spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 61
كلمة العدد: وهم في طريقهم إلى الواحات...
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 134
العدد 133
العدد 132
العدد 131
العدد 130


 
كلمة العدد: كي لا يضيع هذا المجد هباءً طباعة ارسال لصديق
كي لا يضيع هذا المجد هباءً
تحدّث السيد هاشم الأتاسي, أحد رؤساء الجمهورية السورية السابقين, ذاكراً أن خلافاً مريرا,ً وقع بين الملك عبد العزيز بن سعود, عاهل المملكة العربية السعودية, وبين الإمام يحيى ملك اليمن . وقد استفحل الخلاف لدرجة, ان حرباً كادت ان تقع بين الدولتين, فاجتمع بعض رؤساء الدول العربية لبحث الأمر, وتوصلوا الى نتيجة, ان الإنسان الوحيد, الذي يمكن ان يحسم الخلاف, ويحل القضية بين العاهلين, هو الأمير شكيب ارسلان, الذي كان معروفا, بأنه مقبول على معظم ملوك العرب والإسلام . ولما تدخّل الأمير شكيب تم,ّ بعونه تعالى, فضّ الخلاف, وتدارك الموقف, ووفر ذلك على الدولتين, حسب قول السيد هاشم الأتاسي, إزهاق ارواح كثيرة, وبذل مبالغ ومصاريف باهظة, فسُوِّيت المشكلة, وساد الوئام والهدوء, شبه الجزيرة العربية, بفضل مساعي الامير.
طبعا, ليس هذا غريبا على ابناء الطائفة الدرزية الكرام, الذين اذا مات منهم سيد قام سيد, وكل سيد منهم, هو بمثابة قطب وزعيم ورئيس وقاضٍ ومحكِّم. ويشهد التاريخ, ان عشرات الشخصيات الدرزية, تبوأت مراكز عالية, وقامت بخدمات جلى, اولا لطائفتها ولشعبها وبعدها للغير . لقد دأب الزعماء الدروز, على تدارك الامور قبل وقوعها, لكن ان حصل ووقع ما لم يكن بد من وقوعه, تسارِعُ قوى الخير الى حسم الموقف, وحل المعضلة, وتسوية الامور, وما اكثر الشواهد على ذلك في ربوعنا. فبين الفينة والفينة, تشهد قرانا, وقوع شجار عنيف, يؤدي الى كارثة, فتضطرب الامور وتتعكر الاجواء, وتنذر بوقوع شر كبير . لكن الله, سبحانه وتعالى, يسّر لهذه الطائفة, العناصر الخيِّرة, التي انتُدبت من اعلى, لتحافظ عليها, فما ان يقع خلل, او تتعكر اجواء, فإن الزعماء, اصحاب الخير يشحذون الهمم, ويسارعون الى حسم الموقف وضبط الامور.
 هكذا كان سلطان الاطرش, وكمال جنبلاط, وكمال كنج, وصالح خنيفس, وهكذا يعيش بيننا فضيلة الشيخ موفق طريف, وباقي المشايخ والسادة الكرام, الذين يكوِّنون لجان الصلح, عند وقوع مشكلة في احدى القرى. هذه العملية المنبثقة من داخل المجتمع المعروفي, تعبّر عن احلى آيات التضحية والتسامح والتجاوز والغفران. وكم شهدنا مواقف عقد راية وتنفيذ صلح, وتسجيل حل سلمي لنزاع دموي, بين اطراف كانوا بالأمس من الدِّ الاعداء, الواحد للآخر, وأصبحوا اليوم, بفضل مساعي الصلح, وبفضل تدارك وحسم القضية, إخواناً متعاونين ومتكاتفين ومساعدين الواحد للآخر .
 وعادةً  تنطلق مشكلة كبيرة من شرارة صغيرة, واحياناً تكون هذه الشرارة تافهة, ولسيت ذات اهمية, فلو كان الخلاف على موضوع كبير ومهم, لاعتبرنا ان هناك دوافع تبرر هذه المواقف, لكن معظم حوادث القتل والاعتداء, تبدأ لأسباب تافهة وليست ذات اهمية, لكنها كافية لأن تسبب العواقب الوخيمة, والنتائج السلبية والمحن والكوارث . إن معظم المشاكل, سببها التهور, وعدم التفكير, وعدم الانضباط, والتسرع في رد الفعل, ونحن احيانا, نعلق اهمية, ونعطي معايير لأمور غير مناسبة . فإذا وقعت مشادة كلامية بين شابيْن في الشارع العام, فبدل ان نهدئ الخصميْن, نتصرّف وكأن كل الأعين في العالم تشاهد موقف الطرفين, وسيُكتب العار على المتخاذل فيهما الى الأبد. ولو عرفنا ان التجاوز عن الإساءة فضيلة, وان المسامحة والغفران هي من شيَم الرجال, وأن عدم الرد على التحرش, يتطلب شجاعة وقوة وبأس, اكثر من الرد, وأن ضبط