spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 126
وداعاً شيخ الكرامة
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 140
العدد 139
العدد 138
العدد 137
العدد 136


 
من يد جواد لا أعدمها الله طباعة ارسال لصديق
الشيخ اسعيد  ستاوي
المغار

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدلله بارئ النسم، والمغدق على خلائقه بحار الجود والنعم، ومفني الأحياء ومحيي الرمم، وأوفى الصلاة وأتم السلام على عبده المصطفى المختار من بين الخلائق والأمم، رسوله وخاتم أنبيائه المبعوثين الى الأعراب كل ٍ والعجم، صلوات تتتالى، وتحيات طيبات بترداد تتوالى وتتعالى، ونسأله جل شانه وتعالى، بحرمة أعظم العطايا، وأشرف رسله منذ البداية، وبحق الآل والصحب أشراف الخلق والبرايا، صفوته الصابرين في مرضاته على المحن والبلايا، ومحل النعم وأنوار الهداية، أن يحشرنا وإخواننا بزمرتهم، وأن يشرفنا بمحل نعمه لا نقمه بخدمة شيوخنا وخدمتهم، وأن يحفظ علينا شيوخنا بقية بقيتهم، وأن يبقي علينا نعمته بطول مدتهم، لنأنس بهم وبطيب سيرتهم، له نسأل، وبحق أحبائه شيوخنا وبركتهم نضرع ونتوسل، أن يبقي علينا ديمومة تبعيتهم.
وبعد فلقد وكـّل الله لأوليائه الأمر، شيوخنا في هذا الزمان والعصر، تنزيلا ً من عنده "أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر" سورة النساء 59.
وقد قام فضيلة شيخنا الجليل، الشيخ أبو محمد جواد ولي الدين، أدامه الله وحفظه ولي أمرنا في عصرنا الحالي، وأكبر مرجعياتنا في هذا القطر الغالي، بتتويج شيخينا "الأمينين" أصحاب القدر العالي، بالعمائم المدوّرة المكرمات الغوالي، اعترافا بفضلهم وإشارة وتيقيناً للتوحيديين بأنهم ولاة أمرهم، وشيوخ عصرهم، وتنبيهاً لهم بجلالة قدرهم، وتمييزا لهم عن غيرهم، أطال المولى وأمد بأعمارهم.
وقد كثر التساؤل والاستفسار عن أشخاص مشايخنا، ربما لضحالة معلومات الإخوة في وسطنا عنهم، لحرماننا من زيارتهم ورؤيتهم والتقرب منهم، حيث حالت الحدود والدول دون التعرف عليهم، والقرب من جنابهم، والتماس بركتهم.
ورأينا إلحاح الحاجة والطلب من جهة الإخوان للكتابة عنهم، للتعرف عليهم أكثر، كيف لا، وهم أعيان العصر وأركان العشيرة وولاة الأمر.
وقد تحدث الأخ الشيخ نادر خير، بمقالته في العدد الماضي عن تتويج الشيوخ مشكوراً، وكذلك العم أبو نهيد علي المن، لذلك فسنتجاوز عن حديث التتويج إلى الحديث عن شخص شيوخنا الأجلاء، وسنورد ها هنا ثلاثة مقالات عن شيوخنا لنعرّفهم لإخواننا قدر الإمكان والاستطاعة، أقصد بذلك الثلاثة شيوخ الذين تـُوّجوا، واعتـُرف لهم بالفضل والديانة، على يد المرجع الروحاني الأكبر، شيخنا الشيخ أبو محمد جواد ومن معه من الأركان والثقات وهم "الأمينين" السادقين، الشيخ أبو سعيد أمين أبو غنام (عرمون) والشيخ أبو يوسف أمين الصايغ (شارون) أدامهما الله، والراحل المتوفى فقيد المجتمع الديني، الشيخ أبو سعيد حمود حسن (البنيه) رحمه الله ، وهم الثلاثة الوحيدون المتوجون في هذا القرن الحادي والعشرين، وآخر من تتوج بهذا العمائم المكلوسه (المدورة) بعد تتويج الراحل سيدنا الشيخ أبو حسن عارف حلاوه (معصريتي– الباروك) رحمه الله للراحلين، الشيخ أبو محمد صالح العنداري (العباديه) والشيخ أبو ريدان يوسف جابر شهيب (عاليه) رحمهما الله، وشيخنا الشيخ أبو محمد جواد ولي الدين (بعقلين) أطال الله عمره وأمد بأيامه خلال القرن الماضي سنة 1988.
وسنبدأ بالكتابة عن شيخنا الأسنّ، الشيخ أبو سعيد أمين، ثم ننتقل إلى فخر الشباب، شيخنا الشيخ أبو يوسف أمين، ومن ثمة الراحل الفقيد شيخنا الشيخ أبو سعيد حمود.
وعمدة ما سنكتب هو مما استقيناه من ألسن الثقاة والمقربين، أو رأيناه والتمسناه في البياضة الأزهر الشريف، والله ولي التوفيق.

