spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 12
هذه الفوضى الطائفة بالطائفة
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 142
العدد 141
العدد 140
العدد 139
العدد 138


 
كلمة العدد: عندما يقف الملوك على أبواب العلماء طباعة ارسال لصديق
عندما يقف الملوك على أبواب العلماء

يحكى, أن أحدهم جاء إلى العابد الكبير, ذي النون المصري, ليتعلم منه أسرار التوحيد. فأقام عنده بضعة شهور, ثم أقسم عليه, أن يبدأ بتعليمه, ما جاء من أجله.  دفع ذو النون للرجل إناء, وعليه غطاء, وقال له: إذهب بهذا الإناء إلى فلان. مسك الرجل الإناء, وذهب إلى الرجل, وعندما قطع نصف الطريق, لم يستطع أن يتغلب على فضوله, فكشف الغطاء, ليعرف ما في الإناء, فوثبت في الحال منه فأرة واختفت. غضب الرجل, وعاد إلى ذي النون يعاتبه, فقال له العابد الكبير: يا هذا, ائتمنّاك على فأرة صغيرة فخنتنا, فكيف يمكن أن تؤتَمن على جوهر التوحيد, وهو أقدس وأغلى الأمانات ّ!!!
ونحن  الذين ما زالت الآنية المحمولة في أيدينا مغطاة, ولم يستطع فضولنا حتى الآن, أن يتغلب علينا, وما زلنا محافظين على الأمانة في أيادينا, نعيش, اليوم, أياما مباركة, منتظرين حلول عيد الأضحى المبارك, وفي هذه الأيام, نستعيد ونتفحص ونتذوق جواهر التوحيد, التي حبانا الله, سبحانه وتعالى, بها ونحاول بقدر الإمكان, أن نصونها ونحافظ عليها, ونحميها من كل تأثير خارجي, ومن كل مس او خدش او ضرر. وفي كلمتنا اليوم, سنتوقف عند فئة من فئات المجتمع الدرزي, لها أهميتها, ولها مكانتها, ولها من يحترمها ويبجلها, وفي نفس الوقت, هناك من يلومها ويؤاخذها, ويعتب عليها وينتقدها, وهي فئة ما يسمى عندنا, برجال الدين.
 رجال الدين في مجتمعنا, هم اولئك الأنفار, من الرجال النساء, الذين اخذوا على عاتقهم, ان يتحملوا فروض المذهب التوحيدي, من مظاهر خارجية, كحلق شعر الرأس, عدم مزاولة العادات غير المستحبة, كالتدخين وشرب الخمر, والتقيد بلباس خاص, والتفوه بأسلوب معين, وتجنب الفاظ بذيئة, وزيارة اماكن العبادة في المواعيد المحددة, والإطلاع على الكتب الدينية, وحفظ ما يتيسر منها, والتقيد بالقيم والمبادئ والفضائل التوحيدية المعروفة. رجال الدين مميزون عادة عن الباقين, وتصرفاتهم ومسالكهم وأعمالهم واضحة وبارزة, ولا يمكن إخفاءها, وهم عادة يتعاملون بشكل جماعات, ويزاولون اعمالهم فيما بينهم, إلا ان وجودهم في المجتمع منتشر في كل مكان, فيمكن ان يكون رب البيت متديناً, وأولاده غير متدينين, ويمكن ان يكون احد الأبناء او أكثر متدينا في البيت, والأب وباقي الأبناء غير متدينين, وغالبا ما تكون الام متدينة, وباقي الاسرة لا, ومن هنا, فإن معظم البيوت يوجد فيها, والحمد لله, عنصر ديني معين,  وقليلة هي الأسر البالغة, التي لا يوجد فيها اي متدين. لكن مع هذا, فإن المجتمع بأسره, يُقسم الى قسمين, الجهال وهو الشريحة العظمى من المجتمع, والعقال وهم المتدينون.
يخطئ من يفكر ان حياة الرجل المتدين هي حياة سهلة,  فالأعباء الملقاة عليه كثيرة وكبيرة, والقيود التي فرضها على نفسه متعددة, ولا تسمح له, بأن يستمتع بكل مباهج هذا الكون, وكل إمكانياته, مثل الرجل الغير متدين. والتدين عندنا هو رغبة شخصية, وقرار فردي, يتخذه كل انسان, بعد ان يؤمن به, ويقتنع بوجوده, ولا يفرض احد على احد آخر, ان يكون متديناً, ولا توجد هناك هيئات اجتماعية او مؤسسات ترغم هذا او ذاك, ان يسلك مسلك الدين, حتى ان التبشير والدعوة الى التدين في اوساطنا هي تقريبا معدومة, وكل انسان يصل الى القناعة, بأنه يريد ان يسلك هذا الطريق, يفعل ذلك بمحض اختياره وارادته, وبعد تفهم تام, وتقبل واضح, لهذا المسلك الشريف.
