spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 3
كتاب "عمدة العارفين " للأشرفاني
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 136
العدد 135
العدد 134
العدد 133
العدد 132


 
ارأفوا بحالكم.. أرفقوا بأهاليكم.. طباعة ارسال لصديق

لا تكاد تجف دموعنا، بعد أن نودّع شاباً يافعاً وسيما جميلا، نواريه التراب،
فننظر بأسى وحزن إلى إخوته وأهله المتألمين،
نبكي معهم، نواسيهم، نشجعهم، ونطلب منهم الصبر والاحتمال،
نكبت الألم في صدورنا، ونعود من المقبرة ونقول
ربما كانت هذه آخر الوفيات المؤلمة، في مسلسل الرعب المنتشر على طرقاتنا.
لا تكاد تجف دموعنا،
حتى نفاجأ ونسمع بحدث آخر أصعب وأشد وأقسى من قبله، وننظر إلى مكان أهل الفقيد في المقبرة، ونجد عائلة أخرى مطأطئة الرؤوس، دامعة العيون، كسيرة القلوب، تذوب حسرة وحزنا على من فقدت،
 ومرة أخرى، نكبت الألم في صدورنا و...
وأنتم، أيتها الأزهار الجميلة، أيتها الشموس المشرقة، أيتها الأرواح النبيلة،
تعتقدون أن لا أهمية لكم، وأن لا أحد يفكر فيكم، وأن الأهل والأقارب غير مكترثين، وعير عابئين بكم، وبما يحدث لكم...
أنتم مخطئون.
فعندما حُمل نعش واحدكم، بكت عليه كل القرية وليس فقط الأقارب والأهالي.
وعندما ووري الجثمان التراب، تأسفت عليه كل الجموع، وليس فقط من يعرفه ويمتّ إليه بصلة.
اعلموا أننا مجتمع، كل ثروته هي الشباب، وأنتم أسياد الشباب، ونحن في أحلامنا وفي مخططاتنا، نطمئن ونقول، إن هناك جيلا جديدا عملاقا ينشأ بيننا، فنستبشر بكم خيرا، ونضع كل تطلعاتنا في سواعدكم وفي عقولكم، ونمني أنفسنا، أننا يمكن أن ننام مطمئنين، أو نترك هذه الدنيا، ونحن على ثقة، أنكم ستقودون المجتمع.
قبل سنوات، عندما كانت القرية تعيش من البيدر وإلى البيدر، وعندما كان السكان يترقبون موسم التفاح، وموسم التين، وليالي الصيف في الحقول البعيدة، كان الشباب في جيلكم، أبناء العشرين، هم عماد المجتمع، هم الذين يزرعون، ويحصدون، ويجنون الثمار، ويقلبون الأرض، ويستخرجون منها الزرع والثمر. وهم الذين، إذا نادى المنادي، وطلب الإغاثة والمعونة، ينهضون في لمح البصر ويدافعون عن الأهل والبيت والكرامة.
واليوم، تغيّرت الظروف، وبدل البيدر والبستان، لدينا المكتب والمتجر والمصنع، وبدل أن تعمل السواعد والأرجل، تعمل وتجتهد العقول، وأمنياتنا هي، أن نراكم تملأون الجامعات، ومعاهد العلم، ودورات الضباط وكبريات الشركات.
ونحن دائما نعتز بكل خريج وكل خريجة، وكل ضابط، وكل عامل متفوق، وكل إداري ناجح، وكل مستقل، شق طريقه، وبنى له صرحا في المجتمع.
نعم، هؤلاء أنتم، أبناء العشرينات، تقودون المجتمع، وترفعون من مستواه، وتسيرون به إلى أماكن أفضل وأوضاع أحسن.
ونستفيق من أحلامنا، على صوت صرير عجلات لشاب متهور، وننظر حولنا ونقول الحمد لله لم يحدث شيئا.
حتى ونحن عائدون من مقبرة القرية، بعد أن ووري جثمان أحد الشباب التراب، وجو من الأسى والحزن يخيم على القرية، حتى ونحن عائدون سيرا على الأقدام، نصطدم ببعض منكم، يسابقون الريح، ويتهورون في سرعة جنونية، وكأن شيئا لم يكن. وهم بأنفسهم عائدون من نفس الجنازة. هكذا، لا درس، ولا عبرة، ولا موعظة.