 

الشيخ أبو سعيد أمين أبو غنام

شيخ الحلم والعقل والرزانة، والطهارة والنزاهة والأمانة، وزهرة الشيوخ الأحياء الذين بقوا على سلك السادة الراحلين، والشيوخ الأقدمين، وعلى رأسهم سيدنا الشيخ أبو حسين محمود فرج (عبيه) الطاهر السادق الأمين، معلمه وأستاذه على نهج البررة الميامين، والذي حظي شيخنا عنده وجعله من أبرز التلامذة المقربين، والطلبة المقدمين، فكان سوية مع شيخنا الراحل الشيخ أبو سعيد حمود بقية ما تبقى من ورثة سلك سيدنا الشيخ ومنهاجه في الدين، وتطبيق طريقته بين الأخوة الموحدين.
ولد شيخنا، الشيخ أبو سعيد أمين يوسف أبو غنام، في عرمون في شهر آب من سنة 1915، ونشأ في كنف أسرة دينيه متوسطة الحال، وظهرت عليه معالم التقوى والورع باكراً، فنشأ أحسن النشوء وكان مع مجموعه من إخوانه في ذلك الوقت يشكلون العصب الديني في وقت انتشر فيه الضعف، وكان سيدنا الشيخ أبو حسين محمود فرج سنداً لهم وذخراً، حتى أصبح كالمرشد لهم والمعلم، وهم كالتلامذة الذين يستقون هديهم من أستاذهم ودليلهم، فكان نعم المرشد المفيد، وكانوا نعم الطالب المكمّل المستفيد، والداعم المعاضد.
امتاز شيخنا بالورع والتقوى، وتميز بالحلم والروية، بعد أن روّض نفسه على ذلك، حتى أصبح مضرب الأمثال في البلاد، بحلمه ورجاحة عقله وسداد رأيه، فأضحى من المراجع، واكتسب ثقة الشيوخ، وأصبح ذا مكانة خاصة وكبيره عندهم، وعند سيدنا الشيخ أبو حسين محمود فرج، فكرمه سيدنا الشيخ أبو حسين بإلباسه العباءة البيضاء المقلمة، ليصبح من أعيان البلاد.
ذلك رغم أن شيخنا لم يتوجه إلى خلوة ليتخلوت، أو إلى مسجد أزهر ليتعلم، بل كانت خلوته بيته، ومنزله مسجده وموضع عبادته ومجاهدته، كل ذلك لتجنب الشهرة، اللهم إلا مرةً واحدةً أصر فيها المرحومان الشيخ أبو حسين إبراهيم أبو حمدان (ميمس) والشيخ أبو علي مهنا حسان (حاصبيا) شيخا البياضة الشريفة تلك الأيام رحمهما الله، على الشيخ  بالقدوم للبياضة، المحل الأزهر للتعبد هناك ، فذهب الشيخ ومكث أسبوعاً واحداً فقط، نزولاً عند خاطرهم ثم عاد بعدها حالاً.
اقترن شيخنا بالمرحومة الفاضلة، سليلة الأفاضل العنداريين، وهي كريمة الشيخ المرحوم أبو سليم حسين العنداري، وأخت الشيخ أبو يوسف سليم العنداري من العبادية رحمهما الله، وكان (سابقـًا) عديلا ً للشيخ الفاضل الراحل الشيخ أبو علي محمد الحلبي (عرمون) رحمه الله، رفيقه وصاحبه في درب التقوى والفضل، ثم توفيت رحمها الله فاقترن لاحقاً بالست الفاضلة سهيلة الفطايري .
كان شيخنا من أعيان الشيوخ الداعمين لفقيد الأمة وسيد العشيرة، سيدنا الشيخ أبو يوسف أمين طريف رحمه الله، وكان من الموقعين على الوثيقة التي أرسلت دعما لسيادته مسانداً له، وكانا على صلة وبينهما مراسلات.