 اذن, ماذا يجعل الانسان المتمتع "بمباهج  الدنيا مثل الدبك والرقص والتدخين والشرب والملذات ", يترك كل هذه, ويعزف عنها, ويتوجه الى الدين, ويضع على نفسه القيود والإلتزامات والإرتباطات, وهو غير مجبَر وغير ملزم ولا احد سيكافئه ان فعل ذلك, ولا احد سيعاقبه ان لم يفعل؟؟  نحن نرى, ان الأغلبية الساحقة من الذين يتوجهون الى الدين, يستمرون في هذا المضمار, ولا يتراجعون, وهناك فقط افراد قلائل ممن رجعوا عن طريق الدين, فعلوا ذلك, لكن عددهم زهيد جدا, ولا يشكِّل اي نسبة.
إن المنتسِب الى فئة رجال الدين, ينتسب الى الصفوة المختارة من رجال المجتمع, هذه الفئة يجب ان تكون مجردة من كل المطامع والغرائز والسلوكيات, التي ينتهجها باقي البشر. رجل الدين هو الانسان الذي بمجرد ان اتخذ هذا المسلك, فتحت امامه آفاق جديدة, وعوالم لم يكن يعرفها, وأبواب كانت مرصودة, وحقائق مثيرة, وافكار مستحدثة, وأشياء لم يحلم بوجودها، كل هذا صحيح في حالة واحدة فقط, اذا عرف كيف يفهم ويفسر ويتذوّق عناصر الدين والتوحيد. إن من يطلع على اوليات مذهب التوحيد, يشعر بأنه يعرف ويعلم ويدرك اكثر من غيره, وينظر الى الحياة والناس والأمور بمنظار آخر يختلف عمّا تعوّد عليه.  إن مذهب التوحيد مليء بكنوز المعرفة, وجواهر الحقائق, وأرصدة المعلومات, وليس من السهل على كل انسان, ان يفهم مرام التوحيد, ومبادئ المذهب, وأسس الدين, لكن يكفي للمنخرط في سلك التوحيد, ان يتذوق روح التوحيد, وأن يرشف من مناهل هذا النبع الصافي العميق, كي يشعر بالمتعة الدائمة, والسعادة الأبدية, والنشوة الخالصة, التي تُكسبه الثقة بالنفس, والقدرة على تجاوز وتحمل وعبور, كل الأزمات والمصائب والمشاكل التي يواجهها الانسان. ان انخراط الانسان في سلك الدين, لا يضمن له ابداً, ان يكون ناجحاً كل الوقت, وهذا الطريق لا يضمن له, ان لا تصيبه مصائب, واتباع طريق الدين, لا يذلل المشاكل والصعوبات أمامه, فكثيرون من رجال الدين, وقعت لهم اشد المصائب, وواجهوا أصعب المشاكل, وأصيبوا بعثرات الزمان. الفرق, ان رجل الدين, حينما تقع عليه مصيبة ما, يستطيع بإيمانه وتهيئته الدينية, ومداركه الأخلاقية, والقوى النفسية والروحانية الكبيرة الكامنة في ذاته, ان يحتوي المصيبة, وأن يتغلب عليها, وأن يرى بها امتحاناً لقدراته وإمكانياته, وان يجنّد كل ما في نفسه من امكانيات, لكي يستطيع ان يتجاوز هذه الأزمة الآنية. رجل الدين لا يتذمر ولا يشتكي, ولا يتألم ولا يصرخ ولا يستغيث, فإذا حالفه الحظ, وحصل على شيء مستحب, او حقق نجاحاً, او اكتسب مكسباً, فإنه يحمد الله, سبحانه وتعالى, انه منحه هذا العطاء, ووهبه هذه المنحة, وحقق له هذا النجاح, وإذا أصيب بعثرة, فإنه يعلم ان كل انسان معرض للخير والشر, وأن الحياة تدور على الجميع, بكل محتوياتها من جيد وغير جيد, ومن حسن وغير حسن, وأن محاسن الدنيا ومساوئها, توزَّع على كل أبناء البشر بالتساوي, فلا بيت ولا اسرة, تخلو من نجاح, ولا بيت ولا