spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 53
مقام الست خضرة في الزراعة في الكرمل
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 134
العدد 133
العدد 132
العدد 131
العدد 130


 
الساعات الأخيرة لسيدنا سقراط طباعة ارسال لصديق
ورد وصف دقيق، للساعات الأخيرة، التي قضاها سيدنا سقراط،، قبل أن يتناول السم، ويسلم الروح، بحضور بعض تلاميذه، ومنهم سيدنا أفلاطون، الذي سجل هذه الملاحظات، في إحدى محاوراته، وهي قطعة ختمت محاورة فيدون، وقد اقتبسناها من كتاب، "قصة الأدب في العالم" ، تصنيف أحمد أمين وزكي نجيب محمود، القاهرة 1943 ، الجزء الأول ص 246:
" ... نهض ودخل غرفة الحمام، بصحبة أقريطون، الذي أشار إلينا بأن ننتظر، فانتظرنا نتحدث ونفكر في أمر الحوار، وفي هول المصاب، لقد كنا كمن ثكل أباه، وأوشكنا أن نقضي ما بقي من أيامنا كالأيتام، فلما تم اغتساله وفدت نساء أسرته، فحادثهن وأوصاهن ببعض نصحه، على مسمع من أقريطون، ثم صرفهن وعاد إلينا.
"ها قد دنت ساعة الغروب، فقد قضى داخل الحمام وقتا طويلا، وعاد بعد اغتساله فجلس إلينا، ولكنا لم نفض في الحديث، وما هي إلا أن جاء السجان وهو خادم الأحد عشر، ووقف على جانبه وقال: " لست أتهمك يا سقراط بما عهدته في غيرك من الناس من سورة الغضب، فقد كانوا يثورون ويصيحون في وحهي حينما آمرهم بتجرع السم، ولم أكن إلا صادعا بأمر أولي الأمر. أما أنت، فقد رأيتك أنبل وأرق وأفضل ممن جاءوا قبلك إلى هذا المكان، فليس يخامرني شك أنك لن تنقم علي، فليس الذنب ذنبي، كما تعلم،إنما هي جريرة سواي ... وبعد، فوداعا، وحاول أن تحتمل راضيا ما ليس من وقوعه بد، وإنك لتعلم فيم قدومي إليك." ثم استدار فخرج منفجرا بالبكاء. فنظر إليه سقراط وقال:" لك مني جميل بجميل، فسأصدع بما أمرتني به" ثم التفت إلينا وقال: يا له من فاتن! إنه ما انفك يزورني في السجن، وكان يحادثني الحين بعد الحين، ويعاملني بالحسنى ما وسعته، أنظروا إليه الآن، كيف يدفعه فضله أن يحزن من أجلي، فلزام علينا، يا أقريطون، أن نفعل ما يريد. مر أحدا أن يجيء بالقدح إن كان قد تم إعداد السم، وإلا فقل للخادم أن يهيئ شيئا منه. فقال أقريطون: ولكن الشمس لا تزال ساطعة فوق التلال، وكثير ممن سبقوك لم يجرعوا السم إلا في ساعة متأخرة، بعد أن كانوا يأكلون ويشربون وينغمسون في لذائذ الحس، فلا تتعجل إذن إذ لا يزال في الوقت متسع."
