spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 82
" العمامة" ومسيرة ربع قرن
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 144
العدد 143
العدد 142
العدد 141
العدد 140


 
المجتمع الدرزي ومعاملته للاخرين طباعة ارسال لصديق
بقلم الشيخ أبو حمزة توفيق سلامة
سكرتير المجلس الديني الدرزي


محاضرة ألقيت في مؤتمر عقد في العاصمة الأردنية عمان في التاسع من شهر أيلول الماضي واستغرق أربعة أيام واشترك به وفد درزي برئاسة الشيخ حسن طريف وعضويه الشيخ توفيق سلامة والشيخ وهاب حرب والأستاذ علي بيراني.
 
يستمد المواطن الدرزي أخلاقه ومُثله العُليا وموازين تقديره وأسسه وتصرافته، من ثلاثة مصادر رئيسية هي: المذهب الدرزي، العادات العريقة والإنجازات المعروفية المكتسبة خلال سنين. هذه الأشياء الثلاثة تضم كافة العوامل والعناصر والوسائل، التي تكوّن شخصية المواطن الدرزي، وتسيّر عقليته، وتؤثر على تصرفاته، بالنسبة للتعامل مع اي موضوع كان.
موضوع الغريب هو موضوع هام في التاريخ الدرزي. وقد وقعت بصدده حوادث هامة، وهو ما زال يُذكر في الذاكرة الدرزية الجماعية، كأحد الأمور التي يفتخر بها المواطن الدرزي. يعتبر المذهب الدرزي كل إنسان مخلوقا تواجد في هذا العالم بقدرة الله، سبحانه وتعالى. والمذهب الدرزي يؤمن بالتعددية الدينية، وبالتفاوت بين بني البشر في معتقداتهم وفي طقوسهم وسُبل حياتهم، لكن هناك عنصر واحد مشترك للجميع وهو ان الله سبحانه وتعالى خلق الجميع متساوين، لذلك يقيّم الدرزي كل انسان خلقه الله، حسب ما يتمشى هذا الانسان مع الامور التي يرضى عنها الله. فالدرزي يشمئز ويتنكر من مواطن درزي آخر، لا يتقيّد بالتعاليم الدينية المألوفة، وهو يحترم ويقدّر كل مواطن غير درزي، يتقيد بهذه التعاليم. ونظرة المواطن الدرزي للغريب من منطلق ديني، تعتمد على مدى تقدير الانسان، فهو ليس من المفروض ان يكون متديناً لكي يحترمه الدرزي، وإنما عليه فقط ان يحترم القانون والعُرف والتقاليد، لكي يحصل على احترام الدرزي له. من هذا المنطلق فإن جميع الغرباء الصالحين مقبولون على المجتمع الدرزي دينياً.
ومن ناحية العادات العريقة التي اكتسبها المجتمع الدرزي خلال مئات السنين، والتي نبعت من المنبت العربي العريق، والبيئة البدوية الصحراوية، والتكيّف في جو قروي له حقوق وواجبات. هذه الامور أنتجت مع الوقت قواعد وتصرفات يتمشى عليها المجتمع والأفراد في القرية الدرزية ويحافظون بها على وجودهم كأفراد وكمجموعة. وهذه العادات والتقاليد التي بُنيت خلال سنين طويلة، تمنع التعرض للآخر بضيق او بضرر وتوجه المجتمع الى عمل الخير، والى مساعدة الغير، وللتكاتف والتعاضد واحترام حقوق الجميع، وهنا مرة اخرى نقول، ان المجتمع الدرزي من هذا المنطلق يقدّس الانسان الصالح والمواطن السالك الدروب المتّبعة، سواء كان درزياً او غير درزي، وهو يمقت الشاذ والمخالف حتى ولو كان درزياً.
يُعتبر المجتمع الدرزي من أنقى وأتقى المجتمعات، فعندما كانت تقع حرب بين الدروز وغير الدروز، كان المحاربون الدروز يقاتلون ويستبسلون في المعركة أمام أعدائهم المقاتلين، ولكن عندما يحتلون قرية او قبيلة او مجمّع فيه نساء وأولاد، فكان من المستحيل ان يتعرّضوا لهم بسوء. وقد ذكر هذه الحقيقة عشرات المستشرقين والسائحين والكتّاب الذين تجوّلوا بسوريا ولبنان، واجتمعوا بكافة الطوائف، وذكروا هذه الفضيلة عن الدروز.