أخذ شيخنا الكثير من السلوكيات والمعاملات كالورع والتدقيق والحلم والتريث عن سيدنا الشيخ أبو حسين معلمه، وسلك سلكه في عدة أمور حساسة، منها تركه للسياسة وحتى السياسة الدينية، وابتعاده عن كل هذه الأمور، حيث كان يتركها قديما لسيدنا الشيخ أبو حسن عارف، ولاحقاً لشيخنا الشيخ أبو محمد جواد، على خطة سيدنا الشيخ في هذا الأمر،
وكذلك من جهة العمل بالنوايا، فإذا نوى على عمل أو مسعى خير فينطلق إليه ويسعى جاهداً في تنفيذ نيته الشريفة بغير توان ٍ كل هذا على خطة معلمه وأستاذه سيدنا الشيخ، الذي لم يزل يعتبره المثال الأرقى والقدوة الأسمى، فكثيراً ما نراه يحدث عن سيدنا الشيخ ويستشهد به وبأفعاله وسيرته مع الإطراء والإعجاب الكبيرين لشخصية سيدنا الشيخ التي كان يجلها كثيرا. وكان شيخنا في غالب الأحيان اذا زاره سيدنا الشيخ أو ضاف في بلدته فيرافقه إلى أطراف البلدة لوداعه هناك تقديرا لشخصه الطاهر.
ومرت الأيام وتتالت السنون وبقي شيخنا متمسكا بكثير من المواقف والعادات الدينية الشريفة التي ورثها عن الشيوخ الأقدمين ولم تزدها السنون إلا تواضعاً وديناً ووقاراً فكانت له مهابة خاصة عند الجميع بالرغم من البسمة الدائمة التي تعلو مُحيّاه .
وبذل الشيخ كل ما بوسعه لتطبيق الأوامر والنواهي على منهاج شرح السيد الأمير (ق) وكان حريصاً على تطبيقه بإصرار وعزيمة كبيرين، وعمل جاهدا لحفظ الإخوان وجمع الشمل ونبذ الخلافات الدينية، حتى أصبح مقصداً يقف الجميع عند خاطره.
في العام 1991 دعا الشيخ إلى تشييد خلوه في عرمون وأقام بها نهضة دينية واسعة، فأصبحت محجة للشيوخ والشباب التائب تعج بالمستجيبين والمريدين.
وسمعنا من الإخوان الثقات أن المرحوم سيدنا الشيخ أبو حسن عارف (ر)، كان ينوي تتويج الشيخ بالعمامة المكلوسة، لكن لم تشأ الظروف ولم تساعده الأحوال على ذلك، واستجابة وكرامة لنية سيدنا الشيخ أبو حسن عارف الشريفة، وبعزيمة شيخنا المقدام الشيخ أبو محمد جواد، تم تتويج الشيخ أبي سعيد في بيته في صوفر، التي تبعد ما يقارب 35 كم عن بلدته عرمون، قبل ما يقارب الشهرين، وبالتحديد في يوم السبت الرابع من تشرين الثاني من سنة ألفين وستة (2006-11-04)
وبرفقة العديد من المشايخ الثقات، من عاليه وبيصور وبطمة والمنطقة، بعد أن كان الشيخ قد أتم عامه الواحد والتسعين،
وقد أفاض شيخنا، الشيخ أبو محمد جواد في مديحه والشهادة له، بما هو أهلا له وقابله التواضع والاعتراف والتذلل من شيخنا مما أتى على ذكره الأخ نادر في خبر التتويج ورآه الأخوة في الشريط المصور فلا حاجه للإعادة.

