spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 20
الشيخ إبراهيم الهجري
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 137
العدد 136
العدد 135
العدد 134
العدد 133


 
نساء بارزات: الأميرة خولة جنبلاط أرسلان طباعة ارسال لصديق
أميرة لبنانية معاصرة ورئيسة لجنة سيدات بيت اليتيم الدرزي

إعداد: الأستاذ يوسف السيد أحمد -مجدل شمس –  الجولان


 
المرأة في مجتمعنا التوحيدي، هي نصف المجتمع، ولها في كلِّ بيئة وزمن دور رئيسي فيه، تتصف بمزايا معينة تساعدها على القيام بهذا الدور، فالدين يسمح لها، والمجتمع يعطيها الحق في مساندة زوجها ومكاتفته في السرَّاء والضرَّاء، وتعاضد إخوتها وذويها بكل ما تملك، فتشد أزر الرجل، وتتحمل الأعباء معه ومن بعده. فهي في البيت مربية صالحة تنشئ أبناءها على الإيمان والاحترام ومحبة الآخرين، منطلقة من سجاياها الحميدة التي استمدتها من دينها وما تلقنته من فضائل.
لقد عَنِيَ الإمامُ الأعظم بالنساء، ولم يميِّز الرجل عنهنَّ في شيء من لباب الحياة، وخاصة في ما يتعلق بتحصيل العلوم الروحانية. لقد استنَّ لهنَّ طرائق تمهد أمامهن السبل، للوصول إلى مناهل المعرفة، حيث تستوعب الألباب منها كل المناقب التي تجمِّل بها المرأة نفسها، أمام ربِّها وعائلتها ومجتمعها.
أولى المتطلبات: الاعتصام بالفضائل التي نوَّهت الرسائل عنها، والرضى والتسليم لحكم الله، في كل الأمور التي تتعدَّى طاقتها العقلية أو الجسدية.
وانطلقت المرأة، وانطلق الرجل، وكان المجتمع التوحيدي بخصائصه المميزة عبر تلك القرون.
ومن هذا المنطلق أريد أن أحدثكم عن سيدة من سيدات هذا المجتمع، نشأت في بيت عريق وأصبحت سيدةَ بيتٍ عريق آخر.
إنَّها الأميرة خولة جنبلاط أرسلان، ابنة رشيد داود جنبلاط، الفرع الثاني لعائلة جنبلاط اللبنانية، وهم يسكنون بلدة البرامية قرب مدينة صيدا الجنوبية، والتي تلفها رائحة زهر الليمون من كل جانب، ترعرعت هذه الأميرة بين أحضان القرية الجميلة بين أربعة أخوة وهي الإبنة الوحيدة، تبلورت برفقتهم شخصيتها، كانت والدتها من نفس العائلة وهي "أسمى محمد جنبلاط"، عاملتها بشيء من الدلال الذي لم يزدها إلا تواضعاً أكثر ووعياً للمسؤوليات التي تنتظرها.
تعلمت في مدرسة راهبات عبرين في الأشرفية ببيروت، ثم انتقلت إلى راهبات البنرتسون.
لم يمهلها كثيرا الأمير مجيد أرسلان، أحد أبطال الاستقلال اللبناني،كي تنضج وتكمل تعليمها، فقد أعجب بها كثيراً لرجاحة عقلها، وجمالها الفتَّان، فقد خطبها من والدها، وحين طلب والدها منه أن يتريث سنة أو سنتين لتكمل تعليمها العالي، أجابه بظرفه المعروف: "سأعطيها أفضل وأكبر الشهادات في بيتي". وزفَّت إليه في العام 1956 حيث كان لها الزوج المحب العطوف والأخ والصديق، فعرف كيف يرعاها بمحبة وحكمة، وما لبثت في تلك السن المبكرة، أن أصبحت سيدة القصر، ذي التقاليد العريقة، يساعدها في ذلك ما تربت عليه من تقاليد كريمة منذ صغرها.
إنَّها الآن سيدة قصر خلدة، سيدة لآل أرسلان، ووالدة الأمير الزعيم طلال أرسلان، إضافة إلى كريماتها الثلاثة: زينة – وريما – ونجوى.
تقول عنها الكاتبة ناديا نويهض في كتابها (نساء من بلادي):
"هي من أهل العنفوان نسباً، من أهل الحكمة مسلكاً، من أهل الجمال صورة، جمال صورتها مرآة لأعماقها المفعمة بالطيبة والحنان، تتجلى واضحة في قسماتها، لا تبالغ في زينتها، على ذوق رفيع في اختيار الألوان الهادئة التي تتناسب وشخصيتها، لكأنها واثقة من أن جمالها الحقيقي يكمن في بساطتها، في صدقها وذكائها ودقتها المتناهية في اختيار الأشياء ووضع كل منها في موضعه الطبيعي والملائم لها".
