spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 85
كلمة العدد: عندها، نترفع حتى عن صيد الأسود، وليس فقط عن صيد الأرانب ..
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 150
العدد 149
العدد 148
العدد 147
العدد 146


 
كلمة العدد: لانهم سلم ارتقائنا... طباعة ارسال لصديق
لانهم سلم ارتقائنا...
ذكر المؤرخ الدمشقي, محمد كرد علي " ان الدروز آووا في جبلهم أثناء الحرب العالمية الاولى, عشرين الف لاجئ من العرب, على اختلاف مذاهبهم, وأطعموهم مدة الحرب بلا عوض.  كانت مضافات الرؤساء منهم, أشبه بفنادق ومطاعم مجانية، خدّامها اصحاب تلك البيوت من أعيان الجبل، فمثّلوا بعملهم هذا القِرى العربي والمروءة والشهامة. " وقالت صحيفة المقطم المصرية , في عدد الخميس 29 آب  1918ما نصّه :" أخبار تصدِّع الأفئدة, وتفتت الأكباد, لأنها تؤكد صحة كل ما وصل الينا من أخبار السوء عن سوريا. فأبناء تلك البلاد (سوريا ولبنان) لا يزالون يموتون شر الميتات, ولولا فضل الدروز من اهل حوران, الذين فتحوا أبواب ديارهم لكل لاجئ اليهم, على اختلاف الطوائف والأديان، لخفنا ان لا يبقى في البلاد, ثُلث أهلها الى آخر هذا العام".
وجاء في مذكرات عطوفة سلطان الأطرش, انه " أوفد المجاهد يوسف العيسمي الى الحجاز, لمقابلة جلالة الملك عبد العزيز, وقد حاول دخول الحجاز عن طريق مصر, وهناك زار أمير الشعراء أحمد شوقي, ونقل اليه شكرنا على الأبيات الرائعة, التي وصف فيها الدروز في قصيدته عن دمشق, فأجابه أمير الشعراء قائلاً: "يستحق الدروز المدافعون عن وطنهم وشرف أمتهم, أن يهتم بهم الأدباء والمؤرخون, وأن يخلِّد الشعراء ذكر أعمالهم المجيدة ".
هذه الشهادات وغيرها, التي تزخر بها الكتب والصحف والمجلات, تشير الى بعض الخِصال المعروفية العريقة المتأصلة في المجتمع الدرزي, والنابعة من مذهبه وتعاليمه وعقائده ومسالك حياته. وقد تعوّدنا ان نقرأ ونسمع بعض المغرضين والحاقدين والحاسدين, من أصحاب النوايا السيئة, هنا وهناك, ينتقدون الدروز وينعتونهم بالكفر والإلحاد ونعوت مغرضة مقصودة اخرى, لكنهم يظلون قلائل, وتظل الهامة الدرزية مرفوعة عبر التاريخ, وفي كل مكان, بالرغم من وجود عناصر سياسية ودينية, تقصد طمس الهوية الدرزية, وتلويث الوجه الناصع لهذه الطائفة, التي تحصّنت في معاقلها, خلال الف سنة, تحافظ على شرفها وكرامتها ونقاوتها, وتعمل كل شيء, من اجل الذود عن الجيران والوطن والمجتمع والكيان السائد حولها.
 والدروز الأوائل, أصيبوا بمحن ونوائب وكوارث بصورة خاصة, من قِبل جيرانهم, فمحنة انطاكيا والمحن التي وقعت في حلب وفي الشام وفي الرملة وفي مصر وفي الشوف, وفي اماكن أخرى, لم تكن من قبل هنود امريكا, او مخلوقات من الفضاء, او غرباء من جنوب افريقيا. هذه المحن, جاءت من الجيران, ومن السكان الذين اعتقد الدروز انهم اخوة لهم. ومن طبيعة الدرزي ان يرهق نفسه, ويعصر ذاته, كي يبيض صفيحته مع جيرانه وزملائه, الذين يعيش معهم ويسكن بينهم. فسكان جبل الدروز, الذين كدّوا وعملوا بعرق جبينهم, الى جمع محصولاتهم ليخزنوها, وينعموا بطعمها طوال السنة, لم يترددوا ولا لحظة واحدة, عندما انهالت عليهم جموع السوريين واللبنانيين, تستغيث بهم, وتطلب النجدة, ولقمة العيش بأبسط معانيها. وكم عانى وكم تحمّل مواطنو الجبل من ملاحظات, ومن انتقاد, ومن تنكر, ومن تهجم, ومن افتراء, ومن اتهام, ومن ملاحقة ومطاردة, من قِبل هؤلاء الذين أنقذوهم وآووهم بالأمس القريب.
