spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 125
نشطات طائفية
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 135
العدد 134
العدد 133
العدد 132
العدد 131


 
الشيخ ابو يوسف سليم العنداري طباعة ارسال لصديق
مجلة العمامة - تشرين ثاني 2003


1960-1925

Image


شيخ شاب, جمع بين نور الدين وجمال الخلقة, واجتمع عنده العقل الروحاني والعلم النوراني, وهو حفيد المرحوم الشيخ, ابو يوسف سليم, وإبن المرحوم الشيخ ابو سليم حسين جابر. اتسم منذ نعومة اظفاره, بسِمات توحيدية, ظهرت على حركاته وكلامه, وكبرت معه في صباه, وبلغت مع بلوغه, وكان له في حداثته هيبة في القلوب وإجلال, ويمتلئ الناظر اليه وقاراً، خصّه الله تعالى بالكرامة منذ الصغر, وأعزّه بعزّته.
  كان قبل بلوغه, ميّالاً الى الوحدة والخلوة في البراري, واتخذ له كهفا يتعبد فيه, وكان يأخذ معه أقراص الذرة وخبز الشعير, ليقتات بها في خلوته, وكان في بداية أمره يخبز هذه الأقراص بنفسه, فقد امتنعت والدته عن ذلك شفقة عليه، ثم نزلت عند رغبته, عندما رأت إصراره على ذلك. لقد كان منذ صغره عابدا ناسكاً, واختار طريق الخلاص, متردداً بين المزرعة وخلوة جده. وكانت المزرعة في ذلك الوقت, في اوج عزها ونهضتها, فنما في احضان التوحيد, واقتدى بمآثر سلفه الصالح, في الورع والزهد والتقشف في الحياة, وعاش ردحاً من حياته, متعبداً في البراري, يقتات باقراص الذرة والشعير, مروِّضاً جسده الغض, على الخشونة وشظف العيش, ولم يدع الموس تعبث بكريمته المهيبة, فتركها منذ البداية, فزينت وجهه وزادته بهاء ووقارا, وكساه الكمال كمالا وجمالا.
  ثم انتقل الى خلوات البياضة الزاهرة, وأقام فيها لحفظ كتاب الله العزيز, مثابراً على الدرس والتحصيل, مواظباً على العبادة, سالكا سواء السبيل, عابداً متعلِّماً وشيخا مع المشايخ متأدِّباً بلغ الرشد والديانة قبل سن البلوغ وسما مقامه الرفيع فأحبّه الجميع واحتل في سويداء القلوب المرتبة الرفيعة فحفظ العلم الشريف وتأمل في حقائقه وكشف معانيه ثم انتقل الى درجة التعليم في البياضة الزاهرة فكان مفيداً مع المفيدين مفتياً في معضلات الأمور قاضياً في المشكلات كاشفاً ظلم الملمّات وقد ذكر أحد الثقات عنه أنه كان كل ليلة الجمعة بعد الصلاة والتلاوة يذهب حافياً الى كهف سيدنا الشيخ الفاضل (ر) ويبقى هناك متعبداً حتى الصباح ثم يتابع مسيره الى بلدة ميمس فيتذاكر مع المرحوم سيدنا السيخ أبا حسين ابراهيم ابي حمدان ويعود الى خلوته وأحياناً يواصل مسيرته الى بلدة عين عطا ليتبرّك بزيارة مقام سيدنا الشيخ الفاضل (ر) ودام على هذا المسلك طول إقامته في خلوات البياضة ثم ترك الخلوات عائداً الى بلدته مزوّداً بالدعاء والبركات وقد قال عنه المرحوم الشيخ ابو علي مهنا حسّان وقتذاك :"إن هذا الشيخ الصغير الكبير له في قلبي محبة وتقدير وهو بمنزلة أولادي بل ويزيد عنهم" وهكذا تفوّه كذلك المشايخ اابراهيم ابو