى، في أواخر السنة الماضية، المرحوم الشيخ أبو جهاد إسماعيل قبلان، عن عمر يناهز الثانية والثمانين عاما. وقد شيع جثمانه، بمحفل كبير، في قرية عسفيا، بحضور مشايخ البلاد وأعيانها، وممثلي الوزارات والشرطة والجيش، والمؤسسات الأمنية التي عمل فيها أثناء حياته. وقد ووري جثمانه التراب في المقبرة في قرية عسفيا، هذه القرية، التي احتضنت الشاب إسماعيل، حينما قدِم من جبل الدروز إلى هذه البلاد، وكل همّه وكل أهدافه وكل مشاغله، هي أن يقوم بحماية السكان الدروز في هذه الديار، بعد أن وصلت إشاعات إلى جبل الدروز تقول، إن سكان هذه البلاد في خطر.
وُلد المرحوم أبو جهاد، عام 1925 بالقرب من قرية هُويّة في جبل الدروز. وكان مسقط رأسه، مغارة مظلمة، التجأت إليها والدته، كي تحمي نفسها وأبناء عائلتها، من الغارات الفرنسية الغاشمة، التي كانت تشنها قوات الانتداب الفرنسي على سوريا، ضد المواطنين الدروز. وفي تلك السنة عام 1925 وفي تلك الأيام، أعلن القائد الأسطوري، سلطان باشا الأطرش، الثورة السورية الكبرى ضد الانتداب الفرنسي، الذي طارد المواطنين، ولاحقهم، وتعدى عليهم. وقد هبّ شباب الجبل وفتيانه، ولبّوا نداء سلطان، وانضموا إلى الثورة من أجل حماية الأرض والعرض والدين والمجتمع. وكان من بين المقاتلين، والد إسماعيل وأقاربه. وقد عُرفت قريتهم، الهُويّة، بالبسالة والشجاعة والقتال العنيف، فأصبحت هدفاً للطائرات الحربية الفرنسية، تقذف عليها حممها، لتخمد صوت الحق، وصوت الثورة. وهكذا لجأت أم إسماعيل إلى المغارة، تنتظر فيها الفرج، بميلاد ثائر جديد، ومقاتل جديد، وفارس مقدام، وكأن الغارات والصواريخ والقذائف والإنفجارات التي سمعها إسماعيل، وهو في بطن أمه، هيّأته وأعدّته، ليقضي كل حياته فيما بعد، مقاتلا، مدافعا، محارباً، من أجل الطائفة والكرامة والأهل.
 نشأ إسماعيل في ظل الثورة السورية المجيدة، وتحمّل كل مشقاتها وأعبائها، من حيث الويلات والأخطار والتنقل المستمر وعدم الراحة، وما زاده ذلك إلا قوة وصلابة وعزيمة وثباتا وشجاعة ودراية. ولما بلغ ونشأ وأصبح يافعاً، وكانت دماء الثورة والقتال تسري في دمه، انضم إلى صفوف الجيش السوري، جيش وطنه الذي أحبه، وأراد أن يخدمه، فبرزت مواهبه العسكرية بسرعة، وتبيّن أنه أهل للقيادة، فتخرّج بسرعة وبنجاح فائق، من دورة للضباط، وأصبح ضابطاً قائداً، وحارب ضمن الكتيبة الدرزية في جبهات مختلفة، أثناء الحرب العالمية الثانية، الشديدة الشراسة.