ونقول بأسى، إنهم أفراد قلائل، والأغلبية، والحمد لله، هي عادة عاقلة، رزينة، حكيمة، معتدلة.
نمر في مركز القرية، ونصطدم بشباب في سيارتين، الواحد مقابل الآخر، يتحدثان وكأن كل العالم هو ملكهما، وكأن الشارع حصلا عليه بالوراثة. وإذا جرؤ أحدهم، وأشار لهما بالسير، ينزل أحد هؤلاء، كعنترة بن شداد، وكشمشون الجبار، ويهدد ويتوعد ذلك المسكين.
أنتم حسرة في مماتكم، وأنتم أحيانا مشكلة في حياتكم.
قبل سنوات، كان معظم سكان كل قرية، يمشون على الأقدام، من جهة إلى جهة، يتحدثون بهدوء وبرزانة، وإذا أراد أحدهم أن يذهب إلى مكان ما في القرية، يمشي وهو يحيي هذا ويحيي ذاك، وتشعر بالإلفة والود في أرجاء القرية. وجاءت السيارات، وأصبح في كل بيت أكثر من سيارة، وظل الجيل المتقدم مؤدبا، يراعي ويهتم ويحسب حساب الآخرين.
أما أنتم أيها الشباب، فلا يمكن إلا أن تقفوا على بعد متر من المصرف، إو البريد، أو المطعم، أو أي مؤسسة في الشارع العام، وكأنه حرمت عليكم الشرائع السماوية، أن تسيروا بضع خطوات، تنزلون من السيارة بعنف، وتتصرفون وكأنكم أسياد الموقف، وإذا تباطأ أحد أمامكم، تصفرون بغضب وبشدة، وتقطعون سيارته، وشفاهكم تلهج بالسباب والشتائم. وكثيرا ما نراكم تسابقون الريح، وتتصرفون بشراسة، وتفعلون كل شيء بعكس المنطق والعادات والمتبع والمقبول.
وهنا أود أن أقول لكل أولائك المتشددين والمتعجرفين والأبطال بينكم كلمة واحدة.
لقد أجمع علماء الاجتماع، أن الإنسان، إذا كان متشددا قاسيا في تصرفاته مع الناس، فإنه يفعل ذلك، لأنه يشعر بنقص أو عجز في قواه الجسمانية أو الشخصية.  وكلما كان الإنسان هادئا متزنا ورقيقا في معاملته، يعني ذلك أنه واثق من نفسه، ومن قواه، ومن رجولته، وأنه لا يعاني من أي نقص، فلا يرفع صوته، ولا يتصرف بشراسة، ولا يعامل بعنف. وعندما نرى واحدا منكم يتصرف بشدة، نتأكد ونقول، إنه مسكين، وعليه أن يعالج نفسه، لأنه كلما اشتد عنفه، كلما كان شعوره بالنقص أكثر. فإذا كنتم تفكرون أن الرجولة، والفحولة، والقوة، والهيمنة، هي في التسلط على الآخرين، اعلموا أن هذه بالضبط، هي نقطة الضعف عندكم.
أيها الشباب، كلنا نحبكم، وكلنا يريد أن تنجحوا، وأن تتقدموا، وأن تستمتعوا بحياتكم، فإذا اعتلى أحدكم سيارته، وإذا جلس وراء المقود، فليفكر أن له أهل يحبونه وينتظرونه في البيت، وليعلم أنه ليس هو الوحيد الموجود في هذا الكون، وأن هناك غيره أعداد كبيرة من الناس، لها الحق في الشارع، وفي الساحة، وفي المركز، وفي كل مكان، مثل الحق الذي يمتلكه هو. ومع أننا قوم مؤمنون، وبالنسبة لنا، القضاء والقدر هو فوق كل شيء، مع كل هذا نقول لكم، ارأفوا بحالكم، أرفقوا بأهاليكم، اهتموا بمن حولكم، وتعاملوا باللين والحسنى، مع من تصادفونهم في الشارع، واتركوا أثراً طيباً، وذكرى جميلة، حتى ولو كُتب على إنسان أن يفارق هذه الحياة.
وتأكدوا أن القبور مليئة بمئات الأبطال، والشباب، والأشخاص، الذين اعتقدوا أنهم هم وحدهم وليس غيرهم، يعيشون  في هذا الكون، وأن لا بديل لهم بعدما يغيبون.


سميح ناطور
 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2017 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.