حمدان والشيخ ابو فندي جمال الدين شجاع والشيخ ابو حسن علم الدين ذياب وغيرهم من مشايخ البياضة وجميع معارفه الذين كانوا يكنّون له كل تقدير واحترام وبقي ودّهم ومحبتهم له حتى آخر حياته. وقد ترك له المرحوم الشيخ ابو محمد عبد الله غزالة من عين عطا عنزة بإسمه فكثر نسلها حتى أصبح قطيعاً وأبى الشيخ ابو يوسف ان يأخذ منه شيئاً مثل ذلك كثير حتى كاد بعض الناس ان يقاسموه أملاكهم. وقد استقبلته بلدته بعد رجوعه من خلوات البياضة كشيخ وقور محبوب من الجميع كافٍ الناس مأونته خادم لهم محترم من الكبير والصغير والقريب والبعيد وكان لا يتابى مقابلة الجاهل بل يرشده ويهديه ويعفو عن كل ما يأتيه. وذكر احدهم وكان موصوفا بجهالته انه كان ذاهبا في طريق فشاهده قادماً فاستحى منه وانعطف عن الطريق. ناداه الشيخ وسلّم عليه وقال له :" إن خجلك منّي ومن غيري لا يفيدك بقدر خجلك من الله تعالى المطلع على كل اعمالك". وقد تابع خدمته لأهله وعشيرته من قضايا وأحكام ومصالح باذلا جهده في خدمة المجتمع وبخاصة الديني منه فكان القاضي والمحامي والمدّعي والمدّعى عليه. وكان مرجعاً دينيا وقضائيا في منطقته وبلدته وعائلته التي سلمته كل أمورها وكان وكيلاً لأخوال والده مشايخ المزرعة الموصوفين بالزهد والورع ودقائق الأمور قلما يراجعونه في فتوى او يعترضون عليه في حل لتحققهم من رجاحة عقله وسداد رأيه ودقة ورعه. وقد اشتهر بالديانة في لبنان وسوريا وفلسطين وبلغ المنزلة الرفيعة وكرّمه المشايخ بالعباءة المقلمة وهو في العشرينات من عمره وعُدَّ من أعلام البلاد مع حداثة سنه وكان مواظباً على اتصاله بالإخوان في جميع المناطق حتى انه ذهب مرة برفقة عمه المرحوم الشيخ ابو محمد صالح العنداري وبعض الإخوان الى فلسطين لزيارة مقام السيد شعيب عليه السلام سيراً على الأقدام ورجع من هناك حافياً بعد ان ضاع حذاؤه فقال له المرحوم الشيخ ابو حسن منهال :" لك أُسوة حسنة، بِشْر الحافي". وكثر تردده الى بلاد حلب وجبل السماق وأحبه اهلها وخاصة المرحوم الشيخ ابو علم الدين ناصر وحيد من معرة الإخوان وتوطدت صداقتهما وكثرت بينهما المراسلات ونتيجة هذا التعارف طلب يد شقيقته الست عذبة وحيد التي نشأت مع شقيقها منذ صغرهما على العبادة والتوحيد وتم هذا النصيب وأنجبت ثلاثة اولاد صبيين وبنت. وقد أمضى الشيخ ابو يوسف سليم عمره بأمراض لا تفارقه إلا قليلاً حتى توفاه الله في السادس عشر من شهر تشرين ثاني سنة 1960 وكان لوفاته وقع أليم في النفوس شمل اهل الدين في سوريا ولبنان فتوافدت الجماهير لتشييع جثمانه الى مثواه الأخير وشيدت له مقام برأي المشايخ الأعيان تخليدا لذكراه وتتابعت عشرات بل ومئات رسائل التعزية من كل البلاد ورثاه كثير من الشعراء وأهل العلم والقلم بمراثٍ تليق به.  ومن بينهم القصيدة العصماء التي كتبها المرحوم الشيخ ابو علم الدين ناصر من قرية معرة الإخوان في جبل السماق والتي نقتطف منها الأبيات التالية:
 
