spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 10
الرقم خمسة والرموز
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 148
العدد 147
العدد 146
العدد 145
العدد 144


 
الكتيّب طباعة ارسال لصديق

بسم الله الرحمن الرحيم

المرحوم شيخنا الجليل الورع الشيخ حسين علي احمد حلبي رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جنانه
 إننا حيث نستعين ببركته تعالى وبعونه وهدايته, نسطِّر جزءاً يسيراً, من سيرة الشيخ العابد, العارف بالله, وبسيدنا الإمام, والذي انفرد بهذه الميزة بين دروز آل تراب, ولم يطلق في قرانا منذ قرون عديدة, لقب عابد, على شيخ سواه.

وُلد  الشيخ حسين علي أحمد حلبي سنة 1902 في قرية دالية الكرمل, لوالدين مرحومين متدينين كانا يعملان  مثل سائر أبناء قريتهما بالزراعة وتربية الماشية والدواجن. وقد شبَّ وترعرع في بيت أسرته, وبين المشايخ من أقربائه, حيث كان ينصت للمشايخ في اوقات الصلاة, وينظر إليهم, كأنه واحد منهم. وقد نال إهتمام المشايخ وعطفهم, وأحبّه كل سائر رجالات القرية الذين عاصرهم واجتمع بهم وسهر معهم وكذلك الشباب الذين كانوا في وقته. ومن المشايخ الأفاضل الذين كان يتردد عليهم ويقرأ وإياهم, عمّه المرحوم الشيخ ابو صالح ذياب احمد حلبي, والمرحوم الشيخ ابو قاسم سلمان عبد الله, والمرحوم الشيخ ابو علي محمد صالح حلبي, والمرحوم الشيخ ابو يوسف حسين صالح عبد الله حلبي, والمرحوم الشيخ ابو سليمان قبلان زيدان حلبي وغيرهم. وقد تعلّم الدين وشروحاته وشروطه, وواظب على السهرات الدينية والحفظ وإجتماعات الذكر التي كانت تحصل وأصبح ملما بأصول الدين وقواعده, على يد تلك النخبة من المرحومين الأطهار, ومَن كانوا في عصره عمدة الدين وأهله.

 وما أن بلغ سن الرُّشد, حتى بنى له صومعة بعيدة عن القرية, وسكن فيها للتعبد ومراجعة ما نُصَّ في الكتب المقدّسة. وكان كل مَن يزوره, يراه في إحدى زوايا الصومعة, او بجوارها, مُكِبَّاً مواظباً, على درس علم التوحيد, قائماً بواجبه في العبادة والزهد, محبّاً للدين وأهله في سره وعلنه. ثم قرر أن ينقطع في خلوته عن مخالطة الناس, ناسكاً خاشعاً ليل نهار, سالكاً مسالك الزاهدين, حتى أصبح من العُبّاد المتصوفين, وما كاد يستقر في صومعته, حتى أصبحت الحكمة مأكله ومشربه, فيها غذاء جسمه وروحه ونفسه. وقد جد في تهذيب أخلاقه من ينابيع الحكمة الشريفة لأنها هبة الله سبحانه وتعالى الى كافة المؤمنين والموحدين . فصدقهم وطاعتهم وأخلاقهم وخشوعهم وروحانياتهم خير كفيل وضمان لتقربهم من الباري تعالى ودخول جنة النعيم. وهذا فضل من الله سبحانه  وتعالى بمنته ورحمته على الذين ساروا على طريق الخير وعمل الخير وقضوا ليلهم ونهارهم في التضرع الى الله سبحانه وتعالى للتقرب منه والبُعد عن ملاهي الدنيا الفانية. فكانت منزلة المرحوم الشيخ العابد منهم. لم يسأل عن الدنيا ولم يهمه أمرها ولم يلتفت لِما فيها. فقد ترك ما يحق له من ورثة والده الى إخوته بدون مقابل. وكان رحمه الله لا يشترك في اجتماعات في القرية إلا لتأدية واجب. إذ كان يأتي في ثالث يوم في ساعات المساء وهو في حالة من التذلل والإفتقار أمام عظمة الواحد الأحد القهّار. كما انه لم يكترث فيما يحصل في بلادنا من ثورات وحروب. بل كان ينتظر قرب الساعة وكل ما حصل يقول هذا إرادة ربّانية لم نعترض عليها ولم يرفع صوته إلا بالتذلل والعجز. وهذا يدل على سدقه والتدقيق في سلوكه وإخلاصه وحُبِّه لله ولسيدنا الإمام وإخوته الأطهار صلوات الله عليهم. وكان إذا حدّث يأتي بالامثال الى ساداتنا الأفاضل. او لموجز من الحكمة او الشروحات. وكان رحمه الله من عمق سرّه ومحبة خالقه فقد أعطاه خالق الكون ومدبِّره العافية والعناية. فكان يأكل مما يجنيه من أرضه بتعب وعرق جبينه يأكل مرة واحدة في اليوم يخبز بيده على الصاج ويأكل فتات الخبز، وكل ما تنتج ارضه من فاكهة فيُقدِّمها الى الزوّار الذين يتوافدون اليه للتبرك من التقرب اليه وسماع وعظه ولباقة حديثه وسدقه بكل ما يقول.وكان يربي بجانب صومعته نحل وعندما سألته عن ذلك قال رحمه الله: " إن في عسل النحل شفاء للجسم وأحاول أن أقدّمه للذين يتكرمون في مجيئهم إلي لأن تربية النحل هي من الرزق الحلال. وفي النحل عبرة وعظة إذ تتجلى فيه عظمة الخالق تعالى.