النفس, فيه قوة وحكمة ودراية اكثر من رد الفعل, وأن كل هذه الأشياء موثوقة ومصادَق عليها من قِبَل تعاليم مذهبنا الحنيف, ومن قبل ارشادات اوليائنا وانبيائنا. وكثيرا ما نسمع الخطيب حين يصلي على جنازة, يتوجه الى الله, سبحانه وتعالى, طالبا منه, بالنسبة للمتوفى, ان كان مسيئا, ان يتجاوز عن سيئاته, وهذا ما يفعله الله, سبحانه وتعالى عادة, فكم حري بالإنسان العادي, والشاب الصغير, ان يفعل ما كان الله سبحانه وتعالى قد يفعله. انها قمة الفضيلة, وصميم الشهامة, وعميق الكرامة, ان يقابل الانسان الإساءة بالإحسان.
 إن هذا ما نتوق اليه, وما نرجوه وما نتوخاه من ابناء مجتمعنا ومذهبنا وطائفتنا, والتاريخ يذكر ويسجل حوادث شتى, لأناس ذُكروا بتجاوزهم وتمنّعهم وضبط انفسهم. لكن الواقع يختلف, فنحن مجتمع شرقي حاد الطباع, سريع الغضب متهوِّر, لا يفكِّر, ينجرف وراء العاطفة, ويرضخ للغرائز الدنيئة, ويندفع وراء العنف والشدة والقساوة. وهذه الصفات, هي دلائل الانسان الضعيف, العديم الثقة بالنفس, فلكونه لا يثق بنفسه, يسارع الى الضرب, ولكونه لا يستطيع ان يوضِّح مواقفه شفهياً, يلجأ الى العنف, ولكونه لا يستطيع ان يفكر او يدبر او يتروّى, يعمد على رد الفعل السريع المؤقت الآني. فهذا الانسان, بمحاولته ان يكسب كل شيء, هو يخسر كل شيء,  وتظل التطلعات بعيدة المدى, مجرد اضغاث احلام ولا تحقق نتيجة. وعندما تقع مشكلة, وعندما تتكدر الاجواء, وعندما تختلط الامور, فلا نعتقد ان هذه الامور قد فلتت من ايدينا, وان لا رادع موجود في حياتنا, فنحن والحمد لله, ما زلنا بخير, ولدينا القدرة والكفاءة الداخلية وشبه الداخلية, لأن نرتب امورنا بما يفيدنا ويحمينا, فقد أنعم الله, سبحانه وتعالى, علينا بمؤسسة فريدة من نوعها لها قيمة وقدرة لا تثمن هي مؤسسة لجنة الصلح. 
وقد عشنا في الخمسين سنة الأخيرة ونحن نسمع عن لجنة الصلح التي ترأسها المرحوم الشيخ صالح خنيفس والتي عقدت رايات الصلح في عشرات القرى وبذلك ساد الهدوء والسلام تلك القرى, وفي أيامنا, تتواجد لجنة صلح, يرأسها فضيلة الشيخ موفق طريف, وتضم نخبة ممتازة من الشخصيات الدينية والوجهاء والأعيان. وقد قامت هذه اللجنة, بعقد راية الصلح في قرية كسرى, وفي الأسبوع الأخير عقدت الراية في دالية الكرمل. وهذه الجهود التي يقوم بها اعضاء لجان الصلح, تتطلب من كل عضو, ان يخصص وقتا,ً وأن يكرِّس جهودا,ً وأن يبذل نفقات السفر والمكوث الطويل, وان يحرق جهوده وأعصابه في إقناع هذا او ذاك ، في التوسل احيانا وفي الجزر أحياناً ، في الرقة احيانا وفي الموقف الصارم احياناً اخرى, وكم من الساعات أُهدرت, وكم من الليالي ضاعت, وكم من الاوقات ذهبت في سبيل إقناع شخص واحد, او جهة واحدة بواجب قبول الصلح وشروطه. وإذا علمنا ان كل هذه المساعي والجهود هي مجانية, ولوجه الله ومن اجل عمل الخير, لذلك يمكننا ان نعتبر ان اعضاء لجان الصلح, هم قمة هذا المجتمع, وهم صفوته المختارة, وهم اصحاب الفضل والشهامة والنبل ، الذي يحرقون انفسهم كي يحافظوا على روح انسان او بيت انسان اخر او ملك انسان ثالث. وهم يعملون كل شيء, كي لا تستفحل الامور, وكي تظل في نطاق الإلتزام وضبط النفس. وتشهد قرانا والقرى العربية الاخرى, ان هناك خلافات دموية, لم تستطع لجنة الصلح ان تضبط الامور في بدايتها, فسقط من الطرفين عدد من القتلى, وهُدمت وحُرقت عدة بيوت, وتشرّدت وأُجليت عائلات, وفي النهاية, عاد الطرفان وتوصلوا الى حل, وعُقدت الراية البيضاء بينهما, ولو كان هذان الطرفان قد تنازلا في البداية, لتوفرت عليهما جهود كبيرة.