الحمد   للهِ   على   طول المدى   وأجلُّ   ما  أُبديهِ   حمداً   سرمدا
حمداً مقيماً في  الخفاءِ وجَهرةً   سراءُ أو ضراءُ   حمداً   قد  غدا
مقرونُ    شكرٍ   للصفيِّ   وآلهِ   حمداً وشكراً لن انتهاءَ   ولا ابتدا
من  بعدِ  ذا   سبحانَ ربٍّ  قادرٍ   قهر   العبادَ     لعدلهِ      وتفرّدا
أجرى المنية  في  البَريّةِ رحمةً   أحكامه عدلٌ   فما    فيها   سُدى
يا ربُّ بالصبرِالجميلِ مع الرِّضى   عوِّض لِما قدّرتَ  من   خطبٍ بدا
في   فقدِ   شيخٍ   طاهرٍ يا لهفةً   يا  غصّةً  يا  حسرةً    لن   تنفذأ
سُمّي  سليماً    والفِعالُ   كإسمهِ   وسليمُ نفسٍ جلَّ عن طرقِ الردى
يا  طالما  عبدَ   المهيمنَ  سادقاً   قولاً   وفعلاً    لا    يزالُ   مُسدّدا
وحوى لإخوانِ التُّقى عطفاً صفا   ومحبةً    مع    غيرةٍ      وتودُّدا
يرعى  حقوقَهمُ بحفظِ عهودهم   ويذُبُّ   عنهمُ  قلبهُ    وكذا   اليدا
لا غروَ  أنْ  يُبكى عليهِ  توجُّعاً   ويحقُّ أن   يؤسى   عليه   ويُفقدا
ذو  حدّةٍ   في   عقلهِ  وطهارةٍ   أطفتْ   بحُسنِ   عقيدة ٍ نارَ  العدا
ذو   فكرةٍ    لمّاعةٍ    وبصيرةٍ    ضاءتْ   بتوحيدِ  الإلهِ   من  البِدا
بشرى له يومَ  الفراق  لِما  لقى   من أمرِ  خالقهِ  وكان   على هُدى
بشرى  له ، راضٍ وكان  مسلِّماً   شيخاً حوى  خير الفروضِ  مزوَّدا
فمكارمُ   الأخلاقِ  حازتْ   نفسه   ومكارم  الأيدي   تُزاحمُ في  الجذا
ومعالمُ   الإيمانِ   حاصلُ    قلبِهِ   ومعالمُ    التنزيهِ    فيها    أوْجدا
سبحانَ  مَنْ أعطاهُ  بِشْراً طافحاً   في وجههِ ضاءَ   فلأصبحَ   أسعدا
يا منْ نشا من  صغرِ سنٍ  طائعاً   للدينِ   قصداً    والعلومِ     تورّدا
يا  حافظَ  العلمَ  الشريفَ  ورمزهُ   وغدا    بنمطوقٍ     لهُ     متعبِّدا
يا  منْ بمنهاجِ  التقشفِ قد سرى    وبثوبِ طهرٍ  في  الزهادةِ  إرتدى
يا  منْ أضرَّ قوامهُ  الجوعُ  الذي   من  جسمِهِ  نالَ المنى  والمقصدا
هذا   طريقٌ   للعلا   قدْ     رُمْتُهُ   والجسمُ في   تحليلهِ   موتُ  الفِدا
منْ   ماتَ  عن  ْشهواتِهِ   بحياتِهِ    فمماتُهُ    محياً     وفوزاً     خلّدا
مهما  اقولُ   عليكَ يا   منْ   فعلُه   في الخيْر مسبوكٌ ،  تراني قاصدا
يا    ربّ   نسألكَ   بخيْرِ   وسيلةٍ   أفديهِ    أجراً     للقلوبِ     مُبَرّدا
والهمْ   أقاربهُ    وأسلافاً       لهُ   غُرراً   شيوخاً    عاليينَ    أماجدا
واشمُلْ   أهاليَهُ   الرجالً  ونسوةً   وجميعُ  إخوانٍ  لهُ    حزبَ  الهُدى
صبراً   جميلاً   والرضاءُ   الدائمُ   وامنحْ  جزيلَ   الأجرِ  إنّكُ  مقصدا
وامدُدْ  بطول   حياتهم    وبقائهم   في  الخيرِ والحُسنى الى  يوم الندا
واغمرْ  لروحِ   فقيدنا    بمراحمٍ   تغشاهُ   دائمةً  على  طولِ   المدى
عددُ   الرمالِ  وما تحرّكَ  ساكنٌ   واجعلْ    مساكنهُ   الجنانَ   مخلّدا
والحمدُ للمولى  كما  في  الإبتدا   والشكر   للمختارِ  ما   صْبحٌ   بدا