وأصبح مع الوقت كأنه معلم الى من اراد من الشباب المتوجهة الى الخير فكنتَ ترى عنده طوال الأيام العديد من الشباب يقرأون في كتبهم بتوجهاته ويستمعون الى شرحه وتفسيراته وبما ان تلك الصومعة لم تتسع الى كافة الشباب فطلب منهم ان يأتي قسم في الصباح وقسم بعد الظهر وكان يستقبلهم بوجه بشوش ويعتبرهم كأنهم اخوانه، لم يبخل عليهم في شيء وكان رحمه الله يعتبر نفسه واحداً منهم يتعلّم الدين معهم وليس معلمهم. وهذا يدل على روحه الطاهرة ونفسه المتواضعة المليئة بالورع والتقوى وبهداية الله وعنايته, فإن كافة الشباب الذين كانوا يتعلمون الدين عنده بقوا على طريق الدين ومن توفي منهم توفي على الطاعة ونذكر منهم:
• المرحوم الشيخ أبو علي سليم قدور المتوفي عام 1954
• المرحوم الشيخ أبو فؤاد نايف بارود المتوفي في السادس من شهر أيار عام 1977
• المرحوم الشيخ أبو فؤاد علي عوض حلبي المتوفي في الخامس من شهر آذار 1983
• المرحوم الشيخ أبو علي فارس حمد فخر الدين المتوفي في الثاني والعشرين من شهر كانون ثاني 1992.
• المرحوم الشيخ أبو سميح نايف ناطور المتوفي في التاسع عشر من شهر شباط 1991.
• المرحوم الشيخ أبو حسن قفطان حسون المتوفي في الخامس والعشرين من شهر كانون أول 1992.
• المرحوم الشيخ أبو نزيه هاني نصرالدين المتوفي في السابع من شهر حزيران 1989.
• المرحوم الشيخ أبو سليمان فهيم كمال المتوفي في الرابع والعشرين من شهر شباط 1995.

 وبقي من المشايخ الأحياء الشيخ أبو عماد سليمان نايف نصرالدين, والشيخ أبو ناصيف يوسف ناصيف حلبي والشيخ أبو يوسف مزيد كمال والفقير لله حاتم قاسم حلبي, وقد ثابر جميع الذين تعلموا عنده على طريق الطاعة, وأطلب صفو خاطر المشايخ الذين لم أذكر أسماءهم سهوا وكانوا من تلاميذه.      
 
وقد خصّ المولى سبحانه, شيخنا العابد بمنِّه وكرمه شخصية نورانية, وخلق حسن, وقلب فياض, بالمعرفة ولسان لا يفطر عن ذكر الله. وكان رحمه الله اذا توجه الى اي بيت في القرية يتبارك منه اهل الحي الذي يمر فيه كما انه كان مقبولاً على الصغير والكبير حتى أصبح لم يُرَد له خاطر.
وهنا نذكر قسماً من سلوكه وكراماته.

