spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 94
معركة الأربعين زوجا
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 136
العدد 135
العدد 134
العدد 133
العدد 132


 
الشيخ ابو حسين يوسف عبد الوهاب طباعة ارسال لصديق
بقلم د. سلمان فلاح

(1984-1895)


شيخ جليل, ولد في لبنان, وعاش في قرية الغارية في جبل الدروز, عفيفاً بتولا يرعى الأرض, ويحفظ الدين, ويؤدي الصلوات, ويعمل الخير. ولد الشيخ في قرية عين قنية الشوف, لوالدين موحديْن, هما الشيخ ابو يوسف حمود عبد الوهاب, وأصله من قرية بريح, إلا انه انتقل الى عين قنية, وتزوج فيها من السيدة فضة قاسم جمال, من آل ماهر واستقر فيها. نشأ الشيخ يوسف, فتى يقظاً نبيهاً, فأخذ ينتقل الى المختارة ويتلقى تعليمه في الكنيسة, كما انه تعلّم في عماطور. وكان يتردد على الشيخ ابي يوسف اسماعيل عبد الصمد من عماطور, ويدرس اللغة والعلوم الدينية على يديه, لكن والده واجه المرض, وعجز عن العمل, مما سبب في قيام الشيخ يوسف بأعباء البيت, فكان كبير أخوته وهم اربعة صبيان وبنت, وشاء القدر, ان يتوفى والده وهم صغار, فتحمّل الشيخ يوسف, كل أعباء معيشتهم مع والدتهم.
 وكانت لبنان في ذلك الوقت, تعاني من آلام الحرب العالمية الاولى, وبالإضافة الى ذلك, حدث محل وغزت أسراب الجراد البلاد, وحوّلتها الى اراضٍ جرداء قاحلة, ووقعت مجاعات رهيبة, لكن الشيخ يوسف, تغلّب على كل هذه المشاكل, واستطاع بشق الأنفس, ان يعيل أمه واخوته الصغار, وقد انتقل الى جبل الدروز, ليجد العمل في قرية الغارية, وهكذا وفر المعيشة لأسرته في ذلك الوقت.  وقد وجد ان البقاء في لبنان صعب, فقرر الهجرة مع كل أبناء الأسرة الى جبل الدروز, حيث كانت الإمكانيات أيسر.
  استقرت الأسرة في قرية الغارية, وهناك بدأ يتعرّف على الإخوان, ويجتمع معهم ويتعامل وإياهم.  وكان قد اكتسب في هذه الفترة ثقافة علمية ودينية معينة, فأخذ يعمل بمهنة التعليم في النهار, وبعد الظهر كان يعمل بالفلاحة والحصيدة, كي يعيل الأسرة. وقد استمر هذا الوضع عدة سنوات, فاجتمع حوله لفيف من طلابه من رجال الدين من شباب القرية (.. أحبوه وساندوه واستقوا من معينه الدافق الفياض, وتمسّكوا بخواطره الشريفة الطاهرة, وعملوا بما أمرهم به من الطاعات, وشيّدوا مواضع العبادات, وأثاروا مناسك الديانات, وهو بينهم كالأب الشفيق والمربي الرفيق, يقوّي ضعيفهم, وينير طريقهم, ويسهر على مصالحهم, حتى غرس في نفوسهم الآداب الدينية في الحديث والمعاملات, والأخذ والعطاء, والبيع والشراء, ومعرفة الحلال والحرام, وآداب الجلوس والطعام... واستطاع بمساعدة إخوته وتعاونهم, ايجاد مفاهيم محددة, وخط واضح مستقيم, بعيد عن السياسة الجسمانية, حتى أثّروا في المجتمع بسيرهم الديني الصحيح... منشأ المرحوم صفحة 19). وهكذا مضت السنون, وكبر إخوة الشيخ يوسف, وأصبح هو مؤهلا للزواج, وقد أخذت والدته تضغط عليه ان يفتح بيتا ويبني اسرة لكنه تأبى بلطف. وعندما وقعت أحداث الثورة السورية الكبرى, بقيادة سلطان الاطرش, كان من المتجندين المتطوعين, وشارك في معاركها وجُرح في معركة عرى.   
