spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 2
عودة الدروز: مسرحية كتبها الشاعر الإنجليزي روبرت براونينغ
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 158
العدد 157
العدد 156
العدد 155
العدد 154


 
كلمة العدد- وكأنهم.. ومن الواحات.. قادمون طباعة ارسال لصديق
وكأنهم.. ومن الواحات.. قادمون
وقعت في الأربعينات، حوادث شغب بن الشعبية والطرشان في جبل الدروز، وتألف وفد رفيع المستوى، من فلسطين ولبنان، هدفه السفر إلى الجبل لحل النزاع. اجتمع أعضاء الوفد على الحدود بين سوريا ولبنان، وكان يضم عددا كبيرا من المشايخ والأعيان، وفي مقدمتهم فضيلة الشيخ أبو حسين محمود فرج، وفضيلة الشيخ أمين طريف، والمعلم كمال جنبلاط. وقد اختار الوفد بالإجماع، فضيلة الشيخ أمين، ليترأس الوفد، فحاول أن يغير القرار، لكن الحاضرين أقسموا أن يكون هو الرئيس.وقد علم الطرشان بقدوم الوفد، فاجتمع عطوفة سلطان باشا الأطرش، مع مشايخ آل الأطرش، وقال للمجتمعين: " إن هذا الوفد القادم إلى جبل الدروز، لا يوجد أعلى وأرفع منه، إلا ذلك الوفد الموجود في الصين، فإذا رجع مكسور الخاطر، فسوف يعاقب الله من يسبب ذلك، نحن الطرشان، علينا عمل كل شيء، لإرضاء هذا الوفد الكريم..."
هذه هي الطائفة الدرزية. لا يوجد بحوزتها أساطيل تحارب بها، ولا آبار نفط تعتمد عليها، ولا مناجم ذهب في باطن أرضها، عندها مناجم ذهب بيضاء، وليست صفراء، تكلل هامات شيوخها وأعيانها ورجالها، هذه العمائم البيضاء الناصعة، هي أقوى من كل البوارج الحربية،ومن كل الكنوز المصرفية، ومن كل الأرزاق والسلع التجارية في العالم بأسره. إذا اجتمع لفيف من المشايخ في مكان ما، بقوتهم أن يفعلوا الكثير الكثير، ما لا تستطيع أن تفعله جيوش ودبابات وطائرات وغيرها. فقوة الإيمان المستمدة من هذه العمائم، يمكن أن توازي قوة جاذبية ألأرض، في مفعولها ونفاذها وقوتها وتأثيرها، وهذا الأمر صحيح بالنسبة لأي تجمع بشري مكثف، لكنه أكثر صحة بالنسبة للطائفة الدرزية، فهذه الطائفة أثبتت على مر التاريخ، أنها عندما يجد الجد، وعندما تنتهي كل وسائل التلاطف والحديث والتفاهم، ولا يبقى إلا السيف، عندها تعرف الطائفة الدرزية كيف تتوحد، وكيف يقف كل قادتها وزعمائها وأعيانها، جنودا وراء ذلك الزعيم، أو القائد الذي اختاروه. وعندما نتصفح أوراق التاريخ، نجد صفحات كثيرة مشرقة زاهية لامعة، تتلألأ في وهج الماضي، تشهد بأن هذه الطائفة المتفككة، المقسمة، المتأخرة، المتصدعة، تعرف في ساعة الصفر، كيف تتحول إلى عاصفة هوجاء، وكيف تنقلب إلى كتلة من الفولاذ، وكيف تجتاح ما يجب اجتياحه، لكي تحافظ على كيانها وكرامتها. ونحن، لا يساورنا أي شك، أن الطائفة الدرزية، إذا واجهت في يوم من الأيام، خطرا عسكريا، فإنه بمقدورها، وبعونه تعالى، أن تتمكن من التغلب عليه، وتجاوزه، والانتصار عليه، ربما مع بعض الجهد والعناء، ولكن بالتأكيد. وهذا الموضوع ، أي الخطر العسكري، لا يقلقنا ولا يخيفنا، ولا يقض مضاجعنا، إنما ما يزعجنا، وما يثير اهتمامنا، وما نخشاه ونخاف منه، هو التفكك الداخلي المتفشي فينا.
