spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 132
التعددية هي رسالة سيدنا الخضر (ع)
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 133
العدد 132
العدد 131
العدد 130
العدد 129


 
إلى الأخـت أم رامـي.. وإلى كل أخت، فقدت غالياً عليها! طباعة ارسال لصديق

 
أحيانا، تعجز اللغة العربية، عن إيجاد الكلمات المناسبة، للتعبير عن موقف رهيب، يتعدى كل تصور، ويجتاز كل تفكير.
وأحيانا، تخرس الألسن، وتجف الكلمات، ويتجمد التفكير، أمام عظمة الموت، وأمام تحكم القدر، وأمام جبروت المصير.
وأحيانا تتقزم كل المعاني، والجمل، والتعابير، أمام دمعة أم، وزفرة إبنة، ولوعة أخت.
نعم فجأة يتوقف الزمن، وتفقد الحياة كل معانيها، ويجثم على النفس، كابوس الحدث الهائل.
أجل
أيتها الأخت الكريمة،
قالوا مات رامي،
قتل في حادث طرق.
صعق الجميع، وذهل السامعون، ووجم الكل، وكادت الأنفاس أن تتوقف من هول المفاجأة، ومن ثقل المأساة، ومن مرارة التغيير.
هذا هو الموت، إعصار هائل، يجتاح كيان الإنسان، ويقلب كل شيء، رأسا على عقب.
ذهلنا وصدمنا وبكينا
وعدنا خمسة وعشرين سنة إلى الوراء
نفس الموقف الرهيب
نفس الحدث الأليم
نفس الصدمة
قالوا مات أبو رامي
قتل في حادث صور
وصعق الجميع وذهل السامعون...
وبين هذا الموقف وذاك الموقف، وقفت أنت، يا أم رامي، وقفة الأبطال، وبجانبك أبناؤك وأهلك والمعارف والأصدقاء،
وصممت أن تتغلبي، وأن تدفعي بأبنائك إلى الأمام وأن لا تنهاري،
ووقفنا نشد أزرك، نرقبك، ونحترمك، ونعتز بك
وشاركت عشرات الأمهات اللاتي فقدن فلذات أكبادهن،
في الجيش
في حادث طرق
في مرض
في إصابة عمل
لا أهمية للسبب، فالموت واحد، هكذا يقولون
فعندما يغيب الإبن الأعز، لهذا السبب أو ذاك،تتغير كل المفاهيم.
وأنت ، أيتها الأخت المحترمة، دق الموت بابك مرتين
وكما رأيناك تصمدين في المرة الأولى
نأمل أن نراك تصمدين في المرة الثانية
لسبب واحد، هو أن الله، سبحانه وتعالى، اختارك أنت ليمرر عن طريقك، رسالة إلى كل المؤمنين، وهي أن مسيرة الإنسان في هذا الكون، فيها الموت والحياة، فيها الولادة والفراق، فيها الحزن والفرح، وفيها السعادة والأسى، وعلى الإنسان أن يسعد ويفرح ويبتهج، وأن لا ينسى أن هناك وجها آخر للحياة، هو الموت والفراق. والله، سبحانه وتعالى ، يختار الأناس الذين يحبهم، والذين يرى أن لهم منزلة عند البشر، لكي يوصل رسالته هذه إلى الجميع.
وأنت أيتها الأخت التي حباها الله برعايته، تأكدي أن الله لن ينساك، فهو عادل حكيم رحيم، يعوض ويواسي ويمنح، كل شيء في وقته، وكل شيء بمقدار، وما علينا إلا أن نسلم ونصبر.
واعلمن يا أم رامي، ويا أم حسين، ويا أم نضال ويا أم تمير، ويا أم قفطان، ويا أم كرمل، ويا أم صافي ويا أم بلال، ويا أم نسيب، ويا أم نهاد...
ولتعلم كل أخت فاضلة وصلها الخبر المؤلم،
أن الحياة عادة، مليئة بالمصائب والكوارث والمحن
وأن الموت هو أهون المصائب
ولتنظر كل واحدة منكن حولها، وتتفقد مصائب الآخرين، ستجد أن مصيبتها هي الأهون،
فهناك المخدرات، والإعاقة، والشلل، والفضيحة، والجنون، والتهجير وغيرها من كوارث الحياة،
وأمام هذه المصائب،
أنت الوحيدة التي تحظى بالرعاية، والتأييد، والاهتمام، والمشاركة، والتعاطف من الجميع، بينما يكون نصيب الأخريات المقاطعة، واللوم، والعتب، والتأنيب والتوبيخ.
وإذا كان لا بد من مصيبة، وكل بيت معرض لوقوعها، فحبذا الموت!!
لأن الله سبحانه وتعالى، يقول لك، ويقول للملأ،
إن الموت هو حكم من الله، ولا دخل للمرء في وقوعه أو عدم وقوعه،
أما الحوادث الأخرى، فهي ليست كذلك، والفرق بين الأمرين كبير وكبير،
لذلك عززي إيمانك بالله، أيتها الأخت الكريمة، ولتكن ثقتك به كبيرة، لأن المصيبة التي تعتقدين أنها حلت بك، يتمناها كثيرون غيرك، ويقولون  "ليته مات ولم يفعل هذا أو ذاك"، ونحن طبعا، لا نقر بذلك، ولا نقبل ذلك، لأن الله، ولحكمة كبيرة لا نعرف كنهها، يوزع على عبيده، كل أنواع الحوادث، المسرة وغير المسرة، ويتوقع من الجميع أن يتقبلوها، فلا يبالغ المسرور بسروره، ولا يفقد المحزون صوابه.
ونحن نقول لك، أيتها الأخت الحزينة،
احزني على ولدك، واذرفي الدمع، وليحزن معك كل أفراد الأسرة، والمعارف، والأصدقاء، والمقربون، ففي البكاء تنفيس للنفس، وتبريد للجرح، ومواساة للضمير.
لكن علينا جميعا، أن نتمالك أعصابنا، وأن نتحكم بأفعالنا، وأن نحمد الله، سبحانه وتعالى، في كل الحالات، لأنه أكبر من أن يرى أحدا منا عدوا له، وأسمى من أن ينتقم، أو يثقل على أحد، إلا إذا كان في ذلك حكمة ما، يعرفها الإنسان ويكتشفها بعد حين. فكثيرا ما نغضب، أو نتضايق، عندما لا يتدبر أمر، كنا نريده أن يتدبر، لكن تمر فترة، وتحدث تطورات، تجعلنا نقول، الحمد لله، أن ذلك الأمر الذي كنا نريده أن يحصل، لم يحصل، فالله سبحانه وتعالى يرى الصورة بأكملها، وهو مطلع على كل السرائر في النفوس، وهو خالق كل شيء، وعالم بكل شيء، ونحن نظل دائما، أمامه، مجرد إخوان وأخوات صغار، صغار،  نقر بوحدانيته، وبملكوته، وبجبروته، لأنه هو هو الواحد الأحد، وهو على كل شيء قدير، وإنا لله وإنا إليه راجعون. 

سميح ناطور



ملاحظة: ام رامي هي السيدة لويزة حديد من دالية الكرمل، قريبة العائلة، فقدت زوجها في حادث صور عام 1982 وابنها في حادث طرق في تاريخ 9.1.2008.
 
 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2017 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.