وفي عام 1948، اكفهر الجو السياسي في بلادنا، وظهرت بوادر الحرب بين العرب واليهود، ووصلت إشاعات إلى جبل الدروز، تقول إن دروز هذه البلاد في خطر، وحياتهم مهددة، وأوضاعهم قلقة. فتشكلت كتيبة مقاتلة، بقيادة القائد شكيب وهاب، ضمن جيش الإنقاذ العربي، وصلت إلى البلاد، لكي تشارك في الحرب، وهدفها هو حماية وإنقاذ الدروز المحليين. وكان إسماعيل أحد ضباطها المتحمسين، المتشجعين للقتال والمعركة، والذود عن الإخوان. وقد وصلت الكتيبة إلى ضواحي مدينة شفاعمرو،التي اتخذها مقرا لها ولقيادتها، واشتبكت في معركة ضارية ضد القوات الإسرائيلية، هذه المعركة المعروفة بمعركة هوشة والكساير،أو معركة رمات يوحانان وانتصر فيها الدروز، وذاع صيتهم، خاصة وقد قُتل في هذه المعركة، أحد كبار المحاربين اليهود، وهو زورك ديان، أخو الجنرال موشيه ديان. وبعد التحقيق والتنقيب، توضّح لأعضاء الكتيبة الدرزية، أن الدروز هنا ليسوا في خطر من اليهود، وأن الأوضاع السياسية والأمنية، ليست كما سمعوا وتوقعوا، وأن هناك عوامل وعناصر وظواهر، لا تتعلق بالقتال فحسب، بل هناك أمور كثيرة أخرى، تجري في المنطقة، والقتال لا يؤثر عليها، لذلك قررت قيادة الكتيبة، الرجوع إلى البلاد، وفك الكتيبة. وهكذا كان، لكن بعض الضباط والجنود من أعضاء الكتيبة، فضلوا البقاء بين إخوانهم الدروز في هذه البلاد، يعملون معهم، ويسكنون بينهم، ويتصرفون كما تتصرف الأغلبية. وقد رحّب سكان البلاد الدروز، بإخوانهم الشباب، الذين تركوا بيوتهم وبلادهم، ليظلوا هنا، لمساعدة وحماية إخوانهم. وبعدما قامت دولة إسرائيل، وقرر زعماء الطائفة الوقوف إلى جانبها، والتجنّد في صفوفها، وعدم ترك البلاد كلاجئين، انضم إسماعيل كذلك إلى إخوانه، شباب البلاد، والتحق بالجيش، وخدم في الوحدة الدرزية. وبكونه ضابط مجرب ومتمرّن، فقد شق طريقه، وتقدم في سلم الدرجات، وانتقل بعد ذلك إلى حرس الحدود، وخدم فيه، مشتركا بالمعارك والحروب التي وقعت، مظهراً المسؤولية والدقة في القيام بواجبه، فعمل كل ما يناسب ويلائم مصالح الطائفة والدولة. ولما قامت حرب الأيام الستة، كان من الضباط المتواجدين في هضبة الجولان، وكان من بين أولائك الذين عملوا على حماية الإخوان في قرى الهضبة، وبقائهم في بيوتهم، وعلى أراضيهم، وبين خلواتهم.
 وفي عام 1982، وبعدما دخل الجيش الإسرائيلي إلى لبنان، دعي أبو جهاد، وعُين حاكما عسكريا في منطقة حاصبيا، وكان له الشرف الكبير، أن يحافظ من موقعه العسكري، على خلوات البياضة، ومشايخ الدين في المنطقة، وجميع أبناء الطائفة في تلك الأيام والمناطق العاصفة. وقد كانت لأبي جهاد، مواقف بطولية هامة أثناء حياته، وأعمال مشرفة من أجل طائفته ومن أجل دولته.
وقد توّج حياته، بالتحاقه في السنوات الأخيرة، بصفوف الدين، فكان من البارزين بين مشايخ الطائفة ووجهائها، يشترك في كافة المناسبات، ويشارك أبناء بلدته وطائفته ومجتمعه، مناسباتهم ويقدم ما باستطاعته أن يقدمه.
هذه سطور قصيرة عن حياة المرحوم بصورة عامة، وسيتم قريبا إن شاء الله، إصدار كتاب شامل عن سيرة حياته. 
 
 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2019 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.