spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 51
مؤتمر الأديان في كوريا الجنوبية
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 137
العدد 136
العدد 135
العدد 134
العدد 133


 
يـوم الــقيـامة في مؤلفات المفكرين الدروز طباعة ارسال لصديق


في الأيام الفضيلة التي تسبق عيد الأضحى المبارك، يسود جو من حساب النفس ومراجعة الضمير، عند عدد كبير من الناس، ويثوب بعضهم إلى رشدهم، ويتوب البعض الآخر، ويفكر الكثيرون في ما هي غاية الحياة، وماذا يأخذ الإنسان معه، وما هو الأثر الذي يبقيه، وكيف يجب أن يترك الإنسان ذكراً طيبا بعد وفاته، وماذا يجب أن يعمل، كي يحالفه الحظ ويفوز بمكان جيد بعد يوم القيامة. وموضوع القيامة ونهاية العالم، هو موضوع عالجته كل الأديان، وتطرقت له، ومهدت له، وحثت كل الأديان كل مؤمنيها أن يعملوا لآخرتهم،وأن يقوموا بواجباتهم في هذه الحياة، حسب الأصول والمبادئ المتبعة، لربما يفوزوا بالعالم الآخر.
ومذهب التوحيد، يدعو هو الآخر، إلى تكريس الحياة الدنيا من أجل الحياة العليا، والعمل بكل طاقات الإنسان، كي يرضي الله والأنبياء، ويهذب أخلاقه وسلوكه، كي يضمن له مكاناً فيما بعد. وقد تناول ثلاثة من المفكرين الدروز في القرن العشرين، هذا الموضوع في بحوثهم، وهنا وفي هذا المقال المختصر، نتوقف عند بعض منشوراتهم، ونورد نبذا من أفكارهم وتحليلهم لهذا الموضوع.
المفكر الأول، هو الدكتور سامي نسيب مكارم، مؤلف وكاتب ومحاضر في الجامعات اللبنانية، وخبير على مستوى عالمي بالشؤون التوحيدية من كل جوانبها. وقد جاء في كتابه "مسلك التوحيد" الصادر في بيروت عام 1980، بناء على طلب من فضيلة الشيخ محمد أبو شقرا، شيخ عقل الطائفة الدرزية آنذاك، يقول فيه :" حضرة ولدنا الدكتور سامي مكارم المحترم، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد، فإن حاجة أبنائنا إلى معرفة تعليم دينهم ومناقبه الشريفة الحميدة، تدعونا إلى أن نرغب إليكم في تأليف كتاب يوجه مسلكهم وينير طريقهم ولا يتعارض مع آداب مذهبنا وتقاليدنا. إن كفايتكم وخبرتكم ومراعاتكم لما يجب، تطمئن إلى ما سيخطه يراعكم. والله تعالى يوفقكم إلى ما تشمل فائدته ويعمّ نفعه". وجاء في كتاب الدكتور مكارم ص 160:
" لا بد أن يأتي يوم تُخضِع فيه الإرادة الإلهية، قوى الشر وطبائع الضد وأعوانه ودعاته، ولا بد من أن يأتي يوم تٌملأ فيه الأرض عدلا وقسطا، ويسود الخير على الشر، والمعرفة على الجهل، والنور على الظلمة، فيتسنّى لأهل الخير أن يحققوا نفوسهم تلك، في الوحدة الأحادية، وأن يتوصلوا إلى اكتناه سر نفوسهم موحدة في الهوية الكلية، كل على قدر صفائه الروحي وقوة عقله وتجرد نفسه وتوجه هويته إلى الحقيقة المحض. ذلك هو يوم القيامة، قيامة الحق والخير والعدل والقسط، وسيادة الحق والجمال. وما المرحلة التي نعيش فيها الآن، يقول الموحدون، إلا مرحلة تمهد لذلك اليوم، وتهيئ لسيادة الحق واستقرار العدل وانبساط النور. إنه في هذه المرحلة الحاضرة، يتسنى للموحد أن يروض نفسه على ذلك الخير ويدربها على ذلك التوحيد في الهوية الكلية، ويهيئ عقله لتقبل مزيد من المعرفة، توصله إلى شهود الجمال الحق والخير المحض والوحدة الأُُحادية.  هذا إذا استطاع أن يوسع مداركه، وينمي بصيرته، ويحرر نفسه من الدوران حول الذات، الذي هو سبب كل تضاد، وأصل كل مخالفة، وعلة كل فساد. والمرء يستطيع ذلك إن هو اهتدى بتعاليم العقل وحدوده، واستجاب لدعوة الحق واهتدى بذلك النور الإلهي وتلك التعاليم التي ستوصله إلى الخير وتضعه في حالة من العرفان. إذاك يدخل دار الخلود ويفوز بالجنة ويبلغ النعيم الموعود..."