اسرة تخلو من مشكلة, في نطاق فترة زمنية معينة, فقلما تجد انسانا لم يواجه في حياته اي مشكلة, وهو دائما ناجح وراضٍ عما يحدث له, وقلما تجد انسانا كل حياته مصائب وويلات, فالله سبحانه وتعالى, يقسّم هذه الأشياء على الجميع، ولهذا فالإنسان المؤمن, يتقبل المصيبة مثل المنحة, بأنها فرض وواقع وحتم سيصيبه, وعليه ان يتقبلها, ويمر بها دون ان يتزعزع ايمانه, ودون ان يفقد ثقته بالله وبالأنبياء وبالأولياء الصالحين, وهذا الانسان, إذا تصرف هكذا, فإنه يكسب مع الوقت حصانة واستعدادا نفسانيا, للتغلب على كل ما يواجهه من مشاكل. ان رجل الدين المؤمن الحقيقي, لا ييأس ابداً من رحمة الله, ومهما تراكمت عليه المشاكل, يظل يؤمن ان الله سبحانه وتعالى, يفرض عليه هذا لحكمة يجهلها هو, ويظل الأمل يراوده في تحسن الأحوال وتغيرها, وهذا هو عادة ما يتحقق, فمهما بلغ الليل من الظلام, فلا بد ان يأتي الفجر والفرج, وان تتحوّل الظلمة الى نور مشرق ساطع متلألئ في حياة ذلك الانسان. إن السلاح الذي يحمله رجل الدين, لمجرد كونه متديناً, هو أقوى سلاح ممكن ان يتواجد على وجه الارض. لأن هذا السلاح منبثق عن ايمان هذا الانسان بالله, سبحانه وتعالى, وبهذا الايمان يكتسب في لحظة معينة, قدرة وقوة لا نهاية لهما, وهكذا يحارب رجل الدين العناصر الاخرى بقوته وايمانه ومسلكه, الذي يعتمد به على الله, سبحانه وتعالى, في كل كبيرة وصغيرة. وإذا اضفنا الى ذلك, السعادة الكبرى التي يشعر بها رجل الدين, لمجرد قناعته بما كتب الله له, وهذه قاعدة هامّة في حياة رجال الدين. فكل انسان متدين يتمتع بقدرات عقلية, وإمكانيات جسمانية ونفسانية كبيرة, وله طموحات وبرامج وآمال وأهداف مثل اي انسان, والفرق ان المتدين, يحاول ان يحقق احلامه وآماله, فإن نجح فهو سعيد, لأن الله وفقه وسدد خطاه, ومنحه تحقيق أمانيه, وتنفيذ مشاريعه, وهو يحمد ربه ويشكره, ويحاول ان يقوم بواجبه خير قيام. وإن فشل او حقق جزءاً مما كان مخططا, فإنه كذلك يشكر ربه, على ما حققه ويؤمن, ان هذا هو ما كتبه الله، سبحانه وتعالى له, فيكتفي به, ويظل قانعا مدركا, انه في هذه اللحظة هذا ما يمكن له ان يصل اليه. هذه القناعة هي امر عظيم, فهي توفر على الانسان, خيبة الأمل والشعور بالإحباط والتقصير والفشل, وتجنّبه كل الخصال الغير مستحبة, مثل النقمة والغيرة والحسد, هذه الامور المتوفرة بكثرة في المجتمع خارج نطاق الدين. كل هذه الخصال والامور, تجعل من رجل الدين, انساناً قنوعاً راضياً سعيداً هانئاً بقدره وإمكانياته.
وهنا لا بد ان يقوم احد او أكثر, ويثور صارخاً قائلا, انه يعرف رجل دين هنا او هناك, لا يتمتع بهذه الخصال, وينافس ويجاهد ويعمل بعكس كل ما ذكرناه هنا. وهذا صحيح, ولا بد ان يكون بين الاف رجال الدين, أولائك الذين يتزيون بالمظهر الديني, وهم بعيدون كل البعد عن التعاليم والأصول الدينية الحقيقية, ففي كل مجتمع يوجد بعض الشاذين او المنحرفين, الذين  يتصنعون الدين, وهو منهم براء, لكن الأغلبية الساحقة, هي تلك المجموعة الهادئة من رجال الدين, الذين يتقيدون بجد وبحق, بكل مسالك الدين وفروضه, وينفذون كل متطلباته, ويعملون جاهدين من اجل ان يفوا بواجباتهم, وان يستفيدوا من تجارب غيرهم, وان يستمتعوا بكل قدرات ومناعم المذهب القويم.
