spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 93
الـــــست جِـــــــندلـــــة (ر)
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 140
العدد 139
العدد 138
العدد 137
العدد 136


 
كلمة العدد: عندما غيرت المقصات وجه التاريخ طباعة ارسال لصديق
عندما غيرت المقصات وجه التاريخ

جاء في مذكرات احد السياسيين الأردنيين, أن مواطناً أردنياً بسيطاً, اسمه احميدان, تجنّد للشرطة الاردنية, منذ بداية حياته, وخدم بأمانة وإخلاص وتفانٍ, وظل في نفس الدرجة كل الوقت. وعندما اقترب من التقاعد, بعث برسالة الى جلالة الملك حسين, يطلب ترقيته, كي يتقاضى عند تقاعده أجراً أكبر. وافق الملك, وجاء الضابط المسؤول عن احميدان وقال له :" مبدئياً وافق الملك, ولكن من أجل البروتوكول, علينا أن نسألك بعض الأسئلة الأولية, لكي تأخذ الدرجة عن استحقاق. فسأله مثلا, إنْ هوجم من قِبل أحدهم وجهاً لوجه, او اذا هوجم من الخلف ماذا يفعل, فأجاب بجدارة. ولما سأله, ولو هوجمتَ من اربع جهات في نفس الوقت  ماذا تفعل؟ تردد احميدان قليلا وفكر وفكر, ثم قال :" شو هالمملكة اللي بدها احميدان يحميها كلها!!"
احميدان يعيش فينا وبداخلنا يوماً بعد يوم, ومجتمعنا زاخر بالشخصيات الفلولكلورية التي يمكن ان تكون عبرة ودرس للجميع. فاحميدان هذا الإنسان البسيط, الذي لا نشك في صدقه وأمانته وإخلاصه, ألقيتْ على عاتقه بهذا السؤال مهمة أكبر مما يستطيع ان يتحملها, وهنا يكمن بيت القصيد. وقد تذكّرنا هذه الطرفة, ونحن في خضم المعركة الانتخابية الحاسمة للسلطات المحلية في بلادنا, ونحن نكتب هذه الكلمات, بعد ان قطعنا المرحلة الاولى من الانتخابات, وقبل ان تحسَم المعركة في الجولة الثانية, ولا ندري من سيربح, ومن لا يربح, وهذا ليس هو المهم . المهم هو ان نتوقف بضع هنيهات, لنستعرض بعض الظواهر والتحولات والتغييرات, التي طرأت على مجتمعنا, منذ بدأ ينتخب السلطات المحلية وحتى اليوم.
إن منْ عاش أجواء المعركة الانتخابية في الكرمل في الأسابيع الأخيرة , يشعر بصورة عامة, بفخر واعتزاز وغبطة, لأنّ الأجواء كانت عادة حضارية, ديمقراطية، ثقافية وعلى مستوى رفيع, ما عدا بعض التصرفات الشاذة هنا وهناك, من قِبل مرشح, او من قبل مصدر مغرض, كان فيها بعض التلويث في الانتخابات. وقد تعوّدنا في عهد الانتداب, وبعد ذلك, ان تعيِّن السلطات مختاراً او أكثر, لإدارة شؤون القرية. وفي الظروف التي كانت تعيشها القرى الدرزية في ذلك الوقت, كانت وظيفة المختار مناسبة, وكان يتبوأ هذا المركز, وجهاء لهم مقدرة اقتصادية واجتماعية وقيادية, لإدارة هذا المركز, الذي لم يكن سهلاً. فالمختار كان دائماً, في صراع بين متطلبات السلطة وبين متطلبات الناس, ولم تكن هذه ولا مرة في مسارٍ واحد, وإنما كان فيها الكثير من المتناقضات. وكان على المختار, أن يتمشى بين حبات المطر, بدقة وبحذر, لئلا يتبلل, لكن كثيرا ما انهمرت عليه هذه الحبات واضطر الى البلل. ومع هذا, قام المخاتير مشكورين, بواجباتهم على أحسن حال, وأفضل وجه, حسب ما كان بقدرتهم العقلية والفكرية ان يفعلوه. وبعد ذلك انتُخبت سلطات محلية في نطاق المجلس المحلي, في كل قرية وقرية, واستمرّ طابع المخترة سائداً في نطاق المجلس المحلي المنتخب, وبقينا في تفكيرنا الأساسي, ان رئيس المجلس, يجب ان يكون في الدرجة الاولى, صاحب ديوان وصاحب بيت مفتوح, وليس بالحصر ان يكون ادارياً ومنظِّماً لشؤون القرية المعقّدة. وقد استطاع معظم الرؤساء, وأعضاء المجالس المحلية, الذين انتُخبوا, ان يرعوا شؤون القرى, ويجعلوها تسير بشكل ما, في ركب الحضارة والتقدم. وفي الآونة الأخيرة, وقعت علينا صاعقة الدمج, ونقول صاعقة, ليس لأن ظاهرة الدمج هي سلبية, إنما هي ايجابية جداً, وحبذا لو انها نُفذت في كافة قرانا, ونقلت هذه القرى الى مستوى القرن الواحد والعشرين. الوجه السلبي لقضية الدمج, يكمن في إنزالها علينا كالصاعقة, وقد كان هذا خطأ في التفكير وفي التعامل, من قبل المسؤولين في وزارة الداخلية الذين قرروا بين عشية وضحاها, تنفيذ هذا الموضوع باي شكل.  لقد فوجئ سكان القرى بهذا الموضوع, وجوبهت هذه الخطوة بتردد ومعارضة, فلا يمكن خلال فترة أشهر, تكسير ومحو كل الأطر القديمة, التي تعوّد عليها الناس, والدخول في بوتقة جديدة غير واضحة وغير مضمونة النتائج.
