spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 91
أمير البيان شكيب أرسلان في بلادنا
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 152
العدد 151
العدد 150
العدد 149
العدد 148


 
الذكرى العطرة طباعة ارسال لصديق
مائتان وخمسون سنة لوفاة الشيخ علي الفارس (ر)
عشر سنوات لوفاة الشيخ امين (ر)


بقلم الشيخ ابو غالب حاتم قاسم حلبي

لقد صادف يوم الخميس الثاني من شهر تشرين اول, ذكرى مرور عشر سنوات على رحيل سيدنا شيخ الجزيرة, فضيلة المرحوم الشيخ امين طريف. في مثل هذه الأيام قبل عشر سنوات انتقلت روح فضيلة الشيخ الى جوار ربها, واحتشدت الجموع الغفيرة حول قرية جولس وتجمت الوفود وجرت لفضيلة الشيخ أكبر جنازة تشهدها دولة اسرائيل. وصادفت هذه السنة ذكرى مرور قرنين ونصف على وفاة الولي الصالح والشيخ العابد الناسك, سيدنا الشيخ علي الفارس رضي الله عنه, حيث انتقل لجوار ربه قبل مائتين وخمسين سنة, تاركا لنا اثراً ضخماً وأشعاراً بديعة وابتهالات حقيقية وتراث ضخم.
وقد قام فضيلة الشيخ ابو حسن موفق طريف الرئيس الروحي للطائفة الدرزية بتوجيه دعوة الى كافة مشايخ ووجهاء البلاد, لإحياء هذه الذكرى المزدوجة التي تنعش بلادنا وتحييها وتكسبها عطراً شذيا فواحاً. وقد تقاطرت الوفود من كافة البلدان في الكرمل والجليل والجولان الى قرية جولس, هذه القرية الوديعة التي تطهّر ترابها بضريحين لأولياء الله الصالحين والتي عاش فيها خلال تاريخها عشرات المشايخ المحترمين الأجِلاء. ومنذ الصباح الباكر كان أهالي جولس يتلون الصلوات بجوار ضريح سيدنا الشيخ علي الفارس, ولما تقدّم الصباح وأخذت الجموع تلتئم وتجتمع إنتظم الحضور في صفوف وتوجّهوا نحو ضريح سيدنا فضيلة المرحوم الشيخ امين, وهم يسيرون ببطء ويندبون الأناشيد الروحية. وكان كل من جاء من البلاد يصطف معهم وينتظم فيما بينهم, فكنتَ ترى الشارع العام قد ازدان بالعمائم البيضاء وبجموع المشايخ الاجلاء الذين أكسبوا المنظر رونقاً وبهجة وقدسية. وهكذا ترتّبت لها مسيرة لجموع الحاضرين من المشايخ الاجلاء, سارت في مقدمتها سيارة تندر تحمل صورة كبيرة لسيدنا الشيخ امين, وبجانبها صور للضريحين وأعلام الطائفة الدرزية. وقد وقف على ظهر السيارة الشيخ ابو هاني كمال ابو خلا, والشيخ ابو منير شكيب حمزة, والشيخ ابو محمد كمال نجم, والشيخ ابوايهاب رمزي  خرباوي, وذلك امام مكبرات الصوت, وأوصلوا الأناشيد الروحانية الى مسامع الجماهير التي انسجمت مع هذه الأناشيد وشعرت بعبق الجو الروحاني.
 وعندما تجمع المدعوون بدأ الاحتفال الديني فألقيْت عدة كلمات منها كلمة الشيخ ابو صقر عاطف شعلان من عين قنية هضبة الجولان, والاستاذ نمر نمر من حرفيش, وارتجل الشيخ ابو منير شكيب حمزة قصيدة, أمام الحضور بهذه المناسبة, كما ألقى الشيخ ابو هاني كمال ابو خلا  قصيدة أخرى, ثم ألقى فضيلة الشيخ موفق طريف بهذه المناسبة الكلمة التالية:
"بسم الله الرحمن الرحيم
حضرات المشايخ الأفاضل الأجِلاء
 هذه البقعةِ الصغيرة التي شرّفتمونا إليها, ونجتمعُ فيها الآن, تتحسس انفاس شخصيْن عزيزيْن, عاشا فيها, ووضعا بصماتهما, على تاريخ وواقع الطائفة الدرزية, لسنين طويلة, وسيظلان علمين خالدين في أذهاننا وقلوبنا وأفكارنا.
  إننا نجتمعَ  اليوم, لنعيد ذكرى مرور مائتين وخمسين سنة, على وفاة سيدنا الزاهد العابد التقي, الشيخ علي الفارس, نفعّنا الله ببركاته, وطيَّبَ الله ثراهُ, وجعل ذكراهُ عطرة خالدة. وكذلك بمرور عشر سنوات, على رحيل تاج رأسنا, وفقيدنا الغالي, ورئيسنا الروحي, وهادي دربنا, فضيلة المرحوم الشيخ, ابو يوسف امين طريف, جدنا الغالي, الذي سار في درب مشايخنا الأفاضل, وعمل على هدى تعاليم سيدنا الشيخ, علي الفارس رحمات الله عليهما.