 

الشيخ أبو يوسف أمين الصايغ

هو الشيخ الشاب المتواضع، وغصن التقوى اليانع، والحافظ المتقن البارع، والمرتل المدقق الرائع، والعلم الوضاء اللامع، والنبراس المنير المشرق في الجوامع، والقارئ المسبح الساجع، والمرنم ترنيم الأسحار والليال في المجالس والمجامع، قرّا الشيوخ في أفضل من أمتع المسامع، فأطرقت لروحانية الفاظه وعذوبة نطقه إطراق المتذلل الخاضع، والعابد المفتقر الراكع.
امتـُحن شيخنا بأنواع البلا في شبابه اليافع، فما ازداد إلا صبراً وجَلـَداً كالحصن المتمساك المتمانع، بل كالمتعافي راضياً بنصيبه قانعا، صابرا على مصابه، شاكرا لربه الواهب المانع، الذي امتحنه فما ازداد الا شكراً أوان المجازع.
وُلد الشيخ أبو يوسف أمين الصايغ في ليلة الجمعه المباركة في السابع عشر من نيسان من سنة تسع وخمسين وتسعمائة وألف ( 1959- 04 -17) للأب توفيق والأم شفيقه في بلدة شارون، وكان ثالث ستة اخوه، وثلاث أخوات توفي كبيرهم وإحداهن، وكذلك الأبوان.
 انتسب لعائلة كريمة ( آل الصايغ ) أنجبت العديد من أكابر الشيوخ، والعشرات من حفظة الكتاب العزيز وخاتميه، وقرائه ومجوديه، ونسّاخه وخطاطيه.
كان محباً للأجاويد والشيوخ منذ نعومة أظفاره، وكان يذهب للسلام عليهم كلما أتوا الى بلدته، وكان الشيوخ يحبونه ويدعونه للتدين، حيث كانوا يرون فيه المحبه والخير، واشتهر منذ صغره بصدق معاملته مع أقرانه ومحبته للجميع.
دخل مسلك التوحيد في  الثالث من آذار سنة 1976 أي قبل إتمام السابعه عشره من عمره، وتبعه أبواه بدخول هذا المسلك الشريف، فأكب على حفظ الكتاب العزيز ودرس العلوم التوحيدية على قدم الجد والمثابرة، ثم توجه الى المحل الأزهر الشريف (البياضه) لتلقي العلوم الدينية، فاشتهر باجتهاده واتقان حفظه لكل أيه وسوره من كتاب الله عند من عرفه وعلـّمه.
أخذ باتباع الأوامر والنواهي والفرائض الدينيه وطبقها على نفسه قبل أن يأمر بها.
ثم توجه إلى خلوة معصريتي لإكمال علومه الدينية، على يد أشهر شيوخ وقته آنذاك، المرحومين الشيخ أبو حسيب أسعد الصايغ، وسيدنا الشيخ أبو حسن عارف حلاوه رحمهما الله، فلازمهما ونهل من فيض علومهما، وغرف من بحار أفاقهما ومعلوماتهما، حتى علا شأنه عندهما، واعتبره الأخيران المرجع الشبابي الديني الأول، والتمسا منه تميزه بالصدق والمحبه والعشق الالهي لربه وصفيه والرسل.
رفع الشيخ راية السلام الديني بين أبناء طائفته الموحدين، ولم يرض بأي خلاف يقع بينهم، الأمر الذي دعا الشيوخ يسألون خاطره ومشورته في معظم الأمور للإقتداء برأيه السديد.
وتتالت سنون التقوى والإيمان، وزاد بها الشيخ إشراقاً ونوراً، ليسطع وجهه التوحيدي بزاد ما ادخره ، وبفيض حبه وإخلاصه لله ورسله، وأصبح هو وابن خالته ورفيق دربه الشيخ أبو سعيد أنور الصايغ مرتلا الكتاب العزيز وقـُرّائِهِ بحضرة المرحوم الشيخ أبو حسيب أسعد، وسيدنا الشيخ أبو حسن عارف (ر) من بعده.
فكناهما الشيخ أبو حسيب بأبي طاهر أمين وأبي سعيد أنور، تيمناً بالأولياء الطهره الأخوه أبي طاهر وأبي سعيد رضوان الله عليهما.
ولكن بعد ذلك ناداه سيدنا الشيخ بـ " أبا يوسف" ليصبح أبو يوسف أمين تشبهاً وتبركاً بفقيد الأمة وسيد شيوخها سيدنا الشيخ أبو يوسف امين طريف (جولس) (ر).
ولاحقاً طلب منهما سيدنا الشيخ أبو حسن عارف (اي من الشيخ امين والشيخ أنور) أن يتكملا ودعا المرحوم الشيخ بنفسه الى سهرة كمالهما والتي أقامها في بيته.