وفي قرية الغارية فتح الشيخ يوسف, مجلسا دينيا, أخذ يكبر يوما بعد يوم, وسنة بعد سنة, وقد كان يواظب على إجراء السهرة الدينية في المجلس, مجتمعاً بالإخوان, يقرأ ويصلي ويشرح. وكان الشيخ يوسف كذلك مواظبا على زيارة مقام سيدنا مار عبدا عليه السلام, الواقع بالقرب من الغارية, وكانت تجري له زيارة سنوية, ففي اليوم المحدد, كان الشيخ يوسف, يسير نحو المقام مع اخوان الدين على الأقدام, فيكون المشي بعد الظهر, ويكون الوصول قبل الغياب بقليل, ويقطع الاخوان الطريق, بتلاوة المعلوم الشريف, وعند وصولهم الى المقام الشريف, يؤدون واجبات الزيارة, ثم يتناولون طعام العشاء, وبعدها تبدأ السهرة الدينية, التي تستمر حتى الصباح, وعند طلوع الشمس, يعود الزوار الى بيوتهم, في غاية الانشراح والتقوى والانبساط. وقد عيّن المشايخ في المنطقة, بتأييد من الشيخ يوسف, هذه السهرة مرة  كل شهر.
كان الشيخ يوسف يقضي معظم اوقاته, مقبلا على فرضه, في تلاوة المعلوم والقراءة في الشرح والمؤلف, وكان يحث الاخوان على حفظ الكتب الدينية ودرسها, وكان اذا حفظ احد الشباب شيئا, يقدم له هدية ويكرّمه, لشدة تمسكه بالواجب, وكان لطيفا في حركاته وكلامه, دقيقاً في ملاحظاته وانتباهه, حريصا على حقوق اخوان الدين, يزورهم ويسأل عن احوالهم. وقد ظهرت له بعض الكرامات, وأخذت تؤمّه وفود الموحدين من جميع الجهات, قاصدة التبرك والإرشاد. وكان يستقبل الجميع بترحيب وبشاشة, خاصة من هم على غير دينه, الذين كانوا يقصدون زيارته للتبرك بحقيقة مسلكه ونواياه. وكان يجيب سؤال القاصد بمجابرة ومجالسة وحديث. وكان كثير من الناس يقصدونه, ويطلبون منه الدعاء, لقضاء حوائجهم المختلفة, وكانت تُقضى لهم ببركته.( " .. كان الشيخ يوسف تقيا , ورعا, زاهدا, عفيفا, طاهرا,كثير الصمت, متواضعا, حريصا على حقوق إخوانه, جريئا في قول الحق, شجاعا في إطلاق أحكامه, بشوشا, متسامحا, حريصا على أن يأكل من كسب يديه, وعاش طوال حياته, يعلم الشباب, ويهديهم إلى أصول الدين, وإلى تتبع مسالك التوحيد, وظل ناذرا نفسه للروحانيات, متجردا من المادة ولم يتزوج... سميح ناطور,الدروز, شيوخ أعيان وأعلام ص. 192).
 وقد أصابه المرض في السنوات الأخيرة, وانتقل الى جوار ربه, في السابع من حزيران سنة 1984. وقد جرى له محفل مهيب يوم الجمعة الثامن من حزيران, حضره الالوف من الجبل والغوطة ولبنان والاقليم وبلاد حلب. وقد صلى عليه الشيخ ابو حمد محسن الملحم, ودُفن في الخلوة التي كان يقوم على شؤونها, وبُني له ضريح, يشهد على شخصيته وأعماله. وقد رثاه بعض الشعراء بالأبيات التالية:
 

 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2017 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.