 وفي بلادنا, كانت القرى الدرزية عام 1948, فنادق مجانية كبيرة, لآلاف اللاجئين من القرى الإسلامية المجاورة, الذين أبى المواطنون الدروز, بحكم الجوار, إلا أن يفتحوا لهم بيوتهم وقلوبهم, ويمنعونهم من مغادرة البلاد, والتحوّل الى لاجئين.  وقد قضى وزال تقريبا, ذلك الجيل الذي استغاث بالدروز, وقاسمهم قطرة الماء, وحبة الحنطة, ورغيف الخبز في بيوتهم, وقام جيل جديد, يتنكر للدروز, ويحاسبهم وينتقدهم, ويلومهم لمواقفهم التي كانت هي السبب, في المحافظة على آباء وأمهات ونساء اولئك المتبجحين.
وهذا الواقع الأليم, يقودنا الى التفكير بأصولنا وجذورنا, ومصادر عقيدتنا, وموارد إيماننا ومنابع سلوكنا. وإذا تبحّرنا في هذه المواضيع, نجد ان العظمة والقوة والمناعة والبأس والجرأة والشجاعة والتأصُّل والرسوخ والصمود, متجمِّعة في كل كلمة, وفي كل حرف, وفي كل رمز, وفي كل إشارة, من مذهبنا التوحيدي العريق. وإذا حاولنا ان نعرف سر بقائنا خلال الف سنة, صامدين رافعي الرأس, لنجد أننا لم نملك الجيوش الجرّارة, ولم تكن بحوزتنا الكنوز الفائضة, ولم نستولي على اراضٍ لا نهاية لها, ولم نعثر في رؤوس جبالنا على نفط او ذهب او ماس او معادن نادرة. أن كل قدراتنا وإمكانياتنا, متجمّعة في عقيدتنا, فهي التي تنمّي فينا كل الفضائل, وهي التي توزع علينا كل الخصال, وبالرغم من ان الأغلبية الساحقة من مجتمعنا غير متدينة, ولا تعرف الى اصول الدين سبيلاً, ولم تفتح في حياتها كتاباً من كتب الحكمة, ولم تدرِ ما تحوي هذه الكنوز التوحيدية, بالرغم من كل ذلك, ترى الدرزي, حتى وهو جاهل كل الجهل, متمسكاً بمذهبه وعقيدته, مستميتا من اجلهما, مدافعا عنهما وغيوراً عليهما, ولا يفكر في يوم من الأيام ان يستبدلهما او يخرج عنهما او يحيد عن شروطهما. ونحن نشير, على الأقل, إلى الأوضاع في بلادنا, ونقول  إن أقلية بسيطة جداً من شبابنا فقط,  هي التي إنزلقت وتاهت ونسيت أصولها وجذورها, وخرجت عن باب التوحيد. وبالرغم من ان عشرات الآلاف من شبابنا, يعملون ويخدمون خارج بيوتهم وقراهم ومنازلهم, إلا انهم في النهاية, يعودون الى جذورهم, والى معاقلهم, وينغمسون من جديد في مجتمعهم, يفتخرون بأصولهم وبفضائلهم, وبمبادئ المعيشة في قراهم. وهذا السر, الذي يستحق من قبل علماء الإجتماع, ومن قبل الباحثين والدارسين والجامعيين, البحث والتقصي، هذا السر بالنسبة لنا, واضح جلي, وليس فيه أي إبهام او غموض او اي شيء غير مفهوم .