بما أن الصومعة التي كان يتعبد فيها كانت قريبة من بيادر الفلاحين . ونظراً لكثرة الحيوانات الداجنة فقد فكر بإقامة جدار حول الارض للحفاظ على الفواكه التي زرعها بجوار الصومعة ليكرم فيها الزائرين . فبنى جداراً بعلو يتراوح بين 6-8 أمتار وبطول ثلاثين متراً ليصون الارض وكان يقلع الحجارة من الارض ويبني فيها كما لم يكن في ذلك الوقت شيء يساعده إلا العناية الربانية. وخلال مدة ثلاثة اشهر أكمل بناء الجدار. وفي أحد الأيام مر على الشارع المحاذي للجدار صاحب بيدر قريب من ارض الشيخ العابد ودخل الى عند الشيخ للتبرك ولقراءة ما يتيسر من ذكر الخير وقبل مغادرته صومعة الشيخ قال له الشيخ : يا جارنا لم تقل لي  رأيك عن الجدار. فقال له الله يعطيك العافية والأجر والثواب. فقال له الشيخ العابد : هل يعوق وجود الجدار على الجمال التي تنقل القش وقت الحصاد؟ فجاوبه لوقتها مندبر الأمور.

وثاني يوم قام الشيخ العابد بحفر اساس داخل الارض من محاذاة الجدار وبدأ ينقل الحجارة من الجدار ويبنيها من جديد وبهذا يكون قد وسّع الشارع ما يزيد عن متر على طول الطريق. ولم يعلم أحد من الجيران لأن ذلك لم يكن بموسم الحصاد ولا يذهب أحد الى البيادر.

فجاء جاره الشيخ ابو توفيق قاسم كعادته قبل موسم الحصاد لترتيب امور البيدر فشاهد ما عمله الشيخ العابد فدخل على الشيخ وقال له : الله يؤاجرك ويسامحك ليش هالتعب؟ الشارع إلنا وأنا ما طلبت منك شيء . فقال له الشيخ : الله أعانني ، حضرتك لم تطلب شيء أنا مرتاح أكثر لأنني كنت في هداس لعلي ضيقت على الشارع. وهذا ما ندر ان يقوم به شخص آخر بمثل هذا العمل في عصرنا هذا.

كذلك حدّث كثير من المشايخ الذين كانوا يزورونه عن أفعى كان عائش معه في قرب الصومعة. وكان يومياً يأتي الى داخل الصومعة يتلحس شيء من الطحين التي كان يتركه له الشيخ خصيصاً ليأكله ثم يعود الى جحره. ولم يذكر احد ان الأفعى آذى انسانا في يوم من الايام او ان انسان آذى الأفعى مدة الأربع سنوات التي عاشها الأفعى بقربه.

ولما دارت الأيام ووصل العمار الى قرب سكناه تركها لأخيه وانتقل الى ارض تبعد عن القرية مسافة اثنين كيلو متر فبنى فيها غرفة صغيرة وحفر بئر ماء وصوّن الارض حول غرفته وزرع فيها العنب والتين على غرار ما كان عنده قرب الصومعة الاولى. وأنا الفقير لله كنت أزوره دائماً أني تعلّمت الدين وآدابه مع العديد من شباب البلدة عنده. وعندما نقل الصومعة الثانية سألته لماذا نقل مكان سكناه؟ قال : انه يفضل العزلة والبعد عن القرية راحةً لنفسه وهداة لباله.

ولقد اتضح للكثيرين من الذين كانوا يزورونه للتبارك والإفادة انه كان يقوم أكثر ساعات وقته مختلياً بنفسه خاضعاً أمام عظمة الخالق يناجي ربه طالباً الغفران ورضى سيدنا الإمام والسادة الأطهار ولهذا كان البعد أفضل من البقاء قرب السكن ليرتاح ضميره بمشاهدة الباري عز وجل. وهذه صفات العُبّاد والزهاد. كما كان رحمه الله يستأنس كثيراً عندما يزور القرية مشايخ البلاد. فكنتَ تراه متريضاً مسروراَ وخاصة في الزيارات التي كان يكون فيها المرحوم سيدنا المرحوم الشيخ أمين طريف او المرحوم الشيخ سلمان نصر او المرحوم الشيخ ابو حسن منهال منصور وكان يشبّه تلك الزيارات لقرب الساعة. وكان يزيد في الحديث عن هذه الزيارات وإفادتها الى المجتمع ولا سيما كانت الزيارات تطول يومين او اكثر لقلة المواصلات ولهذا تكثر التجمعات ويزداد الوعظ والإرشاد. كما شاهد الكثير من الزوّار وبقدرة قادر سربين من العنب يطعم ثلاث افواج في آن واحد.

