spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 113
المرحوم الشيخ أبو محمد نور الدين حلبي
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 142
العدد 141
العدد 140
العدد 139
العدد 138


 
عشر سنوات على وفاة فضيلة الشيخ طباعة ارسال لصديق
بقلم الدكتور اكرم حسون
قبل عشر سنوات وقع حدث هام في تاريخ الطائفة الدرزية فقد انتقل الى رحمته تعالى فضيلة المرحوم الشيخ ابو يوسف امين طريف، والوفاة هي  أمر عادي ومألوف في قرانا وفي مجتمعنا لكن وفاة المرحوم الشيخ امين تعتبر محطة تاريخية في تاريخ الطائفة الدرزية لأن وجود الشيخ في هذه المنطقة وفي هذه الفترة كانت عاملا هاماً في بقاء وعزة وكرامة الطائفة الدرزية في البلاد. وإذا أردنا ان نستعرض حياة الشيخ نجد أنها كانت مجبولة بكل نواحي الحياة المتعلقة بالطائفة الدرزية فالشيخ لم يكن رئيساً روحياً فقط وإنما كان بالنسبة للدروز وفي تلك الفترة بالذات المرشد والموجِّه والمساعد وكل شيء . ومن الصعب ان نتصوّر حياة دروز اسرائيل في هذه المرحلة الهامّة بدون وجود الشيخ. وفي مقالنا هذا سوف نستعرض النواحي العملية التي كان لوجود الشيخ تأثير بولسطتها على أبناء الطائفة الدرزية وكيان الطائفة في البلاد والخارج ولا نذكر ان لزعيم ديني في القرن العشرين هذا الصدى وهذه المركزية التي كانت لفضيلة الشيخ وهذا طبعاً بإالهام ربّاني وهو جدير بالدراسة والتحقيق ولو حاولنا ان نلخِّص النواحي الرئيسية التي خدم فيها فضيلة الشيخ الطائفة الدرزية لركّزناها في النقاط التالية:

الناحية الدينية:
كان الشيخ رئيسا روحيا للطائفة الدرزية منذ عام 1928 وحتى وفاته اي على مدى خمسا وستين سنة . في هذه الفترة وقعت انقلابات وثورات صناعية وتكنولوجية هائلة. في هذه الفترة وقعت الحرب العالمية الثانية والقنبلة الذرية والصراع العربي الاسرائيلي وحروب ومناوشات كثيرة في العالم وفي هذه الفترة تحرّرت دول العالم الثالث في افريقيا وآسيا ونالت استقلالها وفي هذه الفترة استحوذ التلفزيون على عقول البشر وبدأت  حركة غسل دماغ على كل فرد في الكرة الارضية . وفي هذه الفترة انفتحت الطائفة الدرزية على هذا العالم المتقلب المتغير وتكشفت لتأتُيرات وعوامل خارجية وما كان اسهل ان ينجرف ابناء الطائفة الدرزية وراء التيارات الجارفة ويفقدوا كيانهم وهويتهم. واذا نظرنا اليوم الى وضع الطائفة الدرزية نجد انها والحمد لله وقفت أمام هذه العواصف وفي وجه هذه الزوابع وظلّت صامدة كما هي عريقة في تقاليدها وعاداتها وذلك بفضل قيادتها الروحية الحكيمة وعلى رأسها المرحوم الشيخ امين طريف ففي كل قرية وُجد امام او سائس أو اكثر وفي كل قرية وُجد رجال دين استطاعوا ان يوجّهِوا الامور بقدر الإمكان التوجه الروحي المناسب وكل ذلك بحكم وإرشاد وتعاليم وشخصية الشيخ وهذا موضوع ليس هيِّناً .

الناحية السياسية:
لقد حكمت الأقدار على دروز اسرائيل ان يتواجدوا في فترة عصيبة من حياة البلاد في هذه المنطقة وعندما وقعت حرب الاستقلال لدولة اسرائيل كان أمامهم خياران: الاول ان ينخدعوا مع كافة المواطنين العرب وأن ينجرفوا في المقاومة العربية وأن يتركوا بلادهم وأرضهم ويصبحوا لاجئين. وكانوا بذلك من الممكن ان يكسبوا بعض التصفيق هنا وهناك من بعض الذين ادّعوا القومية والعروبة لكنهم كانوا قد يفقدون ارضهم ومصيرهم وكيانهم في هذه البلاد الى الابد. وكان الخيار الثاني ان يظلوا في بيوتهم وقراهم وحقولهم شرفاء معلنين عدم مقاومتهم علناً أمام الملأ واستعدادهم على التعاون مع النظام الجديد باحترام وتقدير متبادَل. وقد يسّر لنا الله في هذه اللحظات المصيرية قيادة حكيمة مؤلفة من زعماء مجرِّبين مؤمنين درسوا بحكمة وحنكة الاوضاع السياسية والظروف التي كانت قائمة وقرروا البقاء والتعاون والاستمرار وكان على رأسهم فضيلة المرحوم الشيخ امين طريف وبذلك وفّروا على المواطنين الدروز في البلاد الذين كان عددهم في تلك السنة لا يتجاوز العشرة الاف نسمة معاناة التهجير واللجوء الى دول اخرى. ومما يثبت بُعد النظر وحكمة المشايخ هو ان زعماء عرب مرموقين مثل السيد انور السادات والملك حسين والسيد عرفات والملك محمد الخامس ورئيس تونس الحبيب بوقيبة وعدد كبير من زعماء العرب فعلوا نفس الشيء ولكن بعد إراقة الدماء وبعد ان تشرّد وقُتل عدد كبير من افراد شعوبهم. ويظل هذا القرار الحكيم دليل واضح ان الله سبحانه وتعالى يحمي ويرعى هذه الطائفة بأن يسّر لها قادة وزعماء مخلصين وفي مقدمتهم فضيلة الشيخ .