 نحن طائفة لها مواقف، ولها أمجاد، ولها زعماء، ولها قيادات، ولها ماض ٍ عريق تفتخر به، ولها حكمة شريفة تضحّي بكل وجودها للمحافظة عليها، ولها تعاليم راقية، ولها مذهب حنيف، ومبادئ سامية، وتنحصر عندها كل الأخلاقيات العامة، في عبارة واحدة، غُرست في صميم مذهبها، وفي قلب وجودها، وفي أسس كيانها، لتكون مشهداً ومناراً وعلما تسير وراءه، لكنها لا تتقيّد به تماما، ولا تقوم بتنفيذه، هذا المذهب،وهذه العبارة، وهذه الوصية،  هي مبدأ "حفظ الإخوان". هذا المبدأ الأخلاقي السامي، الذي فُرض علينا فرضاً، والذي نسمع الوعظ إليه في كل جلسة دينية، والذي نقرأ عنه في كل مطالعة توحيدية، والذي نطالب أبناءنا وأولادنا بتنفيذه، والذي نوجّه طلابنا إلى التقيد به، قليلا وقليلا جداً، نتبّاه نحن بأنفسنا، ونقوم فعلا بتنفيذه، وقلما نعمل بموجبه وقلما نحترم وجوده.
إن سلامة طائفتنا، كطائفة وكقوم وكمجموعة لها كيان ووجود، مرهونة بمشيئة الله سبحانه وتعالى، فنحن على استعداد أن نقاتل ونحارب ونضحي ونعمل كل شيء، لكي نحافظ على وجودنا. لكن ذلك لا يتعلق بنا، وإنما بالمشيئة الربانية، ونحن نقبل كل ما كُتب ويُكتب علينا، ونحن نسلم ونرضى بالأمر الواقع بعد أن يقع. وكما قلنا، موضوع سلامتنا وبقائنا ووجودنا لا يقلقنا، فهذه أمور مصيرية ربّانية قدرية، ليست من اختصاصنا. ما يهمنا وما يعنينا، في هذا السياق، هو أن نعلم أنه بإمكاننا أن نجعل من وجودنا وجودا له معنى، وبقدرتنا أن ننجز ونحقق في حياتنا أكثر مما هو موجود، وعندما تدعونا تعاليمنا للتعاون والتكاتف والتعاضد، فهي ترشدنا إلى تحقيق مكاسب جماعية أكثر وأكثر. وفي كل العالم يتعاون أبناء دين واحد مع بعضهم البعض، وفي كل مكان يتقاسم أبناء طائفة او قرية أو أي مجموعة بشرية، ما خُصص لهم بالإنصاف والتساوي إلا عندنا. نحن نفعل المستحيل لكي يحطّم واحدنا الآخر، نحن نتغنى بالأخوة وبالتعاون، ونخذل ونخمد الذين يبرزون بيننا، بدل أن نشدّ على أيديهم، وبدل أن نتكاتف ونتعاون معهم، لكي يتقدموا ونتقدّم معهم أكثر. إذا صادف وحصل أحدنا على مركز ما، أو وظيفة قيّمة، فلا يهدأ لنا بال، ولا نطمئن، ولا نرتاح، إلا إذا بعثنا عشرات الرسائل والمكالمات والبرقيات، إلى المسئول عن هذا التعيين، فبدل أن نشكره ونحييه، لأنه قام بتعيين واحد منا في هذا المنصب الرفيع، نبدأ بالتعجب والاستهجان والتحريض والتشهير بهذا الشخص، وكيف يتخذ هذا الإنسان قرارا غير حكيم كهذا، بتعيين هذا الشخص في هذا المنصب في هذا الوقت. وتكون النتيجة أن يعيّن هذا المسئول، واحدا منا من فريق آخر، وتتكرر معه نفس العملية، فتصله مئات التوجهات، تستنكر هذا التعيين وتستهجنه. وفي المرة القامة، نجد أن هذا المسئول، لا يعرف كيف يرضي الدروز، ولكي كيف يأمن هدوءهم وعدم تهجمهم عليه، فيعين في المرة القادمة، في نفس المنصب، إنسانا من طائفة أخرى. عندها نهدأ، نرتاح، نسكت ونبدأ بيننا وبين أنفسنا، بالتذمر والتشكّي والإحتجاج أننا لانصل إلى مناصب عليا، وأننا مظلومون، وأننا مضطهدون، ولا يخطر على بالنا،  ولا ندري، ولا نستوعب، أننا نحن المسئولون، وأننا نحن المذنبون، وأن المشكلة هي في صميم واقعنا.
ونعود إلى هذا الإنسان، الذي تعين في منصب رفيع، فعندما يسمع أن رد الفعل عند الأغلبية الساحقة من أبناء طائفته،كانت ضد تعيينه، يتخذ بدوره موقفا عدائيا منا، فبدل أن يعين أشخاصا من عندنا، في مناصب في مكتبه، يخشى بدوره أن يحاربوه، وأن ينافسوه من الداخل، فيمنع كل تعيين، وإذا صدفة، وُجد في تلك المؤسسة، مواطن درزي في مركز أقل من مركزه، وكان متواجدا قبل تعيينه، فإنه يفعل المستحيل، لكي يقصيه عن تلك المؤسسة. والقراء الأعزاء، وهم يقرأون هذه الكلمات، تتبادر إلى أذهانهم، عشرات الحالات، وعشرات الأشخاص، الذين حدث معهم بالضبط ما نقوله، وما نتألم ونشتكي منه.