إن هذه المواقف التي يحدث فيها قتل او اعتداء في قرية من القرى, هي مصيبة وكارثة للمعتدي والمعتدى عليه, ولا ينجو منها احد, وليس فيها كاسب وخاسر, او منتصر ومخذول, وليس فيها شرف او ذل, وليس فيها احترام او احتقار, وليس فيها بطل او جبان ، بل فيها مأساة كبيرة للطرفين, وفيها توقف وشلل في مسيرة عائلتين كبيرتين, وفيها قلق وفيها تخوّف وتحسب, وفيها نكسة تعيد المصاب بها سنوات الى الوراء. وأهم من كل ذلك, انه لا يوجد فيها واحد رابح مستفيد, فالجميع في عداد الخاسرين. فالقاتل، ومهما كانت الدوافع والاسباب والمبررات لصالحه, سيظل يُعتبر قاتل,ا حتى لو عُقدت الف راية صلح, وبرأته الف محكمة, فهو امام الله وامام الناس وامام نفسه, قد أزهق روحا, وسيظل هذا الموضوع يؤنبه ويلازمه ويلاحقه طوال حياته, حتى ولو تظاهر امام الناس بغير ذلك. والمقتول خسر حياته وطريقه في لحظة. وأهل القاتل سيتحملون كل اعباء هذا القتل, بما في ذلك الترحيل والخسارة المادية وشل حياتهم العادية وحياة القلق والتخوف. وأهل القتيل فقدوا الكثير, والقرية التي يسكنون فيها, تعيش جوا من التوتر. وأقارب الطرفين مشغولون كل في موقفه بأوضاع اقاربه . وإذا جئنا نبحث عن المستفيد لن نعثر عليه  ولن نجده ابداً ، اذن لماذا وكيف سمحنا لأنفسنا ان نفعل ما حدث؟  ولماذا لا نتروى قليلا؟ ولا نتريث ولا نفكر؟ قبل ان نفعل ما فعلناه؟ ان تاريخنا وتاريخ  قرانا ومحيطنا زاخر بحوادث كهذه واذا تقصينا الحقائق نجد ان الكل نادم على ما حدث وأنه في حين وقوع الحدث وبعد ذلك وبعد مرور فترة ليس هناك من يفخر بهذا الحدث وإنما فيه ما يجلب الندم والعار فلماذا لا نعتبر؟ ولماذا لا نفكر؟ ولماذا لا نتعلم من اخطاء الغير.
 اننا نتوجه الى الشباب, ونقدر فيهم الحماس والرجولة والعنفوان والبطولة والزهو والخيال والأنفة والكبرياء والعِزة والكرامة, وكل سمات البطولة والقوة والفخار ونقول لهم : ان البطولة هي في ضبط النفس, والكرامة في التسامح, والشهامة في التجاوز، والعزة في التغاضي, والسؤدد في ان يتروى الانسان في تفكيره وتصرفه, وأن كل ما يفكر به انه بطولي هو تخاذل وجبن وضعف, فالضرب واستعمال العصا والغضب والحقد والشتم هي خصال منبوذة في الانسان, وهي لا تعبِّر عن قوة شخصية او عن موقف محترم, فكثيراً ما نشاهد انسانا محترماً غاضباً, فنحيد النظر عنه, لأننا لم نتعود ان نرى هذا الانسان في هذا الوضع الغير مريح. ونحن نقيس زعماءنا ومشايخنا وقادتنا, برزانتهم وهدوئهم ووقارهم, وأي حركة تسرُّعية فيها نقص, وفيها خذل وفيها عدم احترام. صحيح اننا طائفة شرقية الطباع سريعة الغضب, وقد تأثرنا بالتعاليم والعادات السائدة حولنا, لكننا في نفس الوقت نتمتع بمذهب له تعاليم أخرى, تدعو إلى المحبة والتسامح وعمل الخير وغض النظر عن بعض التجاوزات, وعلينا أن نتبع هذا الخط وهذه التعاليم, وليس ما يناسب الشارع والرعاع وحثالة المجتمع.
تاريخنا يشهد, أننا طائفة تقدس الرجولة والبطولة والشجاعة والإقدام والجرأة, لكن في الذود عن الديار, وفي الدفاع عن الأرض والعرض وصد المعتدين. وقد كانت هذه طريقنا منذ البداية, ومنذ ألف سنة ولت, حينما صدحت في مصر المعزية, بشائر التوحيد, وغرست في نفوس المؤمنين, بذور التقوى والدين والعزة والكرامة. وهذا هو شاعرنا الكبير, إبن حيوس الذي رافق قائدنا نشتكين الدزبري وأميرنا المبجل رافع بن أبي الليل, في الذود عن الموحدين والتوحيد وهو يقول:
إن كان هذا المجد في الأقوام مكتسباً
فإنه فينا مولود ومكتسب
لذلك علينا أن نعمل, كل ما باستطاعتنا, لكي لا نضيع هذا المجد هباء...

وكل عام وانتم بخير


سميح ناطور


دالية الكرمل
ايلول 2003


 
التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2017 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.