ان المواطن الدرزي، عفيف النفس، وهو من ناحية دينية واجتماعية واخلاقية، لا يسمح لنفسه، أن يأكل مال حرام، او ان يتعرّض لإمرأة، او ان يغتصب ملكاً او شيئا ليس له فالتعاليم الدينية والقوانين الاجتماعية السائدة في القرى الدرزية صارمة جداً, فالإنسان الذي يقتل والذي يزني يعاقب في المجتمع الدرزي طوال حياته, ولا فرق هناك ان كان المقتول درزياً او غير درزي, فكل قتل هو ممنوع، لذلك نرى ان الدروز يحافظون من منطلق العادات والتراث على الغريب مثلما يحافظون على انسان منهم.
أما المصدر الثالث فهو العادات المكتسبة والحوادث التاريخية التي تتراكم في التاريخ الدرزي، وتصبح قصصا يتغنّى بها الدروز ويعتمدون عليها ويتصرفون بموجبها. وأشهر هذه القصص، هي قصة اللاجئ الشيعي ادهم خنجر، الذي التجأ الى بيت سلطان الاطرش في غيابه، وجاءت السلطات الفرنسية واعتقلته، فثارت ثائرة الدروز وسلطان في مقدمتهم وكان هذا عاملا في قيام الثورة السورية الكبرى فيما بعد. ويذكر الدروز اعمال الحاكم الكبير فخر الدين المعني الثاني، الذي كان مثله عشرات الحكام في الامبراطورية العثمانية، إلا انه امتاز عنهم بمعاملته الحسنة للغرباء، فقد كان اول حاكم في العالم الاسلامي يمنح حرية حمل السلاح للمسيحيين واليهود، كما انه عطف على المردة اجداد الموارنه الذين كانوا مطاردين من قبل اخوانهم الارثودوكس في آسيا الصغرى وطلبوا حماية الدروز ففسح لهم المجال ان يسكنوا بينهم ويمتلكوا الاراضي وأعطاهم اراضٍ لبناء الأديرة ومنحهم الاموال وزوّدهم بالحماية لأملاكهم وأرواحهم. ومثل فخر الدين كان عدد كبير من الحكام الدروز، فمثلا  في اسرائيل عين في الضفة الغربية حكام عسكريون دروز في مدن مثل رام الله ونابلس والخليل, وقد قدم هؤلاء الحكام تسهيلات كثيرة للمواطنين وعاملوهم باحترام طبعاً في نطاق القانون الاسرائيلي. وتظل هذه الحوادث تتجمع في أذهان المواطن الدرزي فيعتمد عليها ويسير بموجبها.
والمرأة تتمتع بحقوق كاملة في حياة الطائفة الدرزية، لها حق الطلاق من زوجها ولها الحقوق الكاملة الشرعية والدينية، وتتمتع  بمكانة خاصة على تربية الاطفال على الفضيلة لذلك يُعدّ المجتمع الدرزي من اقل المجتمعات الموجودة جنوحا وإجراماً.
لا يوجد في الطائفة الدرزية فِرق، جميع أبناء الطائفة وحدة كاملة، وللسلطة الدينية تأثير كبير على جميع أبناء الطائفة سواء كانوا متدينين أم لا.
يعيش أبناء الطائفة في قرى درزية صرفة او قرى مشتركة بين طوائف متعددة ومتجانسة في لبنان وسوريا والاردن واسرائيل ويتميزون بالعلاقات الحسنة والمحبة الخالصة لجيرانهم ويشاركونهم في السراء والضراء أفراحهم وأتراحهم. علاقات أبناء الطائفة اينما كانوا علاقات ودية وأخوية تربطهم قاعدة حفظ الاخوان.
العائلة او الاسرة هي أساس المجتمع الدرزي. المرأة والأولاد سواء بنين او بنات والأباء والأمهات بركة العائلة فالأم تربي الاولاد على الطاعة، والمحبة، والايمان، والاخلاق الحميدة توصي بالمعروف وتنهي عن المنكر وتحاسب المخالف وتشجع عمل الخير. وتحث على العمل والإنتاج وتحارب الفساد.

 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2019 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.