 إن لكل قرية من القرى الدرزية طابع خاص, وواقع منفرد وظروف مميزة وأوضاع مختلفة, وفي داخل كل قرية, تعددية من العائلات والطوائف والأهواء والتركيبة الاجتماعية وغير ذلك, وبالكاد استطعنا ان نوفق بين سكان كل قرية, لكي تعيش فيما بينها بأمن وسلام. وهنا جاء الدمج, وفرض أطراً جديدة, وتعاملات جديدة, وغيّر من موازين القوى, ومن أفضليات الناس, ومن أساليب تعاملهم. ولو قيل للسكان انتخبوا اليوم كما اعتدتم, لكن هيئوا أنفسكم للتغيير بعد خمس سنوات, لكن افضل. ومع هذا تغلبت قريتا الكرمل على المباغتة واستطاع القياديون في القريتين ان يستوعبوا التحول الفجائي, وأن يلائموا مشاريعهم اليه, وهذه ميزة ليست سهلة, وتدل على وعي وحنكة وفهم ومقدرة شخصية. وقد بدأت علامات البركة والإيجابيات تظهر من وراء قضية الدمج وتغطي على سيئاتها. فمثلاً برز في قرية الكرمل, العدد الكبير من المرشحين للرئاسة, وعلينا ان نقول, ان قرية الكرمل تفتخر بوجود عدد كبير من شبابها, يرون أنهم مناسبين لقيادة البلدية, ويجب ان نقول انه اذا ترشّح ثمانية لهذا المنصب, فإنه يوجد بالمقابل العشرات من شباب القرية, الذين يستطيع كل واحد منهم, ان يكون مرشحاً, لكنهم لم يشتركوا بهذا المضمار, لأنهم فوق السياسة, وبعيدون عنها ولا تناسب أجواء الترشيح ميولهم وتطلعاتهم. لذلك تركوا المهمة للشباب النشيطين الواعين, الذين يعتقدون انهم مناسبون لهذا المنصب. وقد استمرت الحملة الانتخابية في الكرمل, حوالي الشهرين, وامتازت بالنقاش الموضوعي, وبالحديث الودي, وبالمجابهة السلمية, وبالتعددية الفكرية, وبكل ظواهر الرقي والحضارة والأخلاقيات والتعالي وضبط النفس والحديث اللبق والتجمعات الجماهيرية والنداءات والشعارات وغير ذلك. لقد لعبت وسائل الإعلام المختلفة, وفي مقدمتها البث التلفزيوني والإذاعي والصحف والنشرات الخاصة, دوراً كبيراً في إقناع الناس بالتعاون والدعم والتصويت. ونحن نقول أننا بهذه الطريقة, وصلنا الى مستوى رفيع من الحضارة, فقد مرّت العملية بسلام, بالرغم من وجود ثمانية مرشحين, وعدد مضاعف من القوائم المتنازعة على اصوات الناخبين. وكثيراً ما كان النقاش والدعاية الانتخابية على مستوى مقبول من التعقل والاتزان والتفكير. وقد شاهدنا ان هناك تعاوناً بين جميع فئات القريتين, لكي تمر هذه المرحلة بسلام, كما لاحظنا ان بعض المرشحين والوجهاء الذين يقفون بجانبهم, قاموا بمبادرات طيبة لحضور اجتمعات انتخابية عند مرشحين آخرين, يُعتبَرون خصوماً لهم, وهذا أرقى وأجمل ما يمكن ان يصل اليه انسان. وحينما نذكر بفخر واعتزاز هذه التصرفات, لا ننكر انه وقع بعض الشذوذ,هنا وهناك,  فمثلا صدر منشور او مناشير, فيها تهجمات شخصية غير لائقة بمن كتبها ولا بمن كُتب عنه. والذوق السليم, يتطلب من اي انسان, وخاصة مرشح, يريد ان يقول شيئا عن انسان أخر, هو ان يذكر ذلك بصراحة, إن كان على حق. أما التخفي والتستر وراء اسم مجهول فهو نوع من الجبن, ويبطل كل مصداقية لهذا المنشور. وهنا وهناك لاحظنا خطيبا او متحدثاً أطلق لنفسه