وقد تطرّق ليوم القيامة، المفكر الشيخ الدكتور أنور فؤاد أبو خزام، أستاذ الفلسفات الشرقية في الجامعة اللبنانية في كتابه : "إسلام الموحدين، المذهب الدرزي في واقعه الإسلامي والفلسفي والتشريعي" الصادر عن دار اليمامة، بيروت عام 1995، صفحة 319 :"... الآخرة هي مدينة فاضلة يحكمها الله مباشرة مع أنبيائه وأوليائه وحدوده، وفي هذه المدينة يتعايش أهل الجنة وأهل النار، وكل فائز يسعد بمقدار ما حصّله في الدنيا، وكل خاسر بمقدار صنيعه فيها. وتترتب درجات البشر وفاقا لهذه القاعدة، فيعمّ العدل والسلام الأرض بكاملها. ولا تختلف هذه المدينة التي يقول بها الموحدون عن جمهورية أفلاطون كثيرا، بل تستوحي حقيقتها من مبادئ هذه الجمهورية وقوانينها... والقيامة في فكر الموحدين قيامتان: قيامة صغرى وقيامة كبرى. القيامة الصغرى، هي موت الإنسان في حياته. أما القيامة الكبرى، فهي الحركة الكونية العظمى، التي تنهي أدوار الدنيا، وتفتح باب الآخرة... القيامة الكبرى مرحلة طويلة نسبيا، وتتفاوت خواطر الشيوخ حول مدتها. فبعضهم لا يجعل لها أمداً محدداً، لكن الجميع يعترفون بجهلهم لموعدها... اليوم الآخر هو هم الشيوخ الأول لكنهم يستدركون فيقولون : إذا كانت القيامة قريبة فالموت أقرب، وفي تراث الموحدين مجموعات كبيرة من الأحداث المتوقعة التي يعتبرها السالكون دلائل على اقتراب الموعد... وتحفل تقاليد الموحدين المتوارثة خطية كانت أم شفوية، بالأوصاف والحكايا حول اليوم الموعود. وتشكّل هذه المرويات قصة بطولية ضخمة موشاة بالأبيات الشعرية الحماسية، التي تجعل منها ملحمة شعبية حقيقية. قصة القيامة هي قصة أمل الموحدين في النهاية السعيدة، وعندما تقرأ في محافلهم ومجالسهم، تراهم يعيشون وقائعها ويتحسسون كلامها، وكأنها حقيقة كاملة تحدث أمامهم. وعندما ينشد السالكون أشعار التهيؤ لاستقبال القادم المنتظر، تجدهم يهزجون ويطربون وينتخون، وكأن القائم المنتظر حاضر بينهم... قصة القيامة عند الموحدين لا تستند إلى نصوص من تراثهم الديني المكتوب، إنها بمنزلة الضمير الجماعي. وعلى الرغم من تجنّب الشيوخ لتأكيدها وإثباتها، فإن مضامينها حية في وجدانهم، بل أكثر من ذلك، فمضامين قصة القيامة هي المرجع الذي تفسَّر من خلاله كل الحركات السياسية والاجتماعية والحربية، وحتى الفلكية منها تفسيرا يجعل هذه القصة المحور الذي تدور على أساسه هذه الحركات بأسرها. إن الإطار الغيبي يلف تحت جناحيه، كل ما كان وسيكون من أحداث، والتعليل الصحيح للحوادث بمنظور الموحدين يرتبط دائما بهذا الإطار"