لقد وهب الله هذه الأميرة كل الصفات المطلوبة لتكون أميرة وقائدة من الدرجة الأولى، إضافة إلى الجمال والذكاء والحسب والنسب، لكنها لم تكتفِ بذلك بل حفظت تعليمات والدها الذي كان له الفضل الأول عليها كما تقول: "كان مثلي الأعلى، كان عصامياً شجاعاً كريماً وقد خصَّني بمحبة غامرة، وقبل انتقالي إلى بيت الزوجية، دعاني إليه  وأجلسني قربه وكان معه يومها صديقه ورفيقه أمين بك خضر. وقال لي: أنا يا ابنتي رجل مسن، ربما أفارق هذه الدنيا قريباً، وهذا أمر طبيعي بالنسبة لكل حي، فلا تحزني واعلمي، أن لك أباً ثانياً من بعدي ، مشيراً إلى صديقه، تعودين إلى عمك أمين كلما واجهتك الصعوبات".
وعندما رأى محبة الناس لها خاف أن يتملكها الغرور، فقال لها: "هل رأيت كم يحبك الناس، عليك أن تبادليهم الحب وتضحي من أجلهم وتستقبليهم وتصغي إليهم وتشاركيهم همومهم، إياك والغرور والكبرياء، واعلمي أن سنبلة القمح المليئة بالجنى دائماً حانية الرأس، أما الفارغة فإنها تشمخ برأسها، ولكن سرعان ما تأتي عليها العواصف فتقتلعها من جذورها. فلا تصعِّري خداً، واخفضي جناح المحبة والتواضع يحبك الناس وتكونين موضع ثقتهم واحترامهم". بهذه الكلمات ودعني أبي وسأظل أذكرها وأعمل بها طيلة حياتي.
وكانت الأميرة خولة ولا تزال محط أنظار الناس، ومرجعهم الكبير خاصة بعد أن غادرها زوجها إلى مثواه الأخير سنة  1984  تاركاً لها إرثاً كبيراً من المسؤولية الاجتماعية والعائلية، فأنشأت أبناءها وكبَّرتهم، وتعاملت معهم بصداقة وتفاهم وتفهّم، تناقشهم وتحاورهم وتستمع إلى مشاكلهم محاولة جهدها أن تنمي شخصياتهم واستقلاليتهم، ضمن حدود المنطق والمعقول.
في العام 1963 طلب منها عارف بك النكدي وهو مؤسس بيت اليتيم الدرزي في منطقة (عبيه) في لبنان، طلب منها أن تترأس لجنة سيدات بيت اليتيم الدرزي ، فنزلت عند رغبته، ودعت إليها نخبة من السيدات الدرزيات وتمَّ تشكيل اللجنة ولم تزل تعمل هذه اللجنة حتى اليوم. وقد عملت على إيجاد المستوى اللائق للأيتام خاصة على المستوى المهني والصحَّي، كما وأخذت على عاتقها تعليم خمسين يتيماً كل سنة وإعطاء المتفوقين منهم منحاً للتخصص في الخارج، وبفضلها تخرَّج عدد كبير من الأيتام الذين أصبحوا فيما بعد أطباء ومهندسين ورجال أعمال ناجحين.
في العام 1975 أسست الأميرة خولة مركزاً طبياً في مدينة الشويفات، وظلت تتعهده إلى أن تبنَّاه مجلس الوزراء اللبناني حيث عمل على توسيعه ليشمل العديد من العيادات الطبية الحديثة والأشعة والمختبرات وقسم التوليد.
تعترف الأميرة خولة بأن لزوجها الأمير مجيد فضل كبير عليها بالتوجيه وشرح الأمور من جميع الأوجه وذلك في بداية اقترانها به، فقد أولاها صلاحيات كثيرة، وحملَّها مسؤوليات كبيرة، شجعتها وعمَّقت ثقتها بنفسها وبإمكانياتها.
لم تكتف الأميرة خولة بالاهتمام ببيت اليتيم الدرزي فقط، بل عملت مع زميلاتها في لجنة السيدات على إنشاء قرية للأطفال، وأعدت أيضاً مدرسة لذوي الاحتياجات الخاصة (المعوقين) في قرية قبر شمون تبرع الوقف الدرزي بالأرض اللازمة لها.
في الحرب الأهلية اللبنانية التي نشبت في العام 1975 واستمرت لأكثر من 16 سنة، كان لها دور كبير في تهدئة الأمور، أو مساعدة المحتاجين من مسكن وملبس وغذاء، وتعاونت مع كل المؤسسات والمجالس البلدية والفعاليات الاجتماعية والصليب الأحمر وغيره من أجل تلبية طلب كل محتاج، وساعدت المهجَّرين إلى غير مناطقهم، حتى بيتها فتحته أمام هؤلاء.
