spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 64
لمحة موجزة عن سيرة العارف بالله المرحوم الشيخ ابو علي م
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 135
العدد 134
العدد 133
العدد 132
العدد 131


 
كلمة العدد: لئلا تذبل في حقولنا الأزهار طباعة ارسال لصديق
لئلا تذبل في حقولنا الأزهار
رأى أحد الملوك في نومه حلماً مزعجا, فاستيقظ حزينا ضيق الصدر, ودعا كل المفسرين في المملكة ليفسروا له حلمه. وكان الحلم, أنه رأى نفسه جالساً على العرش, في أحسن حالة, وأجمل هيئة, وأعظم مظهر، وفجأة, أحس بأن أسنانه تتساقط, الواحدة تلو الأخرى, حتى لم يبقَ في فمه واحدة منها. ولما قص الملك الرؤيا على المفسرين, أخذوا جميعاً, يحاولون تهدئة روعه, بالقول الباطل وبالأحاديث الكاذبة, ليستريح قلبه. ولم يخبروه بالتفسير الحقيقي للحلم. عندها شك في الأمر, ونظر الى الجميع, فوجد اثنين في الزاوية صامتيْن, فسألهما الملك عن صمتهما, فقال أحدهما: يؤسفني يا مولاي, أن أخبرك, بأن اولادك جميعاً, سيموتون في حياتك, وسيحزنك هذا كثيراً. فلما سمع الملك هذا القول, أظلمت الدنيا في عينيه, وملأه الغضب حتى ذهب بعقله, فقال لحارسه : إذهب بهذا الرجل الى السجن. ثم نظر الى الآخر وقال له : وأنت ماذا تقول. فأجابه : يا مولاي تفسيري, أنك ستعيش عمرا طويلاً, أطول من عمر اي انسان آخر في أسرتك, وهذا امر يتمناه شعبك ويحبه. فرح الملك وزال ما كان به من هم, وكافأ الرجل مكافأة مجزية...
نرى هنا, ان الرجلين قالا نفس الكلام, ولكن كل واحد, من وجهة نظر اخرى. ونحن نجد ان أبشع الأشياء في الكون – الموت, يمكن ان ينظر اليه الإنسان بأكثر من وجهة نظر, فكم بالحري بالأشياء الأخرى, وباستطاعتنا ان نكون لطيفين وحساسين مع زملائنا, وأن نقول نفس الفحوى, ونفس الرسالة, ونفس المغزى بطرق مختلفة. لكن ليس هذا ما يعنينا اليوم, وما يهمنا وهو محور بحثنا, هو موضوع الموت بحد ذاته.
الطائفة الدرزية لا تهاب الموت, وقد أثبتت في تاريخها الطويل, ايمانها العميق بالله, سبحانه وتعالى, وبالأجل المحتوم, وبالقدر المكتوب, فكل مؤمن من ابناء الطائفة, يتقبّل هذا القدر, بالرضى والتسليم, حامدا شاكراً, ولا يخاف ولا يشتكي. لكن هناك نوع واحد من الموت, يقضّ مضاجع أبناء الطائفة, وينزعجون منه كثيراً, ويمقتونه بشدة وهو الانتحار. الانتحار في عُرف معظم الأديان السماوية, هو عمل كفر وجحد بمشيئة الله سبحانه وتعالى, فالله هو الذي يحيي وهو الذي يميت, ولا حق للإنسان ان يزهق نفسا بشرية. والانتحار هو حدث بغيض تستنكره كافة الاديان وخاصة مذهب التوحيد. فالاعتماد على الله, سبحانه وتعالى, في مذهب التوحيد, هو أمر عريق وموثوق به, لدرجة ان القضاء والقدر, هي امور اصبح مسلّماً بها عند كل النفوس التوحيدية.
 وللأسف الشديد, نشاهد في مدينة الكرمل, وفي قرى الجليل, اجتياح  موجة من الانتحار عند زهرات شبابنا. وقد أصبحت هذه ظاهرة محيّرة وتسترعي الانتباه, وتتطلب ان يوضع لها حد, لئلا تكبر وتستفحل, وتصبح عادة مستحبة تودي بأرواح خيرة شبابنا.
لقد كان موقف مذهب التوحيد ورجال الدين واضحاً دائماً, بالنسبة للمنتحر, وأسلوب التعامل معه. فالمنتحر, بعكس اي انسان آخر توفي, يفقد الرحمة ولا يخرج في جنازته الناس, ولا يصلَّى عليه, ولا يؤبَّن, ولا ينعى موته, لأنه خالف القوانين الإلهية, ووضع حدا لحياته, وهذا ليس من صلاحياته. وهنا نتوقف عند نقطتيْن هامتيْن متعلقتين في هذا المضمار. الاولى هي لماذا كثرت هذه الحوادث في الآونة الاخيرة في ربوعنا, والثانية كيف نتعامل مع حوداث الانتحار خاصة مع الشباب المجندين.
