spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 125
زيارة مقام سيدنا ابي إبراهيم (ع)
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 152
العدد 151
العدد 150
العدد 149
العدد 148


 
كلمة العدد: طائفة بين المزاج الساخن والحليب الساخن طباعة ارسال لصديق
طائفة بين المزاج الساخن والحليب الساخن
قبل سنوات، انتقل إلى رحمته تعالى، صديق للدروز، هو الشاعر الشعبي، أبو سعود الأسدي. وعندما التقينا بأخيه الشاعر الشعبي، أبو غازي قاسم الأسدي لتعزيته، سرد أمامنا بعضا من انطباعاته عن الدروز وحدّثنا، أنه في عام 1946، كان، مع أخيه، جالسيْن في بيتهما، وفي ساعات بعد الظهر، حلّ عليهما أربعة ضيوف، من إحدى القرى العربية المجاورة، فقاما بكل واجبات الضيافة، في ساعات المساء والصباح والمبيت، وقبل أن يضعا وجبة الغداء للضيوف في اليوم الثاني لمجيئهم، سمعا ضجيجاً وصوتاً خارج البيت، فخرجا، وإذا بفارس درزي شاب، راكب صهوة جواده، يقف بالباب، ويسلمهما دعوة لإحياء حفلة عرس، لأحد السكان في دالية الكرمل، في تاريخ معين. كان الشاعران الشعبيان، صديقين حميمين للدروز، وكانا، عندما يحييان عرسا في بيت جن، أو يركا، أو دالية الكرمل أو غيرها من القرى الدرزية،يتحوّل العرس إلى مهرجان، وكانا يتألقان في هذه الأعراس، لأن الجمهور الحماسي كان يتجاوب معهما ويشجعهما... ولأنهما يعرفان العادات الدرزية الأصيلة، فقد دعيا الفارس، أن يترجّل ويتناول معهما ومع الضيوف من القرية العربية المجاورة، وجبة الغداء، إلا أن الفارس اعتذر بأدب ولباقة، بأن مشواره بعيد، وعليه أن يعود قبل مغيب الشمس، فسجّلا عندهما موعد العرس، ووعدا بالحضور.وعندما همّ ضيوفهم من القرية المجاورة بالانصراف، أعلنوا عن سبب مجيئهم، وهو دعوة الشاعرين الحاديين، لعرس في قريتهما، وحددوا التاريخ، وإذا به نفس التاريخ،  فأعلن الشاعران عن أسفهما، لأنه قبل دقائق، أتى فارس  من دالية الكرمل، ووعداه أن يحضرا إلى دالية الكرمل، بالضبط في التاريخ الذي طلبوه!!. ونوه الشاعر أبو غازي،مشيرا إلى خفة دم الدروز، ولباقتهم، ولياقتهم، وحسن تصرّفهم، خاصة مع غير الدروز، وذكر أبو غازي، أن اسم الفارس الشاب آنذاك، هو، فيما بعد، الشيخ المرحوم، أبو جميل فارس إبراهيم من دالية الكرمل...
ومثل هذه القصة، سمعنا عشرات القصص، عندما التقينا بأبناء الطوائف الأخرى، وحدّثونا عن مواطنين دروز يعرفونهم. وقد اتخذنا لنا طريقا ثابتا وواضحاً، في هذا الموضوع، في حياتنا الشخصية، وفي مجلة "العمامة" وفي كل مكان، وهو أننا، عندما نُسأل عن أحد المواطنين الدروز، من قِبل مواطن غير درزي، إما نمدحه، إذا كان أهلا لذلك، وإما نعتذر أننا نعرف الشخص معرفة سطحية،  ولا نعرف تفاصيل كثيرة عنه، لكننا قطعنا عهدا على أنفسنا، أن لا نذم إنسانا، وأن لا نشهّر بإنسان، وأن لا ننقص من قدر إنسان، أمام معارفه وأصدقائه، حتى ولو كنا نعرف أن هذا الإنسان، له أحيانا تصرفات غير لائقة، فنترك الأمر لصاحب الشأن، أن يكتشف هذه الأمور بنفسه، لسبب واحد وهو، أنه أولا، ليس من عادتنا القذف والتشهير، وثانيا لأنه كما قيل، لا يوجد نبي في بلده، فربما تكون تصرفات هذا الإنسان في قريته غير سليمة، لأن القرية تستخف به، أو تنقص من مقامه، ولذلك يتصرف هو أحيانا معها بفظاظة، لكنه ربما يكون مع الغرباء، شديد اللطافة، وكثير الاحترام، وصاحب لياقة وأدب، فعلينا أن لا نتسرع بالحكم على  إنسان أمام الغرباء، وعلينا أن نكون حذرين في تقييم أي إنسان نسأل عنه، فلا نهاجمه أو نستخف به، حتى ولو كان حسب معرفتنا به ورأيُنا فيه، غير لائق بالمدح،  لأن السائل إذا لاحظ أننا احترمنا الشخص، فيمكن أن يحترمه ويحترمنا، أما إذا لاحظ أننا نشهر بالشخص، فبالتأكيد لن يحترمنا ولن يحترمه.