وعندما كان يُسأل عن هذا العنب كان يقول رحمه الله : هذا هو الموجود أنا لا استحق هذه الكرامة ويواصل اقواله ويقول اسأله تعالى ان يغفر لي ويسامحني. وهنا أذكر حادثة عن سلوكه ومواجهته بأمور الدنيا: جئتُ في أحد الأيام لزيارته فطلب مني أن أعود للقرية وأن أُخبر أخاه نايف أن يحضر اليه فوراً ولم يعلمني عن السبب. قمتُ على التو وعزمت على الذهاب الى القرية لألبي طلبه ولكني سالته إن كان يريد أن يأتي أخوه إليه حالاً إن عثرت عليه وهل مسموح لي أن أحضر معه. قال : مسموح إذا كان عندك وقت. ذهبت الى القرية وقصدت بيت أخيه نايف وأخبرته ان الشيخ العابد كلّفني ان أعلمك بأنه يريد مقابلتك إن كان ممكناً في نفس اليوم. سألني نايف عن السبب فأجبت إني لا أعلم، قال هل ترافقني، قلت استفسرت عن ذلك من الشيخ فقال إنه لا مانع لديه. باشرنا حالاً بالسير على الأقدام نحو صومعة الشيخ العابد ولمّا دخلنا اليه استقبلنا بالترحاب وقال لنا بعد الجلوس والراحة : أريد أن أطلعكم على شيء حدث لي ولكن رجائي لكم أن تساعدوني بالتي هي أحسن وأن تعدوني بعدم إهانة أحد. وعدناه بذلك تلبية الى رغبته فقال : جاءني في احد الأيام قبل عدة أشهر رجل غريب عن بلدنا . وبعد تقديم الواجب قال لي اسمع يا فلان، أنا كنت درزي من أصل لبناني امي كذا من عائلة كبيرة ومشهورة في لبنان ذكرها لي وقد تقرّبت الى دين السيد المسيح ووجدته فلسفة وعظمة وكُلِّفت بأن أقرِّب كل من يريد الى دين السيد المسيح، وقد قصدتك لأعرض هذا الموضوع عليك وأخذ يطيل الحديث والإقناع. فقلت له لا حاجة لي بذلك وأهلاً وسهلاً بك كضيف وكزائر. قال اريد ان أعطيك هذه الكتب الصغيرة في حجمها والكبيرة فيما تحتويه من علوم روحانية وفلسفية. كررت قولي أن لا حاجة لي بذلك. قال سأتركهم عندك وسأعود بعد شهر لأستمع الى رأيك وأرجوك أن تقرأهم بدقة وتمعن. فوضعهم على جنب هذا الرف وذهب. وبعد مرور عدة أسابيع رأيته عائداً فأذنت له بالدخول فدخل فبدأ يسألني عن رأيي في الكتب وقلت له تفضل خذهم معك. فقال أين هم. قلت له: هم مكان ما وضعته يداك. قال هل استفدت من قراءتهم. قلت لم تمسهم يداي. قال لا يا فلان أرجوك ان تقرأهم وتتمعن بهم لكي لا تذهب عبادتك سدى. عند ذاك قلت له : "لو جئتني ليل نهار أنت والعشرات من جماعاتك فلم تزحزحني عن ديني قيد شعرة" فأفضل لك ان تأخذ كتبك وتذهب في حال سبيلك. فقال سأبقيهم وسأعود في المستقبل وإني سأعلمك أن عدد المتجددين في منطقة حيفا وحدها يعَد بالمئات وتركهم وذهب. وأومأ الشيخ بيده الطاهرة نحو الكتب وقال ها هم. فقمنا وأخذنا الكتب وخرجنا من عنده وهو يرافقنا ويوصينا ألاّ نؤذي هذا الرجل.