لا أحد ينكر, ان مجتمعنا مرّ في السنوات الاخيرة, في تغييرات وتقلبات وتطورات سريعة. فقد قفزنا وبوثبة واحدة, من رواسب الماضي الى احضان القرن الواحد والعشرين. ونكاد ان نقول, ان المدنية والرفاهية غمرتنا حتى كادت ان تخنقنا. في السابق, كان الشاب يفتح عينيه على حقل والده, ويبدأ منذ السنوات الاولى في حياته, يرافق اسرته الى الأرض, يفلحها طوال النهار, ويجني منها قوت يومه, ويعود الى بيته في المساء, منهكا متعبا, لكنه سعيدا قانعا بنصيبه. وعندما يبلغ سن الرجولة, كان يعثر له على فتاة من اقاربه, يتزوجها ويبني له عشا وبيتا دفيئيْن. وكان معظمهم قريبا من الدين, ويشترك في السهرات والمذاكرات التي زادته ايمانا وقناعة بنصيبه وقدره وحياته. وقد كان الشاب يحصل بصعوبة على طقم ثياب جديد مرة في العيد, ولم تكن تتوفر لديه الألعاب ووسائل الترفيه والمتعة, وكان كل همه ان يقضي يومه, ويقوم بواجبه اتجاه بيته وأسرته وقريته. وهكذا كان ماضيه واضحا, ومستقبله أكثر وضوحا, يعرف ما له, وما عليه, وأين هو مكانه في المجتمع. وكان مؤمناً قنوعاً راضياً وقابلاً لكل ما هو آتٍ .
 أما اليوم فقد تطورت الحياة, وانكشف المجتمع الدرزي على كل التقنيات والاختراعات ووسائل الحياة والمتعة والترفيه. ان الفتى في يومنا, يملك اشياء كان فقط يحلم بها ابن جيله قبل عشر سنوات, فكل شاب اليوم, يملك كرات قدم، أجهزة كومبيوتر، مسجل، تلفزيون، تليفون خلوي وأشياء كثيرة اخرى. وفي كل بيت سيارة, وعندما يبلغ الفتى العاشرة او أكثر يبدأ والده, وبعدم مسؤولية. يسمح له بأن يسوق السيارة, وأن يتصرّف بكل أجهزة البيت, مثل السلاح والأجهزة الكهربائية وغيرها. لقد اصبح الفتى اليوم, كثير التدلل, قليل الطموح, يعيش في جو من القلق, لأن الرفاهية فتحت أمامه أبوابا كثيرة, ولا يستطيع ان يحدد مساره او طريقه دائماً. في السابق, كان الجميع يسيرون في طريق واحد, وكان على كل فتى ان يمشي في هذا الطريق حتى وإن لم يعجبه. أما اليوم, فكل شاب يتمتع بكل الإمكانيات المتوفرة في المجتمع, فهو يستطيع ان يتعلم اي موضوع يشاء, وباستطاعته ان يخرج للعمل في اي مكان, وباستطاعته ان يتجند للجيش, او ان يسافر لسنة كاملة الى امريكا الجنوبية او الشرق الاقصى, كما ان بإمكانه ان يقضي ايامه ولياليه في البيت, متنقلا بين سرير نومه وبين التلفزيون والفيديو والكمبيوتر. لقد اصبح هذا الجيل مدللا كثيرا, لأن الحياة تحسّنت وتقدمت, ولا يعاني اليوم أي بيت, من الفقر او الجوع, فاللقمة متوفرة, والحمد لله في كل البيوت. إن شباب هذه الأيام لا يعرفون قيمة لقمة العيش, ولا يجدون لها نفس الطعم, مثلما وجده الشباب قبل عشرات السنوات. من هنا, فإن الشباب اليوم يتخبطون بين اتجاهات مختلفة, ومسارات متشعبة وضغوطات متنوعة. والحياة اليوم لا تُكسبهم تلك القوة وتلك المناعة, وذلك العزم والتصميم مثلما كان في السابق. ويكفي ان تصادف هذا الشاب اي أزمة, او مشكلة او قضية غير متوقعة, او حب فاشل او اي خيبة امل, حتى يهتز كل كيانه, وتتزعزع كل ثقته, ولا يعرف ماذا يفعل وكيف يتصرف. والأغلبية الساحقة من الشباب تسأل وتستشير وتتعاون مع الاخرين في حل مشاكلها. لكن يظل هناك بعض الأفراد الذين, وكأنهم تسد أمامهم كل الطرقات, فيقضي عليهم اليأس, ويفقدون كل أمل في الحياة, ويضعون حداً لأعمارهم بالانتحار.