الناحية الاجتماعية:
بعد قيام دولة اسرائيل استحوذت على البلاد حضارة جديدة لم يألفها السكان الذين بقوا فيها. فقد جاء الاف القادمين الجدد من دول العالم المتقدمة مع لغة جديدة ونمط حياة غير مألوف ومستوى مختلف من الحياة. وكان من الممكن لأبناء الطائفة الدرزية ان ينصهروا في هذا الجو لولا ان وُجدت ادارة حكيمة استطاعت ان توجه ابناء الطائفة لتقبُّل ما هو مسموح به وما يليق بالطائفة من التجديدات التي احدثتها هذه الحضارة وتجنب ما هو غير مناسب لها . ان المطّلع على اوضاع الطائفة اليوم يجد ان القرى الدرزية تقدّمت بشكل ملحوظ ففي البيت الدرزي كل الوسائل الحديثة والعائلة الدرزية تستمتع بكافة الاختراعات والتجديدات والمجتمع الدرزي مختلِط كليا بالمجتمع الاسرائيلي من حيث الخدمة العسكرية والعمل والناحية الاجتماعية لكن الامور الجوهرية ظلّت منفصلة وظل الدرزي محافظا على درزيته ولم يشذ عنها واذا بحثنا لوجدنا ان الشذوذ قليل جداً فالزواج المختلط غير متفشٍ والحمد لله في قرانا وهو يقتصر على افراد قلائل فقط بالرغم من ان الاختلاط كثيف وكثير وكبير جداً وحوادث الإجرام قليلة نسبيا والمخالفات بسيطة وكل هذه الامور لم تأتِ ولم تنتج تلقائيا وإنما بسبب توجيهات وتعليمات الادارة الدينية السياسية الحكيمة التي قادها ووجهها فضيلة الشيخ.

الناحية الإعلامية:
لقد كان الدروز في عهد الانتداب اقلية صغيرة مهملة لا يسمع بها احد وبعد قيام الدولة كانت نسبتهم الى فترة طويلة حوالي الواحد بالمائة فقط. ومن ناحية وضعهم في الانتخابات العامة للكنيست, فإنهم بصعوبة ولو توحّدوا يدخلون عضواً واحدا او نائبا واحدا فقط . ومن ناحية مستواهم الثقافي والصناعي فهم لا يشكّلون اي حيّز ذي أهمية في البلاد بسبب ضعفهم وقوتهم القليلة. لكن الدروز في إسرائيل فإنهم بالرغم من كل ذلك موجودون بشكل مكثف على الخريطة الإعلامية ولهم دور ووزن كبير. إن الدروز الذين يشكّلون حوالي واحد بالمائة من سكان البلاد عامة يظهرون بوسائل الإعلام وكأنهم أكثر من ذلك بكثير. ولا ننكر ان التواجد في وسائل الإعلام يكون أحياناً بسبب أشياء سلبية وهذا مشترك لكل الطوائف والشعوب ولكن اذا دققنا وتفحصنا واستعرضنا مقطوعات الصحف قبل وفاة فضيلة المرحوم الشيخ نجد ان جزءً كبيرا منها يدور حول اعمال ونشاطات وشخصية المرحوم الشيخ. فقد كان يستقطب الإهتمام من كل حدب وصوب فهو مهم بالنسبة للمواطنين الدروز في البلاد. وفي البُعد الثاني هو مهم وشخصية عريقة ومرموقة بالنسبة لدروز سوريا ولبنان الذين سمعنا منهم أنهم كانوا يستمعون بقداسة الى صوته عبر الإذاعة والتلفزيون. وكانت للشيخ أهمية كبيرة عند المواطنين العرب في البلاد الذين لمسوا فيه شخصية أكبر بكثير من الدرزي العادي, وبالإضافة إلى كل ذلك لا ننسى الحظوة التي فاز بها فضيلة الشيخ عند إخواننا أبناء الشعب اليهودي مواطنين وزعماء, فقد كان كل زعيم اسرائيلي يحرص على القدوم الى جولس والاجتماع بفضيلة الشيخ والتبارك به قبل انتخابات او قبل مشروع او رحلة. ولم نسمع عن شخصية دينية فازت بهذه الشعبية كلها عند جميع طبقات الدولة وقد أكسب هذا الطائفة الدرزية شهرة وصيت وإسم كبير.
هذه الأشياء مجتمعة وأخرى غيرها ,سنقوم بتناولها في مناسبات أخرى, جعلت من فضيلة المرحوم الشيخ أمين ظاهرة مميزة وفريدة من نوعها لها تأثيرها المستمر الذي ليس فقط لم يضعف مع الوقت وإنما يزيد رسوخاً وعمقاً مع مرور وتوالي السنين.
 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2018 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.