وبعد أن فارقناه مودّعين بتقبيل يديه. قلت لأخيه علينا ان نحافظ على وعدنا للشيخ وإذا أغضبنا تلك الروح الطاهرة فنكون قد أغضبنا الخالق تعالى. لقد وعدناه ان لا نؤذي احداً. وأنا مثل العديد من أهل بلدنا نعرفه ونعرف مكان سكناه في وادي النسناس بحيفا فسأذهب اليه وسأطلب منه ان لا يعود الى عند الشيخ العابد وعلى بلدنا بصورة عامة. وهذا ما كان.

فتصوّر ايها القارئ الكريم هذه السلوكيات التي تسلكها العُباد أمثال المرحوم شيخنا العابد. ومن سره وحزم ارادته كان رحمه الله يقوم بزيارة مقام سيدنا شعيب عليه السلام مرتين في السنة. وكان يقوم بهذا الواجب مشياً على الأقدام وقد ما ندر إذ ركب قليلاً على دابة المرافقين من الزوار للمقام الشريف من اقربائه وأبناء قريته . وكان رحمه الله يتزود بقليل من خبز الصاج ليغذي جسمه ليتمكن من السفر. أما نفسه فكان يغذيها من تلاوة الحكمة الشريفة. اذ يحلس ساعات عديدة بجانب الضريح خاضعاً خاشعاً متضرعاً لله ولصاحب المقام سيدنا أشرف المخلوقات شعيب عليه الصلاة والسلام. وكان بعض من الزوار يظنه نائماً حيث كانت نبضات قلبه وأنفاسه وجميع جوارحه تشاركه الخشوع. وهو الذي حرم عينيه من النوم طوال هذا العمر إلا اليسير القليل لراحة الجسم ولعدم مخالفة خالق الأجسام وباعث الأرواح. كما انه رحمه الله في الزيارة كان يبقى في المقام عدة ايام ثم يعود الى قريته من حيث أتى مشياً على الأقدام وهو واجم الوجه باكي العين لفراق ضريح الإمام العظيم صلوات الله عليه.

 ولما كان الموحدون الطاهرون انوارهم في قلوبهم زاهرة مسلّمين أمرهم الى خالق الأكوان ومدبرها راضين بحكمة الله وقضاه. عندما توفى المرحوم والده الشيخ ابو حسين علي أحمد حلبي، ذهب اخوه نايف ليعلِمه ويأتي معه الى القرية في ساعات الليل وأخذ معه فرس ليركبها. فلما وصل الى الصومعة لم يجده بداخلها فاحتار في أمره ماذا يفعل في هذا الليل الدامس ؟ وأين هو يا ترى؟ فوقف برهة من الزمن وإلا شاهد بهير ضوء في احدى قراني الارض الى الشرق من الصومعة فاقترب قليلاً فوجده جالسا على الارض متجهاً الى الشرق خاضعاً يناشد الخالق تعالى باسطاً يديه الكريمتين باكياً متولولاً متضرعاً الى وجهه الكريم. فاقترب اليه الى ان شعر رحمه الله بشيء خلفه فقام فزعاً .فصبّحه أخاه وقال له سلامة رأسك توفى والدنا. فقال إنا لله وإنا اليه راجعون. اللهم أرضينا بحكمك وريض قلوبنا بإرادتك وانت على كل شيء قدير. ثم قال لأخيه إذهب أمامي وأنا وراؤك. قال له جلبت الفرس لتركبها. فقال له أنا ان شاء الله سآتي ماشياً. وكان كل مقرّب منه يعلم تمام المعرفة انه اذا نوى فلا يغيّر نيّته. فدار رأس الفرس وذهب أمامه وجاء الشيخ بعده. وبين لحظة وأخرى يرى اخوه شبه بهير ضوء خلفه حتى وصل القرية. ودخل على بيت والده فوقف فوق رأسه بحضور الأقارب وحمد الله تعالى على ما قدّر ثم قال لوالده الله يرحمك كل حياتك على الطاعة كنت كبير صرت صغير أسأله تعالى ان يغفر ذنوبنا وأن يشملنا بعفوه ورحمته وأن نلتقي غداً في دار النعيم. وعندما تقدّم منه الجيران لتقديم العزاء. قال لهم هنّئوني لأن والدي توفى على طاعة ربه راضياً مرضياً وهذه نعمة من نِعم الباري عز وجل علينا وعليه وبقي خاشعاً متأملاً حامداً شاكراً ولم تُذرف من عينيه دمعة ولسان حاله لا يفتر عن ذكر الله. وبعد إتمام مراسيم الدفن تقرب منه المشايخ وكل من حضر ليقبّلوا يديه ليس لأخذ الخاطر فقط وإنما للتبارك منه وبعد الرجوع من المقبرة عاد الى صومعته لكي لا يؤخره شيء عن ذكر الله. وكان رحمه الله ذا عفو وصبر وحلم وما صبره على وفاة والده إلاّ دلالة على كبر ايمانه وسعة صدره وهو الشفوق والحنون رقيق الطبع كثير الصفح وكان رحمه الله يستأنس لوحده بالتخلي عن العالم الخارجي وقد ظهرت على وجنات وجهه الرقة والسكينة مع الهيبة والوقار.