وفي هذه الأيام, حيث نعيش ليالي العشر المباركة, التي تهيئ لنا الفرصة, ولكل افراد المجتمع الدرزي, ان يلقي بنظرة الى الدين, وأن يحاول ان يتذوق قطرة من قطرات التوحيد, حيث يفسَح المجال امام الطبقة المسماة عندنا, بطبقة الجهال, لأن يشتركوا بالسهرات الدينية، في هذه الأيام نهيب بجميع من ينبض في عروقهم دين التوحيد, ومن حالفهم حظهم, ان ينتموا الى هذه الطائفة الكريمة, وهم حتى الآن بعيدون عن حقيقة التوحيد, نهيب بهم ان يتوقفوا للحظة, وأن يتأملوا الواقع الذي يعيشون فيه, وأن يحاولوا ولو مرة واحدة, الإقتراب من مسالك التوحيد, أن يضيّعوا ساعة واحدة من وقتهم, ويكفي ان يضعوا على رؤوسهم غطاء رأس, وأن يحضروا سهرة من سهرات ليالي العشر, لكي يروا بأنفسهم, عملية الخلق التوحيدية الرائعة, التي تجري في الخلوات, حيث يجلس الجميع على الفراش او السجاجيد, وليس فيهم رئيس او مرؤوس, وكلهم سواسية خاشعون, للترانيم الدينية وللألفاظ المذهبية, في جو مفعم بالتقوى وبالتواضع, وباحترام الغير, وكل من يجلس في اي مجتمع ديني في هذه الليالي المباركة, ويرى العمائم الناصعة البيضاء, ويرى الجموع الحاشدة, لا بد ان يشعر بالقوة والعظمة والعنفوان التوحيدي الكبير, الكامن في هذه البساطة, وفي هذا التواضع, وفي هذا المجلس العامر  والنابض بتعاليم المذهب والتوحيد. مذهب التوحيد هو محيط كبير, زاخر بالكنوز والمجامع والأرصدة والأسرار والعلوم. وكل من يقترب من هذا العالم, بإمكانه ان يرشف قطرة واحدة من التوحيد, وبإمكانه ان ينهل وعاء اكبر, وأن يغوص في اعماق هذا الاوقيانوس الزاخر. فكل انسان يستوعب ما يستطيع, وما يرغب, وما يلذ له, ان يأخذ من هذا المجمّع الكبير, ولا احد يفرض على احد, كم ومتى وماذا, يأخذ من هذا النبع الصافي العظيم . إلا اننا نقول, ان الجواهر واللآلئ العلمية والفكرية مليئة ومتوفرة في مذهب التوحيد,  وكل من يرغب بنية صافية, وفكر مستقيم, وهدف نبيل, ان يلج هذا اليم الكبير, يجد فيه مبتغاه, ويستطيع ان يحقق فيه كل ما يريد. وقد تعوّدنا في عالمنا الخارجي, ان نقدّر ونحترم المظاهر الخارجية, كالسلطة والملك والزعامة والغنى والقوة والعظمة, ومن يلقي بنظرة عبر نافذة التوحيد الى الارصدة العظيمة الموجودة هناك, يجد كم هي رخيصة وتافهة, كل تلك السخافات الخارجية, وما أغنى وما أكبر, تلك الكنوز العظيمة المتوفرة عبر نافذة التوحيد. فالقوة والسلطة والحكم, هي أمور زائلة لا تبقى, أما الروحانيات ومباديء الإيمان, فهي خالدة أبد الدهر ولا تمحى, لذلك نجد أن الغلماء والفلاسفة والكتاب, هم أقوى وأبقى من الملوك, وهنا لا بد لنا, إلا أن نستعيد ما قاله قديما, أحد الحكماء في هذا المضمار، وما زال ساري المفعول حتى اليوم وهو "إذا رأيتَ العلماء على ابواب الملوك, فقل بئس الملوك وبئس العلماء، وإذا رأيت الملوك على ابواب العلماء, فقل نعم الملوك ونعم العلماء." ونحن والحمد لله, في أعماقنا  مجتمع دبني أصيل, أثبت مع الوقت, أن الملوك هم الذين يقفون على أبواب العلماء,  والعلوم المدفونة  في كنوزنا باقية الى ابد الآبدين, وعلينا فقط, فهمها ودرسها والمحافظة عليها. ولكم جميعا خير الثواب.

وكل عام وأنتم بخير


سميح ناطور


دالية الكرمل

كانون ثاني
2004

 
التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2018 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.