وهذا الموضوع، ينقلنا إلى موضوع قريب وأهم منه، وهو علاقتنا بالطوائف الأخرى والغرباء والبعيدين عن الطائفة. نستطيع فيما بيننا، أن نهاجم وننتقد ونلذع ونكوي ونستصغر ونفعل ما نشاء، طالما هذه الأمور هي داخلية، ولا يطلع عليها أناس خارجيون، ونستطيع في مجتمعنا، أن نفعل ونتصرف كما نشاء، فالكل معروف للكل، ولا ضير إن كنا طبيعيين، واحدنا أمام الآخر. أما إذا واجهنا مجتمعات أخرى، فعلينا أن ننتبه إلى واجبنا الطبيعي، وهو أن نرفع من مكانة الطائفة وأشخاصها ومؤسساتها، أمام كل العناصر الخارجية، سواء في حديثنا عن آخرين بيننا، أو في تطرقنا إلى زعمائنا والمشهورين بيننا، الذين يعرف عنهم الآخرون، بسبب شهرتهم أو مكانتهم أو أعمالهم، ولكن الأهم من كل ذلك، هو أن تكون تصرفاتنا نحن سليمة وحكيمة ومقبولة، وليس فيها ما يعيب أو يشين أو يقلل من قيمتنا. أنت وأنا وكل واحد منا  في الداخل ينادى باسمه، محمود مثلا، أو بكنيته، أبو سليم مثلا، أو باسم والده، ابن منير مثلا، أو باسم عائلته ابن الجبلي مثلا، لكنه في الخارج يعرف بأنه محمود الدرزي، أو أبو سليم ابن دالية الكرمل أو حرفيش مثلا. وهنا تكمن كل المشكلة، فأي تصرف، سواء كان سليما أو غير سليم، ينسب لهذا الإنسان، يعبر رأسا عن انتمائنا وعن أصلنا، وهكذا نظل في ذاكرة الآخرين، وبهذه الطريقة يذكروننا، لذلك علينا دائما، أن نحاول بقدر الإمكان، أن نفعل كل ما هو لائق وسليم ومقبول مع الآخرين، لأنها، هذه شيم المحترمين في المجتمع، ولكي نحافظ على الصورة الجميلة لنا، والاسم المناسب بنا. وعلينا أن نعتبر، أن كل واحد منا، هو سفير لطائفته وعائلته وقريته، وهو يمثلها ويشير إليها بمجرد انتمائه. ونحن نطلب من المرء، أن يكون عاقلا ومؤدبا في كل المواقف والحالات، لأن هذه هي الطريقة السليمة لوجوده وتصرفه ومعاملته، وهذا مفروض الوجود في كل الظروف والحالات، ولكن بصورة خاصة مع الغرباء والآخرين، لأنه ربما نقول إن الواحد منا، من المفروض أن يتحمل الآخر، إذا أساء إليه، أو جرحه، أو أخطأ معه، وإذا كان هذا الوضع مع المقربين، فهو أكثر منه حاجة وأهمية مع الغرباء. إن ما يميز الإنسان عن الحيوان، هو أن الحيوان يسارع بردّ الفعل مواجهة لكل تحرش من مصدر خارجي، فإذا تعرضت إلى كلب، فأول رد فعل له، هو العواء والنباح، وهكذا مع كل الحيوانات. أما مع الإنسان، فهناك عدد كبير