العنان في التهجم وفي التحريض, لكن ذلك ظل محصوراً في فرد واحد او اثنين لا أكثر. أما الأغلبية الساحقة من المتحدثين وهم عشرات فقد ترفّعوا عن التهجم والكلام البذيء, وتحدثوا بأخلاقيات عالية, ونادوا الى الجمهور أن يقف بجانبهم وينتخبهم بأساليب مقنعة, وبعرض انجازات وحقائق وبرامج ومخططات, وهذا ما يجري الآن في أكثر الدول المتقدمة, ففي أمريكا وهولندا والسويد مثلا, يستعملون نفس الوسائل والأساليب, التي استُعملت عندنا في الجبهة الحالية من الانتخابات للمجلس البلدي في الكرمل. ويزيدنا فخراً ان العملية كلها استغرقت حوالي الشهرين فقط, وجرفت في حماسها معظم أبناء البلدين, الذين حضروا الاجتماعات الجماهيرية, وشاركوا في المسيرات وفي الجلوس في مراكز المرشحين وفي عمل كل ما باستطاعتهم ان يعملوه, للدعاية والتشجيع على الانتخاب. وقد كانت المشاركة كبيرة في الكرمل, فقد وصلت نسبة الذين اشتركوا بالتصويت, اكثر من اثنين وتسعين بالمائة, وهذا يدل على نضوج وعلى وعي وعلى حنكة وحكمة, وفيه شهادة تقدير لسكان القريتين, الذين اعطوا درساً في التعامل لأبناء المجتمع العربي, وحتى لأبناء المجتمع اليهودي. فقد وقف المرشحون أمام العدسات وأمام مكبرات الصوت, وجميعهم قال ان الانتخابات هي يوم واحد ويمر, أما العيش المشترك والجوار والأخوة والسير المتواصل, كل هذه ستلازم سكان القريتين بعد الانتخابات الحالية وبعد كل انتخابات. وفي السابق كانت تصدر عن بعض المرشحين تصرفات إجرامية, مثل قلع الاشجار وحرق البيادر وتخريب السيارات وأشياء مماثلة, وفي الآونة الأخيرة, والحمد لله, انعدمت في الكرمل هذه الظواهر, وظل النقاش والتنافس مجبولاً بطابع التسامح والترفع والتعالي عن العنف, والكلام البذيء والتشهير والتجريح.
هذا في الكرمل, أما في قرية يركا فقد تصرف السكان هناك بشكل أكثر رقيا وحضارة , حيث احتدمت المعركة الإنتخابية لدرجة كبيرة وكادت أن تصل إلى وضع متأزم, فتدخل العقلاء ورؤساء الطائفة وعلى رأسهم فضيلة الشيخ موفق طريف وجمعوا الأطراف وتوصلوا والحمد لله إلى إتفاق يتم بموجبه توحيد كافة القوى على إدارة جماعية متفق عليها فأصبحت الإنتخابات شكلية فقط. وهذه خطوة نشكر أهلنا في يركا على تبنيها ونأمل من كافة السكان في القرى الدرزية أن يعملوا فيما بينهم على التعاون والتكاتف من أجل المصلحة العامة مثلما فعل أهلنا الكرام في يركا.
 ومن طبيعة الإنتخابات أن ينتقل الحكم فيها من جهة إلى جهة, وأن يتبدل الحاكمون باستمرار, وفي تاريخنا وقعت ظواهر كثيرة وصل فيها الناس الى الحكم, وانتقل الحكم من شخص الى شخص, ومن عائلة الى عائلة, وكثيراً ما كاد هذا الأمر يوصل الى حرب أهلية, او يؤدي الى مناوشات وإلى سفك دماء, للوصول الى الحكم. وكانت هناك عائلات معينة تبذل كل جهدها للوصول الى دفة الحكم, وهي تقدِّم كزعيم وكرئيس وكقائد لها, شخصية مثل احميدان حيث كان العبء عليه اكثر بكثير, مما كان يستطيع ان يتحمل. لكن في اوقات كثيرة كان ينتخب الانسان الملائم والمناسب والكفؤ لهذه المنصب.