لقد كانت بلادُنا, مهداً للأولياء والأنبياء والأتقياء, عاشوا فيها, ومرّوا منها, وبعضهم دُفِن في ثراها الطيِّب.  واينما توجّه الإنسان في هذه البلاد, يشعرُ بقداسة وإيمان وعطور دينية فوّاحة. وقد خصص الله, سبحانه وتعالى, قرانا ومواقعنا, بتواجد نبي او ولي او شيخ زاهد, تقريبا في كل قرية من قرانا. وهذا الأمر يزيدنا ثقة وايمان, ويقرِّبُنا من الله, سبحانه وتعالى, ويشجِّعنا على سلوك الطريق القويم, وانتهاج الخط الديني الصحيح.
 في عام 1753, حضرت الى هذا المكان, وفود مُبَجَّلة من لبنان, ومن منطقة الجولان, ومن الكرمل والجليل الأعلى, جاءت تُشارِك في تشييع جثمان سيد العصر, المرحوم الشيخ علي الفارس. لقد توفيَ الشيخ علي الفارس, وانتقل إلى جوار ربه, لكنه ترك لنا تراثاً أدبياً ضخما, وسيرة شخصية حميدة, ومسلكا توحيديا مشرقا. إن الجبال والوديان الواقعة بين قريتي يركا وجولس, تشهد تنقلات وتحركات أشخاص مميزين, عاشوا في هذه الأرض, وزادوها قداسة وطهارة واحترام. إن كل نقطة ماء تسقط من سقف المغارة الصغيرة, التي آوت سيدنا الشيخ علي الفارس, هي نقطة من الإيمان, تصب في المحيط التوحيدي الزاخر, ًالذي نعتز أن ننتمي إليه. وكل لحظة نعيشها, وكل خطوة نخطوها, وكل عمل نعمله, وكل فكرة نفكرها , كل هذه موفقة ومباركة, ببركة سيدنا الشيخ علي, الذي أضاف إلى بلادنا قداسة وكرامات.
ولا عجب, أن تمر سنون, وفي هذه الأرض الطيبة,  وعلى هدى الأولياء السابقين, تنجب البلاد, شخصية دينية مرموقة أخرى, أنعمت على الطائفة والمنطقة من عطرها وحكمتها وتقواها ودرايتها, هي شخصية الفاضل شيخ الجزيرة, المرحوم سيدنا أبو يوسف أمين طريف, الذي تركنا إلى جوار العلي الأعلى, قبل عشر سنوات, بعد أن وضع لمسات توحيدية, وترك آثارا خالدة من حكمته, ومن نبوغه, ومن ايمانه العميق, بالله والطائفة  والقيَم الإنسانية. وكما شهدت أرض جولس, وفود العشرات والمئات قبل مائتين وخمسين سنة, جاءت تودِّع المرحوم, الشيخ علي الفارس, شهدت نفس الأرض, وفود الالاف من المشيعين والمشاركين, جاءت تشيع جثمان سيدنا الشيخ أمين, قبل عشر سنوات. هذه الوفود, وتلك الوفود, والوفود التي حضرت الى هذا المكان, منذ عشر سنوات, وحتى اليوم, ما هي, إلا موجات عارمة, من الشخصيات الكريمة الفاضلة, التي يبعثها الله, لتخليد ذكرى أناسٍ مختارين منتُخبين.
 إنّ طائفتَنا, والحمد لله, تزخر بالشخصيات المرموقة, وبالمشايخ الأفاضل, الذين يتلألأ إسم كل واحد منهم, كنجم في سماء التوحيد, وبذلك  نرى سماء طائفتنا زاخرا بالكواكب والنجوم, في كل مكان يتواجد فيه مواطنون من الطائفة التوحيدية الكريمة.
اسمحوا لي,  أن أشكرَ حضراتكم, واحداً واحداً, لمجيئكم واشتراكِكُم, وأتمنى من الله, العلي القدير, ان يتغمّد فقيديْنا برحمته وبركاته, كما اتضرع اليه, سبحانه وتعالى, ان يوفق كل واحد منكم, وأن يسددَ خطاه, وأن ينيرَ طريقه, وأن يذلِّلَ الصعاب أمامه, وأن يجمعنا دائما على طريق العزّة والكرامة والتوحيد."
وانتهى الاحتفال في ساعات بعد الظهر بعد تلاوة الصلوات على ارواح الشيخين الفاضلين .
وقد أقام يوم الأحد الحادي عشر من شهر تشرين أول الشيخ أبو حسن كامل طريف بهذه المناسبة حفلة غداء كبرى دعا إليها مشايخ ووجهاء المجتمع العربي حيث عدد الخطباء مناقب المرحوم فضيلة الشيخ أمين وكان بينهم صاحب الدعوة الشيخ كامل طريف والشيخ عوض خلايلة والشاعر سميح القاسم والسيد حسين الهيب والسيد نور الدين شنان والسيد علي ذياب والشاعر رفعت الأسدي وكاتب هذه السطور وغيرهم. 