 ونحن في بيوتنا، وفي قرانا، وفي مؤسساتنا الداخلية، نتذمر ونشتكي ونصرخ ونستغيث، أننا مظلومون ومضطهدون، وأننا لا نحصل على حقوقنا، وأننا نقوم بكل واجباتنا، وأننا نضحي بدمنا ودم أولادنا، وأننا نسدد كل ديوننا، وأننا نفي بكل التزاماتنا، وأننا نسارع، وتهبّ ونستجيب لكل طلب مساعدة، وأننا نبذل الغالي والرخيص من أجل الكيان الذي نعيش فيه، وفي المقابل، لا نحصل على ما يحق لنا، ولا على ما يجب أن يتوفر لدينا كمواطنين. ونحن ننسى، أننا بأم أيدينا، وبلساننا، وبتصرفاتنا، وصلنا إلى ما وصلنا إليه. فطالما نحن نعيش في نعيم وفي رخاء وفي استقرار وفي هدوء، ننسى كل المبادئ، ونتغاضى عن كل القيم، ويصيبنا البطر، فلا نجد ما يلهينا، وما يشبع غرائزنا، إلا أن نحطم واحدنا الآخر.
وهذا الوضع يتغير ويختلف فقط، عندما نشعر باقتراب مأساة. عندها نتعاون ونتكاتف ونصد هذا الخطر، وبعد ان يزول، لا نتعلم درسا من ذلك، ولا نأخذ عبرة مما حصل، ولا نفهم أننا يجب أن نغير طريقنا ومساعينا، ونعود إلى عادتنا القديمة، وهذا أمر مؤسف، محزن، كئيب ومأساوي.
لذلك شعرنا بالفرحة والغبطة والأمل والتفاؤل، عندما شاهدنا جموع المشايخ الأفاضل الأجلاء، تغمر سفوح الكرمل، في الزيارة التاريخية العظيمة، التي جرت في العاشر من تشرين الثاني، عندما استضافت قرية دالية الكرمل، مشايخ البلاد، الذين قاموا بزيارتها ومباركتها بوجودهم، فهبّت قرية دالية الكرمل، تستقبلهم وتسعد بحضورهم، وتستأنس بلقائهم. وشعر كل كبير وكل صغير من القرية، وكأن المشايخ الأجلاء، الذين توافدوا مشكورين إلى دالية الكرمل من الجليل والجولان، كأنهم من الواحات قادمون، وشعر كذلك، أنه ينتمي إلى دوحة عظيمة، وإلى طائفة عريقة، وإلى جماعة فاخرة، وأحس كل إنسان، بالزهو والعظمة والكبرياء، وتمنى أن يكون في تكرار هذه الزيارات، بعض العلاج لنا من الأوضاع والأمراض والرسوبات، التي نعاني منها. فحبذا لو نرى في هذه الزيارة، نقطة تحوّل، ونقطة انطلاق، لتغيير مجرى تفكيرنا، وتصرفاتنا، وحبذا لو تبنينا قول عطوفة سلطاننا، الذي واجه في حياته، أخطار القنابل من الطائرات، والرصاصات من البنادق الموجهة إليه، وكل أنواع النيران والمدافع والأسلحة الفتاكة، فلم يهب ولم يخف ولم يخشَ ولم يحسب حسابا، لا لفرنسا، ولا لجيوشها، ولا للنازيين، ولا للأتراك، ولا للجيوش الجرّارة، ولا لرؤساء الحكومات، ولا للأباطرة، ولا للملوك ،ولا للجنرالات. لكنه، وعندما سمع، أن وفدا من المشايخ الكرام، آت ٍ إلى الجبل، ارتعش ذلك القلب الحي بداخله، وتحرّكت العاطفة في أحشائه، وفهم، أن عمامة الشيخ أمين طريف وعمامة الشيخ أبو حسين محمود فرج، وباقي العمائم، لها قوتها، ولها مفعولها، ولها سلطانها. فإذا ارتعش سلطان، وهو من أشجع شجعان الدروز، فمن نحن، كي لا  ترتعش فرائصنا، ومن نحن، كي لا نحسب الحسابات، ومن نحن كي لا نغير مواقفنا، ومن نحن كي لا نصحح خطانا!!!


وكل عام وأنتم بخير..

سميح ناطور

دالية الكرمل
كانون اول
  2007
 
التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2021 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.