السر كامنٌ في التركيبة الدينيةالاجتماعية للطائفة الدرزية. فالمذهب الدرزي يشكل عنصراً هاماً في حياة وعقلية وتفكير المواطن الدرزي. ومن هنا فإن رجال الدين, يحظون بمنزلة عالية سامية في المجتمع الدرزي. وهم يقفون في المقدمة في السلم الاجتماعي, وفي مراتب الأفضلية بالنسبة لغيرهم. والدروز يحافظون على آداب متوارثة منذ مئات السنين.وبموجب هذه الآداب, فإن رجال الدين, هم في القمة في السلّم الاجتماعي, فالمتدين الذي يضع العمامة على هامته, له منزلة أكبر من اي انسان آخر موجود في الديوان, حتى ولو كان وزيراً او وجيهاً او قائداً عسكريا كبيراً. فعندما تُقدَّم واجبات الضيافة في ديوان زاخر, تقدَّم اولاً لرجال الدين, ومن بعدها لأصحاب المراكز والدرجات. وعندما يُدعى الحضور الى مائدة الطعام, في عرس او في مناسبة اخرى, فإن صاحب الدعوة يطلب من شيخ وقور, ان يقف ويدعو بإسمه الحضور الى الطعام. والمجتمع الدرزي مؤدب ومنظم ومرتب, لدرجة ان أحداً لا يتقدم أمام رجال الدين الى مائدة الطعام. كذلك الحال عند الخروج من الديوان, او الدخول الى قاعة اجتماعات, او الى اي مكان آخر, فكل حركة وكل عملية اجتماعية, يحظى فيها رجال الدين بالصدارة. وبما أن رجال الدين, ليسوا منعزلين عن المجتمع, وإنما هم يشاركون في كل كبيرة وصغيرة, وفي الأفراح والأتراح وفي الأعياد والمناسبات، لذلك ترى ان أعمال رجال الدين وحركاتهم وتصرفاتهم, مكشوفة أمام أنظار الجميع, فالصبي ابن العاشرة الذي يجلس في عرس, ويرى ترتيب السلم الاجتماعي أمامه, مرة بعد مرة, فإنه يكتنز تقدير رجال الدين واحترامهم في نفسه, ويرى بذلك أمراً مفروغاً منه وحتمي الوجود. وعندما يكبر يتصرف هكذا حتى لو بلغ أعلى الدرجات وهو غير متدين. فاحترام رجال الدين هو من الأشياء المسلَّم بها في المجتمع الدرزي, والتقدير الذي يحظى به هؤلاء, ليس له مثيل او نظير في المجتمعات الأخرى, لسبب رئيسي, هو ان المجتمع الدرزي, مقسم الى عقّال وجهال, فالعقال طبعاً يحترمون بعضهم بعضا, والجهال الذين تربّوا كما قلنا على احترام رجال الدين, يوفونهم حقهم من الاحترام, بحكم العادة والتقليد وتقديس المذهب. وفي كل القرى الدرزية وفي كل التجمعات الدرزية, يسري نفس النظام ونفس الواقع, وهذا صحيح إن تواجد مشايخ من سوريا مثلا في لبنان, او مشايخ من الكرمل مثلا في الجليل, فتقديس رجال الدين, هو ميزة معروفة ومتوارثة, وليست بحاجة الى برهان او إثبات او تعليم.