جيل من المفاخر


لقد شاءت الإرادة الإلهية بأن يرعى شؤوننا في القرن العشرين، سيدنا الشيخ أمين طريف. فقد تسلّم زمام الأمور في قيادة الطائفة في الثامن والعشرين من شهر آذار سنة 1928 فرعانا بالحكمة وغذّانا بعلمه وأرشدنا على طريق الصدق والأمانة، فكان الأب الرؤوف والقائد الروحاني والإجتماعي، مبدأه التقوى وعمله بالطهر ومجلسه للدين. فبحكمته وحسن درايته جنّبنا مآسي هذا القرن. فتخطّينا محن الثورات والحروب. فما أن تجاوزنا ثورة 1935 حتى 1938 إلا واندلعت الحرب العالمية الثانية. فكان صاحب الرأي السديد والكلمة المسموعة ولم يلحقنا إلا القليل من التعديات بفضل اتصالاته مع زعماء البلاد.
وكلما كبر عمره زاد قدره وارتفع بقدرة الله جاهه حتى سوريا ولبنان. فعندما وقعت المشاكل بين الشعبية والطرشان في سوريا سنة 1947 ترأس وفد من مشايخ البلاد وذهب الى الجبل لإصلاح ذات البين. وعندما وقعت حرب 1948 بين العرب واليهود فقد احتضننا بحلمه وجنّبنا بعقله ودرايته المآسي التي حلّت بالشعب الفلسطيني، وبقينا في بلادنا، حافظنا على ارضنا وكرامتنا. وفي سنة 1954 عندما هاجم المجرم اديب الشيشكلي جبل الدروز رفع سيدنا الشيخ امين صوته عالياً مندداً بأعمال هذا الطاغية. وفي سنة 1982 عندما وقعت الحرب اللبنانية وأقيم حكم ذاتي في جنوب لبنان تحت قيادة سعد حداد وحين قصفت جنوده بلدة حاصبيا وخلوات البياضة وما ان انتشر الخبر إلا ودعا فضيلة الشيخ الى اجتماع في يركا في بيت المرحوم الشيخ كمال معدي وقد حضر الاجتماع كل من الشيخ احمد خير والشيخ جبر معدي والشيخ لبيب ابو ركن وصاحب البيت الشيخ ابو محمد كمال معدي والفقير لله كاتب هذه السطور. افتتح الحديث صاحب الدعوة فضيلة الشيخ امين وبعد المداولة تمّ الإتفاق على مقابلة وزير الدفاع السيد عيزر وايزمن فطلب مني تعيين الموعد حالاً وفي صباح اليوم الثاني سافر الوفد الى وزارة الدفاع وقابلوا الوزير . فقال السيد وايزمن : أُأُمر وأنا أنفذ. فشرح له الشيخ عن مضمون الاجتماع فأبرق الوزير وايزمن في الحال وبحضور الوفد الى قائد الشمال ليبلّغ الجنرال حداد بأن لا يطلق جنوده رصاصة واحدة على حاصبيا والقرى الدرزية وخاصة خلوات البياضة حتى ولو تُطلق عليهم النار من تلك الأماكن إلا بعد ان يعلمني ويعمل حسب اوامري. وهذه كانت آخر مرة يؤذى فيها سكان حاصبيا والمنطقة. كما قال الوزير وايزمن الى سيدنا الشيخ: إنك بركة البلاد حيث أرسلك الله لتمثّله على الارض وتدعم رسائل الأنبياء. وكل مائة سنة يوجد في بلادنا المقدسة شيخ بمنزلتك. ونحن مأمورون في تلبية طلباتك. فشكره الحضور وعادوا مسرورين.
وعندما أبحر الاسطول الامريكي الى سواحل لبنان وقصفت البارجة نيوجرسي القرى اللبنانية الدرزية بوحشية لم يسبق لها مثيل  بإيعاز من الكتائب. فلما علم سيدنا الشيخ امين تأثر تأثيراً بالغاً حتى انهمرت دموعه على وجنتيه. وفورا توجه الى مقام سيدنا شعيب عليه السلام ووقف بجانب الضريح ورفع يديه الى السماء وقال: أتوجه الى الله عز وجل متضرعاً وأنا بجانب هذا الضريح الشريف سيدنا النبي شعيب ان ينتقم من امريكا وأسطولها الحربي الباغي، انها دمرت وقتلت الأبرياء. وبإذن الله تعالى حدث زلزال في المياه تحت البارجة نيوجرسي العملاقة كاد ان يدمرها فغادرت الشواطئ الى داخل البحر . ويُعتبر هذا الحادث نادر المثال.
هذا بالإضافة الى النداءات التي وجهها لأبناء طائفته بالمساعدات الى دروز لبنان وقد لُبي النداء.
وها نحن اليوم تمر علينا عشر سنوات وطيف سيد البلاد وشيخ الجزيرة يغمرنا ونفتقده لأننا عشنا معه جيل من المفاخر. 
 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2020 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.