يقلد الحيوانات، أو يتصرف كالحيوانات، فإذا اصطدم بملاحظة أو إشارة أو حتى تهجم واعتداء، فإنه يسارع إلى الغضب والعنف والضرب والتعدي، تماما كالكلب. وهناك من يعتبر هذا التصرف، رجولة، أو بطولة، أو شهامة. لكن الواقع يختلف كثيرا عن ذلك. الحيوان يرد حالا، لأنه يتصرف حسب غريزته. أما الإنسان، فقد منحه الله عقلا ليفكر، ويزن الأمور، ويقدر أبعادها ومخاطرها. ونحن لا نقول، إنه على الإنسان المعتدى عليه، أن يمد خده الأيسر ليصفع، بعد أن صفع في الخد الأيمن. لا نطلب ذلك، لأن هذه شيم الأنبياء فقط،، لكن ما نطلبه، هو التروي، والتأني، والتفكير، والتجاوز، والتسامح على الأقل، في اللحظات الأولى، وإذا اعتدى عليك إنسان وتمادى في ذلك، فافعل معه ما تشاء، لكن إذا صدف وصدرت عن إنسان حركة، أو ضربة، أو كلمة نابية، أو ملاحظة، أو أي عمل، يمكن أن تفسره عملا عدائيا، فأول ما يطلب منك، هو التريث قليلا، فربما كان الشخص في ضيق، وصدر عنه ذلك، لظروف أنت تجهلها، وأنت لست مقصودا، وربما كان هذا الإنسان يريد أن يلفت نظرك إلى معاناته وصعوباته، وهو لا يعرف الطريق الصحيح لذلك، وهذا هو ما يفهمه، ويعتقد أنه المناسب، فإذا تجاوزت ولم ترد بعنف، تجد أنه في حوالي تسعين بالمائة من الحالات، يهدأ الإنسان المتعدي، ويندم على تسرعه، ويطلب المعذرة، وتمر الحادثة بسلام. أما إذا تسارعت، وأجبت أنت كذلك بعنف، فإن العملية تتأزم وتتطور، إلى نهاية لا تحمد عقباها. وكثيرا ما نسمع عن حوادث اعتداء وقتل، بدأت من ملاحظة صغيرة وتطورت، بسبب عدم وجود التعقل عند المشاركين.  ومن معرفتنا بفضيلة الشيخ موفق طريف، والمرحوم الشيخ أبو حسن صالح خنيفس، والمرحوم الشيخ أبو أمين حمود نصر الدين، والشيخ أبو غالب حاتم حلبي، وغيرهم الذين اشتركوا ويشتركون في عشرات عمليات الصلح بين المتخاصمين، نلمس أي عبء وإرهاق، يقع على عاتق الذين تسرعوا واعتدوا، وكانت النتيجة، أنهم تهجروا من بيوتهم، وأنه فرضت عليهم وعلى عائلاتهم، مبالغ باهظة. هذا كله، عدا الحكم بالسجن، وعدا التوتر والخوف، الذي يكون نصيب العائلة التي يتورط أحد أبنائها، بقتل أو اعتداء. وهم غالبا يأتون أذلاء إلى المسؤولين عن الصلح، لكي يحلوا القضية، بأقل ضرر بالنسبة لهم. وهكذا نجد أن كل هذه العمليات، كان يمكن الاستغناء عنها، لو تروى الإنسان قليلا، قبل أن يرد على العنف بالعنف.