"فقال سقراط: نعم يا أقريطون، لقد أصاب من حدثتني عنهم فيما فعلوا، لأنهم يحسبون أن وراء التأجيل نفعا يجنونه، وإني كذلك لعلى حق في ألا أفعل كما فعلوا، لأنني لا أظن أني منتفع من تأخير شراب السم ساعة قصيرة، إني بذلك إنما أحتفظ وأبقى على حياة قد انقضى أجلها فعلا، إني لو فعلت ذلك سخرت من نفسي. أرجو إذن أن تفعل ما أشرت به ولا تعص أمري. فلما سمع أقريطون هذا، أشار إلى الخادم فدخل، ولم يلبث إلا قليلا حتى عاد يصحبه السجان يحمل قدح السم. فقال سقراط: أي صديقي العزيز! إنك قد مرنت على هذا الأمر، فأرشدني كيف أبدأ؟ فأجاب الرجل: لا عليك إلا أن تجول حتى تثقل ساقاك، ثم ترقد فيسري السم، وهنا ناول سقراط القدح، فحدق بالرجل بكل عينيه، يا أشكراتس، وأخذ القدح جريئا وديعا لم يرع ولم يمتقع لون وجهه، هكذا تناول القدح وقال: ما قولك إذا سكبت هذا القدح لأحد الآلهة، أفيجوز هذا أم لا يجوز؟ فأجاب الرجل: إننا لا نعد، يا سقراط إلا بمقدار ما نظنه كافيا. فقال: إني أفهم ما تقول، ومع ذلك فيحق لي بل يجب علي أن أصلي للآلهة أن توفقني في رحلتي من هذا العالم إلى العالم الآخر، فلعل الآلهة تهبني  هذا؟ فهو صلاتي لها، ثم رفع القدح إلى شفتيه وجرع السم حتى الثمالة رابط الجأش مغتبطا، وقد استطاع معظمنا أن يكبح جماح حزنه حتى تلك الساعة. أما وقد رأيناه يشرب السم، وشهدناه يأتي على الجرعة كلها، فلم يعد في قوس الصبر منزع، وانهمر مني الدمع مدرارا على الرغم مني، فسترت وجهي وأخذت أندب نفسي، حقا، إني لم أكن أبكيه، بل أبكي فجيعتي فيه حين أفقد مثل هذا الرفيق، ولم أكن أول من فعل هذا، بل إن إقريطون، وقد ألفى نفسه عاجزا عن حبس عبراته، نهض وابتعد، فتبعته، وهنا انفجر إبولودورس الذي لم ينقطع بكاؤه طول الوقت في صيحة عالية وضعتنا جميعا موضع الجبناء، ولم يحتفظ بهدوئه منا إلا سقراط، فقال: ما هذه الصرخة العجيبة ؟! لقد صرفت النسوة خاصة حتى لا يسئن صنيعا على هذا النحو، فقد خبرت أنه ينبغي للإنسان أن يسلم الروح في هدوء، فسكوتا وصبرا، فلما سمعنا ذلك اعترانا الخجل وكفكفنا دموعنا، وأخذ سقراط يتجول حتى بدأت ساقاه تتخلخلان، كما قال،ثم استلقى على ظهره ، كما أشير له أن يفعل، وكان الرجل الذي ناوله السم ينظر إلى قدميه وساقيه حينا بعد حين، ثم ضغط بعد هنيهة على قدميه وسأله: هل أحس، فأجاب أن لا، ثم ضغط على ساقه، وهكذا صعد ثم صعد، مشيرا لنا كيف أنه برد وتصلب، ثم لمس سقراط نفسه ساقيه وقال: ستكون الخاتمة حين يصل السم إلى القلب. فلما أخذت البرودة تتمشى في أعلى فخذيه كشف عن وجهه، إذ كان قد دثر نفسه بغطاء وقال( وكانت هذه آخر كلماته) :إنني يا إقريطون مدين بديك لأسكلبيوس، فهل أنت ذاكر أن ترد هذا الدين، ثم سأله إن كانت لديه رغبة أخرى، ولم يكن لهذا السؤال من جواب، وما هي إلا دقيقة أو دقيقات حتى سمعت حركة، فكشف عنه الخادم، وكانت عيناه مفتوحتين فأقفل أقريطون فمه وعينيه."
"هكذا يا أشكراتس، قضى صديقنا الذي أدعوه بحق أحكم من عرفت من الناس، وأوسعهم عدلا وأكثرهم فضلا."   
 
 
 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2017 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.