المزرعة العامرة ومشايخها
 
المزرعة هي موقع يشرف على قرية العبادية مسكن مشايخ آل عنداري وقد أسس فيها المشايخ في اوائل القرن العشرين مدرسة دين وتقوى توافد اليها القُصّاد من أنحاء لبنان وسوريا وفلسطين وتعلّموا دقيق الورع وسلوك الدين الصحيح وحقائق الفرائض وتفسيرها الواضح الرجيح بعلم ويقين وعمل من تقشف وزهد وورع والوقوف عند الأوامر والأمر بها والإمتناع عن النواهي والنهي عنها وقطع كل أمر يخالف الدين الحنيف بلا خوف ولا مداراة بل بمقتضى المرسوم الشريف وشرح السيد الأمير قدس الله روحه وكان من مؤسسيها الشيخ ابو يوسف محمود العنداري الذي توّجت العمامة المكورة المباركة هامته والشيخ ابو حسن نايف العنداري الذي اعتذر عن لبسها. ومجمل القول ان المزرعة كانت منهل علم مقرون بالعمل وقبساً يستفيض منه النور ومعهداً سليم المنهج والفرائض صحيح الفوائد ومورداً صافياً عذباً للظمآن للعلم والحقيقة ومقصداً يؤمّه أهل الفضل للتعلم والتعليم والتفسير والإرشاد بصفاء وإخلاص وطرح الضغائن والأحقاد. وكان المرحوم الشيخ ابو حسين محمود فرج ينصح ويرغِّب المشايخ والإخوان بالتردد الى المزرعة، وكان كثير التردد الى هذا المحل الأزهر برفقة ساداتنا ومشايخنا الأعيام امثال المرحوم الشيخ ابي يوسف سليم البيطار والشيخ ابو يوسف حسين هاني ريدان والشيخ ابي حسن عارف حلاوة الذي كان كثير التردد اليها والإقامة بها وغيرهم من المشايخ والإخوان. وكان المشايخ الأعيان يترددون اليها ويقيمون فيها فترة من الزمان واستمر هذا المكان الأزهر معهد نور يستفيد منه الرجال والنساء بخاصة من الست الفاضلة العالمة بمكنون الديانة الموهوبة من ربها العلم والفطانةالعاملة بدقيق الفرائض الطاهرة النفيسة الديِّنة التقية الأنيسة المرحومة الست زاد الخير كريمة الشيخ ابو حسين نايف التي فاقت بديانتها ومسلكها بنات عصرها وعصور قبل زمانها فعُدّت من النساء الخمس الأوائل في عصر مذهب التوحيد بإجماع مشايخ عصرها حسبما ما حدّث المرحوم الشيخ ابو محمد صالح العندراي. وقد توفيت عام 1939 قبل بلوغها سن الثالثة والعشرين          

 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2017 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.