وقال للمقربين بأنهما الشيخين الوحيدين الذين لا يتكلم معهما
إلا بالدين ، فكل وقتهم معه إما بالتراتيل الدينية والصلاة، أو قراءة الأشعار الدينيه والابتهالات.
وفي أول سهرة دينية بعد تتويج المشايخ الأجلاء المرحوم الشيخ أبو محمد صالح العنداري، والمرحوم الشيخ أبو ريدان يوسف شهيب (ر) والشيخ أبو محمد جواد ولي الدين (حفظه الله) بالعمامات المكولسه عام 1988 أقامها الشيخ أبو حسن عارف في بيته، طلب الشيخ منهما ترتيل ما تيسر من أيات الله والذكر الحكيم، فأذهل الحضور من درجة التناسق والتناغم وعذوبة اللفظ وروحانية اللحن، وروى لنا المقربون أن المرحوم الشيخ أبو ريدان قال يومها أنه لم يسمع طوال حياته أجمل من ترتيل هذين الشيخين لكتاب الله، وأنهما يستحقان أن يكونا مرتلي ....الزمان. في الخامس من آذار من العام تسعه وتسعون وتسعمائة والف (1999-03-05)  بنيت خلوة دينية بإسمه في شارون يقصدها المشايخ والمستجيبين للعبادة والذكر.
وقبل عدة سنوات، أصيب الشيخ بصداع شديد وألم حاد في رأسه، فوصف له الأطباء وصفة من مواد ثقيلة ومُرَكـّزَة ومؤلمة، وسألوه إن كان يقدر على تحمل ذلك، فرد الشيخ بالقبول، ولكن هذه الوصفة ضربت جسم الشيخ وأعضاءه وخاصة الجهاز العصبي، فأقعدته فحاول إخوة الشيخ والمقربون منه اشتكاء صاحب الوصفة، فرفض الشيخ رفضاً قاطعاً، معتبراً أن ذلك تقديرا من عزيز عليم، وأنْ لعل يكون في ذلك خلاص روحه، ثم بعد ذلك أخبر الشيخ بوصفة ترده الى عافيته، أو تحسن من حالة مرضه، لكن ستضعف من ذاكرته، فرفض الشيخ ذلك كل الرفض معللا ً بأن لا دين ولا خلا ص بدون العقل، وأن أجل النعم والعطايا الربانيه للإنسان هي العقل، وهو ما يميزه عن سائر المخلوقات والأحياء، ومن لا عقل له لا دين له.
وفي يوم السبت الرابع من تشرين الثاني في السنة السادسة بعد الالفين (2006-11-04) وبعد تتويج شيخنا، الشيخ أبو سعيد أمين أبو غنام بصوفر، توجه وفد الشيوخ وعلى رأسهم شيخنا المفضال، الشيخ أبو محمد جواد، والشيخ أبو سعيد أمين، يصحبهم الشيخ أبو صالح محمد العنداري (العباديه)، والشيخ أبو سليمان حسيب الحلبي (بطمه)، والشيخ أبو صالح فرحان العريضي (بيصور)، والشيخ أبو حمزه أسعد شهيب (عاليه)، وغيرهم من الشيوخ الثقات الى شارون، لتتويج الشيخ أبو يوسف أمين بالعباءة المقلمة ومن ثم العمامه المكولسة، بالرغم من صغر سن الشيخ الذي لم يزل في السابعه والأربعين من عمره، وبالرغم من ان العاده جرت بتتويج الشيوخ المسنين، وبعدَما يكون قد خُلِعَت عليهم العباءه المقلمة، وما جاء تتويج الشيخ على صغر سنه وبالعباءه المقلمه والعمامه المدوره دفعة واحده، إلا دلالة ً على مركز الشيخ في قلوب مشايخنا، وكشفاً لدرجته الراقية في الأمر والنهي، وقول الحق وجمع الشمل، والمجاهدة ورفع راية الدين.
وهناك أثنى عليه شيخنا بما هو أهلا ً لـَهُ، وبما هو مستحقـُُهُ، وقطع عليه بالقبول وإلا فسيغادر الشيخ مبعوداً، ووراءه رفاقه، فقبل الشيخ مكرهاً، بعد الكثير من التذلل والتواضع.
وعلى رغم سن الشيخ فقد قال شيخنا الشيخ أبو محمد جواد، إن هذا كان ينبغي أن يحدث منذ زمن، وإن هذا التتويج جاء متأخراً.
وبعد التتويج شكر الشيخ أبو سعيد أنور، شيخنا الشيخ أبو محمد جواد على هذا المسعى الطيب والمبارك، وقال له بأن هذا التتويج وُضع في محله تماماً، وأنها " طلعت من يد شيخ جواد وراحت ليد شيخ أمين " .... ويسكن الشيخ حالياً في بيته بـِبَرّية شارون  أعزبا متعففا عن النساء والولد.