ويعلق الدكتور الأستاذ، محمد خليل الباشا،مؤلف معجم أعلام الدروز، على موضوع الجنة والنار، في كتابه "الإنسان وتقلباته في الآفاق" الصادر عن دار نوفل، بيروت عام 1994 ص. 319: "إن الإنسان يحمل جنته وجحيمه على ظهره، وهما مرهونان بتصرفه وأعماله في حياته... إن العذاب لا نهاية له، ليس عذاب الأشخاص، بل مبدأ العذاب الذي يستمر ما دام ثمة على الأرض خطأ، لكنه يصيب كل إنسان، بحسب ما اجترح من ذنب وليس من أكثر. هذا المفهوم لعذاب ما يسمى جهنم، يتقبله الناس لأنه منطقي عقلاني، ويتفق مع عدالة الله السامية، وبهذا يكثر المؤمنون ويقل المشككون... إن الجنة التي ينعم فيها المؤمنون ثوابا، وجهنم التي يحرّق الكافرون فيها عقابا، فإن هما موجودتان بالقوة وجودا معنويا، لكي يستطيع العقل أن يتمثل فكرة عن آلام الخطأ، وعن سعادة المؤمنين الصالحين، لأن النعيم والعذاب إنما هما للروح لا للجسد، إلا أن الأرواح المتشابهة في مستواها تتجاذب وتتقارب فتكوّن جماعات يتعاون أفرادها بعضهم مع بعض، ويمكن أن نسمي مكان الأرواح المعذبة جحيما، ومكان الأرواح المنعمة جنة، وهذه الأرواح لها الحرية في أن تتجمع أو تتفرق وفي أن تذهب حيث تشاء في الحيّز الذي لا يعلو المستوى الذي هي فيه... الشعور بوجود العالم الآخر، راهن في ذهن الإنسان، لأن الروح قبل مجيئها إلى الأرض كامن هناك وتعلم بوجوده علما ما  زال موجودا في العقل الغير واعي، الذي يوحي على الدماغ أحيانا ببعض من مخزونه. مهما كانت نظرة الإنسان إلى الحياة الأرضية وتقديره لأهميتها، فهو يعر ف أنها قصيرة نسبيا وسريعة العطب، وهو دوما في خشية من غده، ويسأل نفسه إلى ما يصير بعد موت الجسد، وهذا القلق اللاورائي لا ينصرف إلا باعتقاد وجود عالم آخر، وإلا فهو العدم الرهيب، وهو ما لا يقبله العقل، لأن لا شيء في الوجود يذهب إلى العدم، بل إلى التحوّل المستمر، فكيف يمكن أن تكون روح الله الموجودة في الإنسان ذاهبة إلى العدم؟ ... العالم الآخر أو عالم الروح، هو الموطن الأصلي للإنسان، ثم أسكنه الله الأرض التي يمر فيها مرات تتكرر بالتقمص، ما دام بحاجة إلى التعاطي مع المادة الكثيفة، وكل من هذين العالمين مستقل عن الآخر، مع أن علائقهما متداخلة ومستمرة، ولكل منهما تأثير في الآخر، بما يتعلق بالإنسان. ليس للعالم الآخر موقع جغرافي معين، بحسب مفاهيمنا الأرضية، بل هو مجرد مستويات شتى من الاهتزاز. إنها عوالم موجودة في الفضاء الفسيح، تشغل الحيز نفسه الذي تسبح فيه الأرض والنجوم والكواكب وغيرها".
لقد أوردنا هنا اقتباسات قصيرة وموجزة، من كتب المفكرين الدروز الثلاثة، وربما نسيء بذلك إلى المؤلفين، إذ أننا أخذنا ما يعجبنا وما يهمنا، وكأننا اقتطعنا قطعاً من جبل كبير. ومن المستحسن للقارئ المعني، أن يعود إلى الكتب الثلاثة المذكورة، ليطالع ويقرأ ويتفهّم الإطار الواسع الذي اقتطعنا منه هذه الاقتباسات.   
 

 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2017 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.