spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 90
كلمة العدد: الذين يأخذون، يوم الحشر، كتابهم بيمينهم لا بشمالهم
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 136
العدد 135
العدد 134
العدد 133
العدد 132


 
عطوفة الأمير مجيد أرسلان طباعة ارسال لصديق
بقلم الدكتور سلمان حمود فلاح

1904 – 1983

صادف في شهر أيلول الماضي، مرور أربعة عشر سنة، على وفاة المغفور له، الأمير مجيد أرسلان، وهو أحد بناة استقلال لبنان الحديث، ومن قادة الطائفة الدرزية وسادتها. ولد ونشأ في الدوحة الأرسلانية العريقة، التي أنجبت العديد من الزعماء والقادة والسياسيين والشخصيات الفذة، التي كان لها دور وشأن كبيرين في تاريخ الطائفة الدرزية، في تاريخ لبنان وفي تاريخ المنطقة، وقد نشأ الأمير مجيد، ينهل من معين أسرته وطائفته، ويتشرب الزعامة والقيادة، حتى أصبح أحد قادة لبنان في العصر الحديث. وقد برز  في دور تاريخي كبير،كان العامل الرئيسي في حصول لبنان على استقلاله،وذلك عام 1943 حينما اعتقلت السلطات الفرنسية أعضاء حكومة لبنان الشرعية، ووضعتهم في السجن، فأخذ الأمير على عاتقه عملية الصمود والمقاومة، وكان وزير الدفاع الوطني والقائد العام لقوات الحرس الوطني في حكومة ثلاثية مؤقتة، اتخذت مقراً لها بلدة بشامون الدرزية. ورفع علم لبنان، معلناً الاستقلال. وظلت هذه الحادثة وساماً على صدر الأمير مجيد والطائفة الدرزية لمدى سنين.
كان الأمير مجيد، أحد قادة دروز ثلاثة هم : الشيخ محمد أبو شقرا شيخ العقل، الأمير مجيد وزير الدفاع خلال ثلاثين سنة، والمفكر كمال جنبلاط رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي ومتقلد عدة وزارات. وبرز الأمير مجيد بمواقفه الوطنية، فقد ساهم مساهمة فعالة في جميع شؤون الوطن السياسية والاجتماعية والعمرانية بتجرد ونزاهة. وقام بمساعدة غير قليلة لغير أبناء الطائفة الدرزية، فقد كانت أبواب قصره في خلدة، وضهر الوحش، والمجيدية، وفي مكتبيه الوزاري والنيابي، مفتوحة دائماً لقضاء حاجات المواطنين الدروز، وسائر المواطنين اللبنانيين. ولم يرفض في يوم من الأيام أي قاصد، ولم يخذل مظلوماً.
 وقد اتصف الأمير بالاعتدال في الحرب الأهلية، التي بدأت عام 1975 في لبنان. وحاول بقدر الإمكان أن يمنع الاقتتال والصراع. وظل أغلب الوقت رسمياً، لكن وعندما وقفت الطائفة الدرزية أمام تحدٍ كبير، وأمام مصير شديد، تعالى وتكبّر وتسامى عن الأمور الشخصية، وانضم إلى معسكر السيد وليد جنبلاط، وقد كانت المنافسة شديدة  بين المعسكرين التي تعود جذورها إلى الغرضية اللبنانية، فدعا جميع مؤيديه إلى الوقوف صفا واحدا، باسم الطائفة الدرزية، والتصدي لمؤامرات العدو ومحاربتها والقضاء عليها.
وإن كان الأمير الأرسلاني، قد اتصف بصفات كثيرة وطيبة، فقد طغت صفات الإقدام والجرأة والنخوة فيه على غيرها من الصفات، في عهود تتطلب تغلب مثل هذه الصفات. فقد كان مركز وزير الدفاع الوطني ينقاد إليه في كثير من مجالس الوزراء المتعاقبة منذ فجر الاستقلال، وكان الأمير مجيد قد انتُخب للبرلمان لأول مرة عام 1937 وعمره ثلاثة وثلاثين سنة، وقام بأعباء وواجبات هذه الوظيفة على أحسن وجه، وأكمل حال، وقد تغيّر رؤساء الحكومات ورؤساء الجمهورية والوزراء، إلا انه ظل هو هو في مكان مرموق، وفي موقع حساس، وفي وضع استطاع فيه أن يشرف على الأمور الطائفية واللبنانية.
وهنا، لا بد لي من ذكر زيارتي للأمير مجيد في قصره بخلدة، في شهر أيلول سنة 1982. وعندما قدمت له كتابي تاريخ الدروز، وفيه ذكر فضله على لبنان واستقلال لبنان، الذي أعلنه الأمير في بشامون، فتح الكتاب، وقرأ هذه الفقرة، ونظر إلى الصورة في الكتاب، وهو يرفع علم الاستقلال، فترغرغت عيناه وقال: أنتم أصحاب الفضل يا أستاذ في تخليد تاريخ الدروز، وتذكرون ما فعلته للبنان، وتعلمونه في مدارسكم. ولبنان الذي منحته الاستقلال، لم يذكر هذه الحادثة في كتبه، ولا يعلمونها في المدارس. ونادى زوجته السيدة خولة جنبلاط،  فأتت بصورة الحصان الذي أهداه إياه عطوفة المغفور له سلطان باشا الأطرش، وأخذ القلم وبدأ يكتب لي تقدمة على الصورة إلا أن يده (المشلولة)  لم تساعده على الكتابة، فمسكت زوجته أصابعه وساعدته على كتابة التقديم. وفي النهاية أوصاني أن اكتب تاريخ حياته ونشاطاته، وقال: إذا كنت قد حصلت على صورة بشامون النادرة، فلا شك انك تعرف تاريخ حياتي أكثر من الأستاذ الذي أوكلته بهذه المهمة. وشاء القدر، ان توافيه المنية بعد بضعة أشهر ولم أحصل للأسف على المعلومات الكافية لكتابة مذكراته، ورأيت واجبا على نفسي أن أتذكر وصيته، واكتفي بهذا المقال تخليدا لذكراه، وتذكيرا لما فعله من أجل لبنان، ودروز لبنان والتاريخ. 
ومن قصر الأمير مجيد، توجهنا إلى بيت البروفيسور سامي مكارم، في بلدة عيتات، حيث قضينا ليلة ممتعة.

 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2017 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.