spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 136
كلمة العدد: أجاويدنا، وما وراء الطبيعة
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 153
العدد 152
العدد 151
العدد 150
العدد 149


 
ذكريات من المدرسة الثانوية: صدى الأيام طباعة ارسال لصديق
بقلم السيدة سلمى قاسم فلاح

دُهشت أثناء احتفالنا  بعيد الأضحى المبارك، مما رأيته وسمعته، عما يفعله الأولاد، من رمي قنابل دخانية، وصواريخ مزعجة، على البيوت، وحتى على المعابد، وهم متحمسون، وكأنهم يتسلون ويمرحون، وهم بذلك يتعدّون على حرمة الغير. استفسرت عن هوياتهم، وعلمت أنهم طلاب في الصفوف الإعدادية والثانوية، ومن بينهم من هم أكبر سناً. دهشت مما وصلت إليه أوضاع أبنائنا اليوم، وهل التقدم الحضاري، وسعة العيش وسهولة الحصول على ما يطلبه هؤلاء الأولاد، يجعلهم يشذون عن سواء السبيل !
أخذت أتذكر أيام كنت في سنهم. لم تكن مدارس ثانوية في أكثر القرى. كانت مدرسة عربية في الناصرة، وفي كفر ياسيف، وفي ترشيحا. وفي الرامة بدأ مدير المدرسة يومها، بافتتاح صف تاسع، بعدها عاشر، حتى أصبحت مدرسة ثانوية كاملة في القرية.
كان التعليم الثانوي يتطلب أقساط مالية، لهذا كان الذين أهلهم لا يستطيعون دفع أجرة التعليم الثانوي، لا يلتحقون بالمدرسة الثانوية، ولذلك كان قسم كبير لا يهتم بالتعليم، ويكتفون بإنهاء الصف الثامن وربما قبل ذلك.
كانت المدرسة الثانوية موجودة في غرف مستأجرة. كنا نذهب إلى المدرسة مشيا على الأقدام، نصبّح على من نجده في طريقنا، نسير مع أصدقائنا، الذين نقابلهم على جانب الطريق، لنفتح طريقا لغيرنا، نتحدث بصوت منخفض، نستعرض المواد التي تعلمناها في اليوم السابق، وحلول الواجبات المدرسية.
عندما نصل إلى المدرسة، ندخل إلى الصفوف، بعد أن نسمع موعظة من مدير المدرسة، عن الأخلاق الحميدة، ندخل إلى الصفوف، وقد حضّر الجميع واجباته المدرسية، نصغي إلى ما يشرحه المعلم من الدروس، ونحن ننظر ونصغي إليه باحترام وتقدير، ونستفسر عما لم نفهمه.
لم تكن يومها كتب دراسية لجميع المواد، كان المعلم يحضر المادة المطلوبة في البيت، وينسخها بعد أن يجمعها بيده على دفاتر، يشرحها لنا في الحصة المخصصة، بعدها ينسخها على اللوح، أو يمليها علينا. فقد كنا نخصص دفترا للمادة لكل موضوع، وآخر للواجبات، نساعد الزملاء الذين لم يتمكنوا من نسخ المادة، ونوضح لهم ما لم يفهموه من المعلم.
وبعد اليوم الدراسي، كان بعض مربي الصفوف، يجمعون طلابهم لبعض الوقت، بعضهم كان يجعلهم يعملون واجباتهم المدرسية، الآخرون يمرنونهم على تمثيل رواية لعرضها في حفلة آخر السنة أمام أهاليهم. والبعض الآخر، يقيم بينهم محاورة شعرية، تحثهم على حفظ الشعر، وعلى تمرين ذاكرتهم على الحفظ وخزن المعلومات، فيقول أحدهم بيتا من الشعر، ويقول غيره بيتا آخر، يبدأ بآخر حرف من البيت الذي قيل أمامه، وإن لم يعرف يخرج من المباراة.
وبعد اليوم الدراسي، نرجع إلى بيوتنا، ندخلها بهدوء، نحيي الموجودين، نغير ثياب المدرسة ونغتسل، بعدها نساعد في إعداد الطعام وغسل الأواني، بعدها نعمل واجباتنا المدرسية، نقرأ المادة أولا ونعد الوظائف. ربما نذهب لزيارة الأصدقاء أو الأقارب أو نستقبلهم عندنا. في المساء كنا نقرأ الروايات والكتب المفيدة، لكبار الأدباء، مثل جورجي زيدان، جبران خليل جبران، يوسف السباعي، طه حسين، زكي مبارك وغيرهم، ونحفظ القصائد لكبار الشعراء، إيليا أبو ماضي، أحمد شوقي، حافظ إبراهيم وغيرهم. نطالع كتبا عالمية مترجمة، مثل الإلياذة والأوديسة، جمهورية أفلاطون وغيرها، فنعرف تاريخ من سبقنا، نستفيد من تجاربهم، نقتدي بالمفيد منها، ونبتعد عما يضر، فنقوي ذاكرتنا، ونملأ أوقات الفراغ بما يفيدنا، ونقوي لغتنا. نطالع حياة العظماء، مثل الإسكندر المقدوني وغاندي وغيرهم.
في العطل الأسبوعية، كنا نساعد أهلنا في أعمال البيت، وإحضار الماء من العيون، وفي العطل المدرسية، نساعدهم في الأعمال الزراعية، كجمع الزيتون في عطلة الشتاء، والحصاد وقطف التين والعنب في الصيف.
وفي الأعياد، كنا نساعد في تحضير لوازم العيد، ونقوم باستقبال الأقارب والزوار، ونذهب لمعايدتهم أيضاً.
كنا ننظم أوقاتنا ونملأها بما يفيدنا ويفيد مجتمعنا، وأنا أتمنى من أبنائنا اليوم، أن ينظموا أوقاتهم، وأن يعرفوا طريقهم، وأن يملأوا حياتهم، بما يضمن لهم مستقبلا زاهرا، ولبلدتهم أبناء تعتز بهم. 
   


السيدة سلمى قاسم فلاح
أول مديرة مدرسة درزية في إسرائيل. زوجة القاضي فارس فلاح، ولدت في قرية الرامة وتعلمت في مدرستها الإبتدائية والثانوية، وعينت أول مديرة مدرسة إبتدائية درزية وذلك في قرية المغار. وعندما تزوجت من المحامي آنذاك السيد فارس فلاح، انتقلت من المغار للسكن في عكا فتركت إدارة المدرسة وعينت مُدرسة في عكا. نشرت عددا من الكتب حول الطائفة الدرزية.

 
 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2020 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.