 وبما ان نيته صافية الى الخير مبنية على التقوى فقد قام ببناء خلوة لعبادة الواحد الديان بعد ان رأى بأن العديد من السكان انتشروا في العمار في تلك الضاحية التي فيها صومعته لكي يهون على رجال الدين رجالا ونساء ان يقوموا بإداء واجبهم في خلوة قريبة منهم لأنهم يبعدون عن اماكن العبادة في القرية ما يقارب الكيلو مترين.كما أوصى بأن تكون الخلوة والأرض المحاذية لها وقف تابع لأوقاف الطائفة الدرزية. وهي عامرة إلى اليوم يؤمّها المصلون في الأوقات المحددة, كما أن مدرسة العرفان الدينية تعلّم قسماً من طلابها فيها في ساعات النهار وذلك حتى يتم إنهاء المباني المطلوبة لمدرسة العرفان بين الدالية وعسفيا.

وهذا جزء يسير من سيرته العطرة والتي تمكنّتُ من حصرها في هذا الكتاب المتواضع لكي يطلع الجيل الذي جاء بعده على مآثره الحميدة لكي يقتدي من يستطيع بخصاله. كما نذكر بأن المرحوم الشيخ العابد عاش من العمر سبعة وسبعين عاماً لم يحمل بطاقة هوية لا في عهد الانتداب البريطاني مع العلم انه كان إجبارياً حمل الهويات لإثبات الشخصية نظراً للثورات التي اجتاحت البلاد سنة 1929 وسنة 1931 وسنة 1936 حتى 1938 واندلاع الحرب العالمية الثانية من سنة 1940 حتى 1944 وذلك لقوة ايمانه وسدق سريرته كما لم يرضَ ان يتسلّم بطاقة هوية في اسرائيل ولم يشترك في الإنتخابات ولا يهتم بالدعايات لا للأحزاب ولا لقوائم المجلس المحلي أسوةً بباقي سكان البلاد. وهذا السلوك أثبت لكل الناس انه هو العابد الزاهد التقي الديّان. وكان دائماً يردد هذا الدعاء:" يا رب لا تميتنا إلاّ على الطاعة ورضى اخوان الدين لقد زهدت في الدنيا لأتفرغ لطاعتك فاشملني برضاك وانقلني الى جوارك متى شئت. وأنا العبد الفقير طالباً رضاك وشفاعتك يوم الموقف العظيم". هذا طريقه حفظ الإخوان وصدق اللسان التي هي اعظم فرائض التوحيد وهي أساس الفضائل والموصلة الى المراتب العالية عند خالق الكون. فهنيئاً لروحه الطاهرة التي تشع من نور التوحيد لتضيء طريق الدين القويم أمامه وأمام من سار على منهجه الى يوم الدين. وان المشايخ الأتقياء الصالحين الذين سبقوه قد أناروا مشعل التوحيد كل من منطقته التي شاءت الإرادة الربّانية ان يكون فيها لمواصلة درب الهداية خلفاً للأولياء. وتتميم اوامر سيدنا الامير عبد الله التنوخي(ق) وسيدنا الشيخ الفاضل (ر) وكان دائماً يقول على الموحّد الديّان ان يمتثل بتعاليم الشيخ الفاضل. ومن تعاليمه: ان يكون العبد مخلصاً لله في سره وجهره، مراقباً لربّه، مسلِّماً جميع اموره اليه، متكلاً في السراء والضراء عليه، راضياً بقضائه، صابراً على بلائه، شاكراً لنعمائه، معترفاً بذنبه، صغير النفس، نازع الكبر من قلبه، متواضعاً خاشعاً لله تعالى، مهذِّباً لأخلاقه، مستشعراً لخالقه، محاسباً لنفسه، ناظراً في عيبه، مقبلاً على ربه، معرضاً عن عيوب الناس، خفيّاً صوته، كثيراً صمته، صادق اللسان ولين الجنان.