 ومن أطرف ما جرى في تاريخنا في هذا المضمار, حيث انتقل الحكم من فئة الى فئة, هو ما جرى في جبل الدروز في القرن التاسع عشر, عندما تحوّل الحكم في الجبل من عائلة حمدان الى عائلة الطرشان. وجدير بالذكر انه بعد معركة عين دارا عام 1711 بين القيسية واليمنية, انتصر القيسية واضطر اتباع اليمنية الى النزوح عن لبنان. وكان من بين هؤلاء أخوان من عائلة الحمدان تزوج ابوهما من امرأة بعد وفاة أمهما, وكانت هذه المرأة قاسية ولم تعاملهما بالرفق, فاضطرا الى الخروج وترك البيت, في نطاق الحملة العامة, للتفتيش عن مواقع جديدة. وقد وصلا في تجوالهما الى جبل الدروز, وكان الجبل مليئاً بالخِرب والأطلال, التي كانت مسكونة في عهد سابق. وقد عثرا على بيت قديم, وأخذا يرممانه, وهناك سخّر لهما الله, سبحانه وتعالى, ان يعثرا على كنز قديم من الذهب كان مدفوناً في البيت, فعادا الى قريتهما, وأحضرا مجموعة من أقاربهما للسكن في البلد, ووزعا الاراضي والمواشي والإمكانيات, واستغلا النعمة التي وهبهما اياها الله, سبحانه وتعالى, في تعمير قرى الجبل وفي توطين السكان الدروز فيها.
 وقد حكم أبناء عائلة حمدان حوالي مائة وثلاثين سنة في الجبل, بعدل ورفق وكرامة نوعا ما . لكن في منتصف القرن التاسع عشر, شذ بعض منهم وتجبّر, وعامل السكان بالقساوة والعنف, وعندما يريد الله ان يزيل نعمة, فإنه يسخّر لها أهون الأسباب, ويلهم الناس ان يتصرفوا بالشكل المناسب, ففي أحد الأيام جاء الى شيخ قرية عرى في الجبل من أبناء الحمدان, تاجر لبناني ومعه حقيبة مليئة بسكاكين الحلاقة, ولمّا عرضها على الشيخ حمدان, قال له إذهب الى الشيخ اسماعيل الاطرش في القرية فهو يشتريها كلها. وذهب التاجر عن براءة ولم يفكر بهذه المصيدة, وتوجه للشيخ اسماعيل عارضاً عليه السكاكين. فهم الشيخ كل المغزى واشترى كل السكاكين من التاجر ووزعها على وجهاء عائلته ومعارفه. ولما تفاجأ هؤلاء بذلك أخبرهم بالإهانة التي ألحقها بهم ممثل عائلة حمدان. وفي صبيحة اليوم التالي هاجم الطرشان زعيم آل حمدان في عرى وأجبروه على التنحي عن زعامة البلد وبعده استسلم كل المخاتير والزعماء من عائلة حمدان وحوّلوا الزعامة الى الطرشان.
هكذا وبكل بساطة تغيرت زعامة استمرت أكثر من مائة سنة, ونحن في أيامنا لم نتعود على زعامات طويلة إلى هذا الحد, فالتغيرات في أيامنا أسرع, لكن هاجس التسلط والقيادة والريادة ظل هو هو في كل زمان ومكان, وكل ما تغير هو الطريقة. وكل مرشح منا اليوم يستنفذ كل طاقاته المادية من أجل الفوز وربما كانت هناك جدوى إقتصادية للفائز, لكن الأموال التي تصرف في الحملة الإنتخابية, بإمكانها أن تبني مدرسة ومستشفى ودار عجزة, وكلها تذهب هباء, وبما أننا نعيش في بيئة واحدة وفي قرية أو قرى قريبة ومعظمنا يعرف واحدهم الآخر, فلسنا بحاجة كبيرة لأن نقوم بكل تلك الحملة الإعلامية لكي نقنع الناس بانتخابنا, لذلك يمكننا أن نتبنى النموذج اليركاوي ونصل لإتفاق مسبق ننظم بموجبه الأمور تحت إشراف وإرشاد العقلاء بيننا , وهم كثر والحمد لله, أو أن ندخل إلى منافسة شريفة نلتزم فيها بالقيود والحدود المتبعة ونقبل بالحكم الديموقراطي والقرار الجماعي الذي اتخذته الأغلبية. فنحن نعيش اليوم في مجتمع علمي متحضر, محوسب ومبرمج, ونستبعد أن يحدث معنا ما حدث عند إخواننا سكان الجبل الأشم, حينما استطاح تاجر مقصات لبناني أن يغير عندهم وجه التاريخ... 

وكل عام وانتم بخير


سميح ناطور


دالية الكرمل
تشرين ثاني
2003

 
التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2018 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.