ونحن نعتقد, اننا ملزمون بأن نجد الحلول لهذه الظاهرة المقلقة في حياتنا. فعدد الذين ينتحرون عندنا, يزداد سنة بعد سنة, ونحن مكلفون, بما في ذلك كافة القوى والعناصر والمؤسسات عندنا, من رجال دين وتربية وتعليم وسلطات محلية وآباء وأمهات ومثقفين واختصاصيين, ان نجد الحل لهذه الظاهرة كي لا تستفحل وان نمنع وقوع هذه الحوادث في ربوعنا. ونحن نلاحظ ان من بين الشباب المنتحرين, عددا لا بأس به من المجنّدين, وهذا يحوّل الصورة, ويجعل الوضع مختلفا بالنسبة للشباب العاديين. المنتحر العادي لا تجري له جنازة ولا يكون موته حدثاً ذا أهمية في المجتمع او في القرية. أما المنتحر المجند فبسبب القوانين والتقاليد المتوارثة في الدولة, فإنه تجري لكل من توفى في نطاق الجيش, جنازة عسكرية رسمية, ويضطر رؤساء الطائفة والمسؤولون حضور هذه الجنازة والإشتراك في التشييع. وهنا تبرز للعيان وللأذهان حقيقة هضم حق المنتحرين من غير الجنود. فإما تكون المعاملة واحدة لكل من ينتحر مهما كان انتماؤه, وإما يعامَل الجميع بنفس الصيغة والطريقة, وعلى القيمين في الطائفة الدرزية وخاصة الموجودين في المجلس الديني وأئمة الخلوات ان يتخذوا لهم موقفا واضحا من قضية الانتحار في النطاق العسكري او خارجه. وفي الحالتين, هناك دائما أسرة منكوبة فقدت أعز ما عندها, في حدث أليم وفي أمر فيه ضيق وفيه عدم ارتياح, فالموت صعب دائما, لكن مشاركة الاخوان والجيران والاقارب والمعارف والاصدقاء وباقي ابناء الطائفة تشجع اهل الفقيد على التغلب على فقدان عزيزهم. أمّا فيما يتعلق بالانتحار, فلا يكفي الاسرة انها فقدت وبدون مقدمات وبدون انذار عادة, اعز ما عندها, حتى تصطدم هذه العائلة بالموقف الصارم من المجتمع بالنسبة للمنتحر. أما المنتحر نفسه فقد ترك هذه الدنيا وذهب, وأي عقاب يفرض من قبل المجتمع لا قيمة له بالنسبة اليه. العقاب يؤثر فقط على أهله وذويه وهؤلاء يكفيهم انهم فقدوا ابنا عزيزا لهم. لهذا وبما أننا مجتمع متسامح ولنا أصول وتقاليد وعادات, علينا أن نجد الطريقة المناسبة كيف نزيل فكرة الإنتحار من رؤوس الشباب , وإذا حصل ذلك كيف نجنب أهلهم الحسرة والويل والألم. وكلنا متفقون أنه يجب أن يكون تمييز بين المتوفي والمنتحر, فإذا انتحر, لا سمح الله, إنسان متدين مطلع فيجب أن تفرض عليه كل العقوبات لأنه عارف وعالم بما له وبما عليه, ولكن إذا انتحر شاب ما زال في مقتبل العمر ولم يكن هناك من يرشده وهو لا يعلم ولا يقدر عواقب أعماله, ففي هذه الحالة يمكن أن تجري له جنازة عادية بدون رحمة وبدون صلاة وبدون مراثي وبدون نعي, لكن بحضور رجال الدين والجماهير وذلك مراعاة لخواطر أهله وأقربائه.
لقد اكتشف الإنسان أعماق الفضاء, ووصلت المراكب الفضائية إلى عنان السماء, وبلغ العلم شأوا عاليا, لكن تظل النفس البشرية هي سر الأسرار, وحتى الآن لم يستطع أي عالم أن يقدم تفسيرات لأمور كثيرة تحصل في نفوس البشر.وعندما ينتحر أحدهم يذهب عادة سره معه, ولا نعلم ما دار بخلده, وكيف وصل إلى ما وصل إليه. ويظل واجبنا هو ان نواسي أهله وذويه وأن نقف الى جانبهم, لأن لا أحد يرغب ان يفقد عزيزاً عليه, وتبقى الفرائض التوحيدية تحثنا وتلهمنا وتدفعنا الى تقديم العون والمساعدة المعنوية والنفسية الى اولئك المساكين الذين ذبلت الآزهار في حقولهم.  

والله  ولي التوفيق...


سميح ناطور


دالية الكرمل
اذار 2004

 
التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2017 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.