ونحن طائفة صغيرة، قليلة العدد، ومحاطة بأسوار. مراكز القوى والمناصب والوظائف عندنا قليلة، ونحن في نفس الوقت طموحون، ونحب التقدم والبروز والظهور، فيشتد الصراع بيننا، على مراكز القوى القليلة. ونحن، مع كل ذلك، أبطال، شجعان وأقوياء، خاصة عندما نصطدم بعدو من الخارج، فلا شك أننا نقف بشجاعة، ونصد هجوم العدو الخارجي وندحره. ولشدة حماسنا وبأسنا وقوتنا، فإننا إذا لم نجد عدوا خارجيا نقاتله، وبسبب فيض الطاقة الموجودة لدينا، فإننا، أحيانا، نستغل أي فرصة، لنظهر بطولتنا على خصم داخلي فينا، نرى، في تلك اللحظة، أنه عدونا اللدود، وأنه لن يهنأ لنا بال، أو عيش، إلا إذا قضينا عليه، وهذا طبعا خطأ. والمطلوب منا، هو التروي والصبر والتأني، قبل أن نقوم بأي رد فعل،وإذا رأينا خصما عنيدا مصرا ومتماديا، عندها نقوم بواجبنا. ولكي نستطيع أن نروض أنفسنا على التعالي والتجاوز أمام الخارجيين، علينا أن نمارس ذلك أمام الداخليين، وهذا أقل ما يمكن أن نفعله، لنحافظ على اسمنا الحلو، وسمعتنا الطيبة. ونحن لا نريد أن يقال عنا، أننا طائفة شرسة مشاغبة، تلجأ للعنف لأي حدث بسيط،، وهذه هي صفات العصابات والمجرمين وعديمي الأخلاق، بل نحبذ أن يقال عنا، إن صدرنا رحب، وإننا متسامحون، وإن ثقتنا بأنفسنا كبيرة، ولذلك لا نغضب وننفعل بسرعة.
ونحن في نفس الوقت، نريد أن نلفت النظر، إلى ظاهرة أخرى غير مستحبة فينا، وهي أننا ننجرف،_مع كل عقالنا أحيانا، وراء شرذمة من أبنائنا، يأخذون القانون بأيديهم، ويقومون بأعمال ليست من اختصاصهم، ويورطوننا بمشاكل نحن في غنى عنها.  وعادة نؤيدهم وندافع عنهم ونتحمل نتائج أعمالهم، وهذا خطأ، بل يتوجب علينا، أن نزجر هؤلاء، وأن نعترف بأنهم تمادوا أو اعتدوا على آخرين، فعلينا الاعتراف بالحق، ومعاقبة هؤلاء ونبذ الفئة المعتدية ومعاقبتها، ومنع تكرار أعمالها، لأنها تسيء إلى سمعتنا، وتشوه إسمنا، وعلينا دائما أن نعلم، أنه يوجد بيننا قديسون، لكننا لسنا جميعا قديسين..
ونحن ككل مجتمع، فيه خيرة الشباب، وفيه أحيانا بعض المشاغبين والمنحرفين، وعلينا طبعا، أن نحترم ونشجع الناجحين والمتفوقين، وكل أولائك الشباب والشابات الذين يقومون بواجباتهم، على أحسن وأكمل وجه في المجتمع. وإن وُجد بعض الذين لا تروق لنا أعمالهم، علينا أن نسعى لإصلاحهم وتوجيههم وتوقيفهم عن الخطأ. ويمكننا القول، إنه وبصورة عامة، أوضاعنا الاجتماعية، والحمد لله، بخير، مع أن هناك من يحب أن يصطاد بالمياه العكرة، فيركز على الشاذ والسيء والمخالف، ويعمل من حدث واحد أو عشرة أو عشرين، وكأن الطائفة كلها شواذ، وهذا طبعاً غير صحيح.
 وبالمقابل، ونحن نذكر أنه  مر 25 عاما على حرب الشوفـ،، لذلك يطيب لنا، أن نسجل ذكريات فاخرة من تلك الحرب القاسية، حيث كان مقاتلونا البواسل الشجعان، يكررون جملة مأثورة لامعة فيما بينهم، ويعيدونها حينما تشتد عليهم الأوضاع الحربية، ويبدو لهم أنه لا مناص من الإستشهاد،  فيقولون" ما أحلى أن نرضع الحليب الساخن" وهم بذلك يرمزون، أنهم لا يترددون في التضحية بأنفسهم،  من أجل كرامة الطائفة، والولادة من جديد، ليتمتعوا بشرب الحليب الساخن. وعندما نستنكر أعمال بعض القلائل الشاذين من شبابنا، علينا أن نقف ونصفق ونهتف، لأولائك الشباب الذين وضعوا انفسهم على أكفهم، من اجل العزة والرفعة والكرامة للجميع. 

وكل عام وأنتم بخير..

سميح ناطور

دالية الكرمل
كانون ثاني
 2008

 
التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2020 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.