وقد شاءت الإرادة الالهية ان تكون صومعة المرحوم الشيخ العابد الأولى مدرسة دينية وحيدة في القرية ومعلم من رجال الدين الأتقياء. لا بل من شيوخ هذا القرن. وأن تكون صومعته الثانية مدرسة دينية رسمية لأولادنا ينهلون من العلوم الروحانية لكي يواصلوا مسيرة مشايخنا الأفاضل حسب منهاج الحكمة الشريفة وشروحات سيدنا الأمير قدّس الله روحه. وذلك بعد ان أصبحت مدرسة العرفان مؤسسة دينية ثقافية تربوية اخلاقية لأنها تربي لنا أجيال المجتمع لأننا بحاجة لهم في هذه الأيام كي نحافظ على جذور العقيدة والايمان. فهنيئاً لروحك يا شيخنا العابد. رفعتَ اسم الدين وعلّمت أبناءنا وها هو مقرّك اليوم بعد انتقالك من دار الفناء مدرسة دينية توحيدية.

توفي يوم الجمعة 13\10\1978 

كان يوم أجره يوماً قلّ ان جرى مثله في دالية الكرمل . الكبير والصغير من القرية وخارجها لم يتوقف لسانه عن قول الله يرحمك يا ايها الشيخ العابد الزاهد الطاهر الفاخر ويا حسرتنا من بعدك . فكان المرشد والهادي وبركة الدين وأهله والدالية والكرمل . وقد شوهد الكثير من المشايخ الذين جاءوا لتشييع الجثمان الطاهر حفاة الأقدام من الدالية وعسفيا وذلك لاكتساب الأجر كما ان الأكثرية من الرجال والشباب حتى التلاميذ جاءوا للإشتراك في يوم الوداع ومن هضبة الجولان والجليل وكافة القرى الدرزية وفي مقدمتهم فضيلة شيخنا ابو يوسف امين طريف الرئيس الروحي للطائفة الدرزية.

لقد قصدت ان أرثيه ولم أتمكن لضيق الوقت وكثرة الجماهير وهذه هي المرثاة حسب ما ألهمني الله به:
بسم الله الرحمن الرحمن الرحيم
ولا حول ولا قوة لإلا بالله العلي العظيم.
لقد شاءت الارادة الربانية ان تنقل هذه الروح الطاهرة في هذا اليوم المبارك الفضيل الى جواره وحيث يشاء بعد ان أضاء الكرمل وبلدتنا مدة سبعة وسبعين عاماً وهو لم يكلّ او يملّ من تعليم الشباب كباراً وصغاراً على الدين وشروحاته وآدابه فكان المعلم والمرشد والواعظ. علّم جيلاً كاملاً الصدق، الأمانة، التواضع، غض الطرف وحفظ الاخوان وعدم مضرّة الغير، ومسامحة المخطئ لكي يرتجع عن خطأه. كما كان امامنا هذه الكلمات: كن كيف ما شئت ان الله ذو كرم. وإن أخطأت ما عليك من بأسي إلا اثنتان لا تقربهما ابداً الشرك بالله والإضرار للناس . يا حسرتاه عليك ويا ذلّنا من بعدك. ماذا سنقول للأجيال القادمة وهل نستطيع ان نعدّد مناقبك وصفاتك لا ولا وسنكتفي بالشكر للواحد الأحد الذي أوجدنا بقربك وفي ايامك لكي نشاهد أنوارك ونحظى بتقبيل يديك ونسير على طريق الهداية التي أرشدتنا وعلّمتنا السير كما أردت. فأنت العابدالزاهد، والواعظ والمرشد الف رحمة على روحك الطاهرة يا شيخنا الذي لم يلقب بالعابد في بلادنا غيرك. وإلى جوار الأنبياء والصديقين في جنات الخالدين بإرادة رب العالمين. والحمد لله وإنّا اليه راجعون.


 
 
 
 
 
 

          

 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2019 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.