اجتهدت الأميرة خولة كثيراً كي توحِّد الكلمة، بين الفئتين المتنافستين في لبنان، وهي اليزبكية من جهة والمتمثلة بزعامة ابنها طلال أرسلان، والمنغرسة في نفوس فريق من الدروز الذين نشأوا على هذه الفكرة، والجنبلاطية من جهة أخرى والمتمثلة بزعامة الزعيم وليد جنبلاط، خصوصاً وأنها تكنُّ لوليد جنبلاط احتراماً كبيراً، وهي على اتصال دائم معه، واستطاعت في البداية أي في سنوات الثمانينيات وبعد وفاة زوجها الأمير مجيد، أن توفق بين الزعيمين، وتضمن تعاونهما معاً، ولكن فيما بعد دخل بينهما أصحاب الأغراض السيئة، والمصالح العفنة، وأبعدتهما الأهواء، وهما الآن على طرفي نقيض، وبرغم ذلك، ومع صعوبة التحرك استطاعت أن تمنع كارثة كانت من الممكن أن تقع بين الدروز، فقد كان الاقتتال الداخلي بينهما قاب قوسين أو أدنى، وذلك عندما حصلت حادثة (خلوات الكفير) عندما قدم إليها المدعو وئام وهَّاب بموكب من 12 سيارة (رانج روفر) تضم عدداً من العناصر المسلحة ودخلوا إلى البلدة بطريقة استفزازية، بقصد افتعال مشكلة مع أنصار وليد جنبلاط والنائب وائل أبو فاعور (الجنبلاطي) والتي أدت إلى إطلاق النار بين الفريقين، أنصار وليد من جهة ومرافقي وهاب من جهة أخرى، سقط على أثرها 12 جريحاً من الفريقين وانتهت بوفاة الشيخ أبو إبراهيم الموالي المحسوب على الوزير طلال أرسلان، وتكهرب الجو وتحولت خلوات الكفير في جنوب لبنان إلى ساحة قتال حقيقية كادت تنذر بمواجهات درزية - درزية مسلحة، لولا أن استعجل الزعيم وليد جنبلاط للاتصال بالأميرة خولة أرسلان (الجنبلاطية الأصل) طالباً منها التدخل لدى نجلها الأمير طلال لتهدئة الوضع، منعاً لاتساع رقعة الاقتتال وانتقالها إلى مناطق أخرى كالشوف والشويفات، فسارعت الأميرة مع ما لها من نفوذ على نجلها طلال وأنصاره، وحاولت تبريد الأجواء، كما اتصل وليد جنبلاط بالأمير طلال مباشرة في محاولة سريعة لتطويق الأحداث وتهدئة الوضع، خاصة وأن مطلق النار على الشيخ القتيل هو وسام أبو فاعور، شقيق النائب وائل أبو فاعور، وقد أوقفته الشرطة على ذمة التحقيق.
في السنوات الخمس الأخيرة من حياة الأمير مجيد أرسلان قامت الأميرة خولة بدور المستشارة له، والمنفذة لسياسته، فقد كانت تحضر العديد من الاجتماعات واللقاءات السياسية، وأجرت الكثير من الاتصالات مع أقطاب الحكم والشخصيات السياسية، ولعبت دوراً ريادياً في تحقيق سياسة الأمير مجيد الوطنية والدرزية والاجتماعية، وشاركت في التحضير لوحدة الصف الدرزي التي توِّجت بالبيان المشترك الذي صدر في عاليه بتوقيع سماحة شيخ عقل الطائفة الدرزية المرحوم محمد أبو شقرا، والأمير مجيد أرسلان ووليد بك جنبلاط، كما ساهمت في إعداد المذكرة الدرزية التي تقدم بها الرؤساء والمكتب الدائم للمؤسسات الدرزية إلى الحكم، وشاركت في الجهود الرامية إلى عدم إشعال معارك الجبل تجنباً لأي شر طائفي ومنعاً لوقوع ضحايا.
لم تنس الأميرة الجرحى والمرضى في المستشفيات فكانت تزورهم وتتفقدهم، كتبت جريدة "لسان الحال" اللبنانية حول هذه الزيارات. تقول: "لا يحتاج جرحى الحوادث إلى شيء قدر حاجتهم إلى ابتسامة حنان والتفاتة عطف، وإلى دفقة محبة يعطيها الإنسان من القلب، لقد أشرق الأمل حلواً ندياً في عيون الجرحى والمعذبين أتى إليهم رفيقاً حنوناً كما نسيم الصباح كما قطرة الندى، كما البلسم على الجراح العميقة، شكراً باسم هؤلاء جميعاً للسيدة الفاضلة الأميرة خولة أرسلان، التي أحست مع المعذبين فأتت من قصرها تحمل إليهم الكلمة الحلوة والبسمة العذبة والعاطفة السمحاء".
لقد نجحت الأميرة خولة في كل مهماتها وأدوارها، وها هي الآن تعيش في قصر خلدة جنوب بيروت، مع متعتها الكبرى القراءة، والمتعة الثانية وهي السفر، تقول: "القراءة اكتشاف ودهشة لا يماثلها غير السفر الذي هو ثقافة وغنى، يعلمني، يريحني، يريني أشياء جديدة، يسعدني ويجددني" .  
 


 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2017 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.