 

ألشيخ أبو سعيد حمود حسن

هو الشيخ أبو سعيد حمود حسن من بلدة البنيه في الشحار، جد الشيخ نعيم حسن شيخ العقل الجديد في لبنان.
كان شيخاً طائراً غريباً، في سمته وسلكه عجيباً، أقرب إلى شيوخ الزهد والتصوف منه إلى عصرنا، نفيساً كبير القيمة، عديم الغيبة والنميمة، مولعاً بالاقتداء بسير الأولياء القديمة، معرضا عن أدواء الشعوب العميمة، وأمراض النفوس العقيمة، مطهراً لنفسه، مشتغلا بلطيف حدسه، ناصحاً لمقربيه، ومن حوله ومحبيه، مقبلاً على شانه، معاضداً لإخوانه، ممسكاً عاقلا ً للسانه، مراقبًا لخطرات فؤاده وجنانه، مشمرا عن ساق الجد في الطاعات قابضاً بلجام فرسه وعنانه،محاولا جهد طاقته جمع الشمل، والمحافظة على الإلفة بين الإخوان والأهل، لا يتعاطى السياسة، بعيدا عن مظاهر الجاه والرياسة، قد جعل شعاره الاجتناب والتعقل والكياسة، فتسامى إلى حيث الأفلاك جوهره بدرجات النفاسة.
حدثني بعض الثقات عن أحد المقربين للشيخ، أن المرحوم حدّثه قائلا ً له " انو مش خاطر ببالو انو شي مَرّه لسانه خالف قلبه " أي أنه لم يظهر لأحد خلاف ما يبطن، وأنه لم يغش،  ولم يخادع، ولم يقع بنفاق في حال من الأحوال، بل قد استوى سره بعلانيته.
كان الشيخ من تلامذة سيدنا الشيخ أبو حسين محمود فرج، ملك الورع والسدق، وأخذ عنه الكثير من المسالك الشريفة، كالدقة والحلم، والورع والقناعة، وقد اشتهر عن الشيخ بمواظبته الشديدة وتدقيقه حتى آخر أيام حياته، وقناعته كانت مضرب الأمثال، حيث كان الشيخ يصنع الصابون، ويبيعه ويوزعه رغم فقره، ولم يقبل أن يكلف الناس أبدًا، وكان من رجالات الأمر والنهي في البلاد .
وكان يوصي حفيده الشيخ نعيم (شيخ العقل) بثلاث وصايا :
1- أن لا يرد على أحد.
2- أن لا يتعاطى السياسة.
3- أن يحاول جمع الشمل قدر الإمكان.
كان يُعجب به كل من يزوره، لأجل ما يراه على الشيخ ويلحظه من الترقب المدهش، لكل حركه أو كلمه تصدر عنه، فلا يطمئن ولا يدع شارده ولا وارده دون أن يزنها بقسطاس العقل والحكمه ويدبرها بتدبيره الحكيم.
حدّثني غير واحد من الإخوه أنه زار شيوخ البلاد كلهم، فلم يُسر برؤية أحد أكثر من هذا الشيخ، ولم ير أشد وقعا وتأثيرا على نفسه من كلام الشيخ، وأن الشيخ كلـّمه بكلام غريب وكلام عميق، لم يسمع به من قبل ولا بعد.
وقد زاره أحدهم وكان ملتحفا بلحافه وبعد قليل تحرك الشيخ وكشف اللحاف، وسأله وما اخبار الشرق والإشراق،ملفى نور الكون وشمس الأفاق الخ ... مما ادهش الضيف !!
توفي الشيخ قبل ما يقارب العامين، فلم يفوّت شيخنا الشيخ أبو محمد جواد فرصة تتويجه بالعمامه المكلوسة، فتوجه وقت منيته وبعد رحيله عن هذه الدنيا، وشهد له شهاده كبيره، منها أن الشيخ كان يجب أن يتوج منذ زمن، وأنه من أركان البلاد وأعيانها، وأنه ذا مسلك توحيدي شريف.
ونحن إذ تحدثنا عن شيخينا الأمينين وأنهما آخر المتوجين بهذه العمامة المكرمة والوحيدين اللذين توجا في قرننا الحالي (أي الواحد والعشرين) من الأحياء، رأينا لزاماً أن نأتي على ذكر الراحل الوحيد من بين المتوجين ألا وهو عطر الذكر شيخنا الجليل الشيخ أبو سعيد حمود حسن رحمه الله، على الرغم من ضآلة المعلومات التي وصلتنا عنه مقارنة بشيخينا الآخرين والسلام. 

 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2018 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.