 وعلى نفس المنوال يتم الوضع بين رجال الدين أنفسهم, وهم كذلك مقسمون الى درجات, ومن بينهم أناس متدينون بشكل أساسي, حسب الواجبات المرعية, ومنهم أناس متثقلون في الدين, ويخصصون من وقتهم وجهدهم أكثر من غيرهم للموضوع الديني, وهناك أناس من كبار الأجاويد, ذاع صيتهم في المجتمعات الدرزية, إما في تبحرهم في الدين, أو في تقواهم, او في عزوفهم عن الحياة, او في مجال آخر, له احترام وتقدير عند الدروز. وهؤلاء عادة قلائل, لكنهم مع قلتهم يشكّلون المثل الأعلى, والقدوة الحسنة, والرمز الأصيل, والغاية القصوى, لكل رجل دين من بين الدروز. ويمتاز هؤلاء عادة إما بالعباءة المقلمة او بالعمامة المكورة. وأصحاب العباءة المقلمة, هم عادة شريحة أكثر من أصحاب العمامة المكورة, ولا توجد مقاييس مسجّلة ومكتوبة, متى يلبس هذا الشيخ او ذاك, العمامة المكورة, وهذا يتم عادة, في لحظات تاريخية معينة, وفي فرص تسنح مرة واحدة, حيث يلهَم الله الأجاويد ان يبادروا الى تلبيس العمامة المكورة لشخص ما, اثبت جدارته واستحقاقه للمجتمع مع الأيام. ولابسو العمامة المكورة, متفّق عليهم عادة بين جميع الأوساط. وإذا تواجد واحد منهم في مجتمع, فإن كل الأنظار تتوجه اليه, وهو المفضَّل والسابق في كل شيء, مع ان اصحاب العمامة المكورة عادة يكونون من المتواضعين, ومن الذين يبعدون عن الشهرة والجاه والمناصب. لكن المجتمع يأبى إلا ان يكرِّمهم ويبجلهم ويتبارك بهم. وهذا هو سر تعلق المجتمع كله برجال دينه, وقد أثبت كافة المشايخ الذين لبسوا العمامة المكورة, قدراتهم وكفاءاتهم ومزاياهم الخاصة, التي أكسبت الحصانة والمناعة والقوة والبأس للمجتمع بأسره. وهناك المقولة الدرزية التقليدية, التي تفيد انه حتى لو وجدت جزيرة كاملة من الأشرار, وفيها صاحب عمامة مكورة واحد, فهو الذي يحميها من الهلاك. ونحن سعداء ان نقول ان هذا المصير واكبنا دائماً, وطوال مسيرتنا التاريخية, فقد وُجد على الدوام صاحب او أصحاب عمامة مكورة بين ظهرانينا, في احد الأماكن, وبفضلهم بقينا ونجونا وايدنا الله سبحانه وتعالى, وحافظ على سلامتنا. وفي السنوات الأخيرة, نعمنا بوجود عدد من اصحاب العمامات المكورة, عاشوا بيننا وأنسنا بهم وتركونا الى الواحات, ومنهم فضيلة المرحوم الشيخ ابو يوسف امين طريف,وفضيلة المرحوم الشيخ سلمان نصر, وفضيلة المرحوم الشيخ ابو محمد صالح العنداري وغيرهم.
 وفي الأيام الأخيرة هوى جبل,  وأفل نجم, وذوى نور, هو المرحوم الشيخ ابو حسن عارف حلاوي, الذي كان مع رفاقه يضم القداسة والورع بين ثنايا عباءته. ولم يبقَ عندنا الآن إلا فضيلة الشيخ ابو محمد جواد ولي الدين, اسد الشوف الذي سجّل صفحات ناصعة في تاريخ الطائفة في العصر الحديث. ونحن نعلم ان هناك شخصيات دينية مرموقة تعيش بيننا, وتستحق ان تتوج هاماتها العمامة المكورة,منهم فضيلة الشيخ موفق طريف والشيخ صالح القضماني, والشيخ حسين سليم حلبي, وغيرهم من المشايخ الأتقياء, الذين ندعو لهم بطول العمر, ونتوخى من فضيلة الشيخ ابو محمد جواد, ان يطيل الله عمره كذلك, وأن يتفضل بتلبيس العمامة المكورة, الى المشايخ المذكورين ومشايخ آخرين, كي يظل وهج التوحيد ساطعاً في سمائنا, وكي تظل النار الأبدية متقدة في ربوعنا, وكي نستطيع ان نطمئن ونركن ونعتمد, الى وجود مثل هؤلاء فيما بيننا, لأننا نرى انهم تاج رأسنا, وموطن أماننا, وهم قبل كل ذلك, وقبل كل شيء, يظلون سلم ارتقائنا...

مع الاحترام..

سميح ناطور

دالية الكرمل
 كانون اول 2003
 
التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2020 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.