spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 136
دور بنات سيدنا الشيخ في مسيرة فضيلته القيادية
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 141
العدد 140
العدد 139
العدد 138
العدد 137


 
كلمة العدد: لأنهم القابضون على الجمر... طباعة ارسال لصديق
لأنهم القابضون على الجمر...
ذُكر ان عائلة في القاهرة, في أيام الدولة الفاطمية, ضاقت بها الحال, وسُدّت أبواب الرزق أمامها, فقالت الإمرأة لزوجها : أخرج وابحث لنا عن شيء, لعل الله ييسير لنا ما يسدّ رمقنا. خرج الزوج الى الجامع, وهناك وجد صرّة ملقاة على الأرض, وفيها مائة دينار. عاد مبتهجاً الى زوجته الصالحة وهو يحمل هذا الكنز بيديه. فقالت له : عُد الى الجامع, واسأل عن صاحب الصرّة وأرجعها اليه فلا نأكل إلا حلالاً. عاد الرجل فسمع مناديا يقول: من وجد صرّة فليخبرنا. وقف الرجل, وأعلن انه عثر على الصرة, وهو ينوي إعادتها. قال له المنادي : هي لك, ومعها تسعة مثلها ايضاً. قال أتهزأ بي؟ قال المنادي : لا والله. لقد اعطاني رجل موسر الف دينار وقال لي : إطرح منها مائة في الجامع, ثم نادي عليها, فإن ردّها من وجدها, فادفع إليه بالمال كله, لأنه أمين, يأكل ويتصدّق, فتكون صدقتنا مقبولة لأمانته…
يرمز هذا الحدث, إلى خصلة شريفة, من الخصال الفاضلة, التي يدعو إليها دين التوحيد, الأمانة, وهذه الخصلة نعيش معها, وتعيش معنا منذ أكثر من ألف سنة. وما أسعد, وما أنبل ذلك المجتمع, الذي يوجّه أبناءه, ويرشد مواطنيه, ويدفع نشأه الجديد, إلى إتباع الخصال النبيلة, التي تكسب  الحياة, رونقا خاصا, وصبغة مميزة, ومعنى جميلا.
 والعقيدة التوحيدية زاخرة بفضائل كثيرة, وقيَمً متعددة, وإذا أراد الإنسان أن يكون صالحاً, فلا حدّ للصلاح, وإذا أراد ان يكون مستقيما, فلا نهاية للإستقامة. ومذهب التوحيد, بُعث الى الناس, ليخلق فيهم مجتمعاً صالحاً. وهو يوصي ويصر ّويشجّع, التعاون والتفاهم وتراص المجتمع, والتغاضي عن الأحقاد, وإتّباع الأساليب الحسنة, وعشرات الصفات والمزايا الأخرى. لكن تظل الأمانة, هي جوهر كل شيء. والأمانة هي صدق الإنسان مع نفسه وخالقه وأسرته ومجتمعه. ومن كان أمينا,ً فإنك تستطيع ان تودع بين يديه, أعز ما تملك, وتظل مطمئناً أن وديعتك في أمان. وفي هذا المنطق, يمكننا ان نقول, اننا كلنا ، البشرية بأجمعها, وديعة عند الله سبحانه وتعالى.  وهذه الوديعة محفوظة ومصونة منذ القدم, ولها أساليب وقوانين وتطورات, لكن سلامتها ككل, هي التي تجعلنا نستمد أمانتنا الفردية, من الأمانة الكبرى للعلي القدير. والأمانة قد تكون فردية, اي بين الإنسان والإنسان, فبدون أمانة لا يمكن لزوج ان يعيش مع زوجته, وللأسرة ان تعيش مع ابنائها, وللجار مع جاره, وللرئيس من مرؤوسيه, وللمعلم مع طلابه, ولعشرات العلاقات الاجتماعية الأخرى. وكل انسان يقاس ويُحاكَم أمام الله والمجتمع والناس, بقدر ما كان أميناً مع الذين حوله. ومن البديهي ان لا شيء يخفى, ولا شيء يمكن ان يُخبّأ لأمد طويل, فالإنسان الأمين, يفصح عن ذلك بتصرفاته، بحركاته وبأعماله. ومثلما يقدّر المجتمع الإنسان الأمين, فهو كذلك يحذر ويرتدع من الانسان الغير امين. وعندما ينتقل أحدنا الى رحمة الله تعالى, ويقف المشايخ والمعارف والجيران, حول نعش الفقيد, تنكشف الصورة الواضحة لذلك الإنسان. فإن كانت محمودة, فإنه يُحمّد عليها, وإن كانت غير ذلك يعامله الناس كما يجب. وعلى كل انسان, ان يكون حريصاً وقلقاً ومهتماً, بهذه الساعة المصيرية في الحياة. فقضية الحياة والموت, هي بيد الله, سبحانه وتعالى, وعلى الإنسان ألاّ يأبه لهذا الموضوع, لأنه ليس بمقدوره ان يفعل شيئاً. أما قضية المزايا والأخلاق الحميدة, والغير حميدة فهي بيد الإنسان نفسه. وكلنا يعلم, ان لا مال يدوم, ولا ثروة تبقى, ولا عز يستمر, ويظل فقط الإسم الطيب. ومن هنا, فعلينا كأفراد ان نكون حريصين, ان يظل إسمنا طيب, وصيتنا حميد, وذكرانا عطرة.
لكن الدرجة الأخرى من الأمانة, وهي الأهم والأكبر والأخطر, وهي الأمانة الجماهيرية, ونقصد بها أمانة المسؤول إتجاه رعيته. وفي قرانا, وفي مجتمعنا, وفي طائفتنا, وفي دولتنا, وفي كل تجمّع إنساني مرتّب, يوجد مسؤولون واصحاب وظائف, واشخاص قيِّمون على مصالح الجمهور.  فمن السائس في الخلوة, الى المختار, الى رئيس المجلس المحلي, الى مدير العيادة, الى مدير المدرسة, الى مدير المركز الجماهيري, الى رئيس الطائفة ، كل هؤلاء مسؤولون أمام الله والناس عن مصالح الناس.  ومنذ القدم وحتى اليوم, وبطبيعة الوظيفة او المسؤولية, فقد اتُفق, ان مجموعة من الناس تأتمن شخصاً ما عليها.  وهذه الأمانة غالية جداً, وملزمة جداً, وأعباؤها ثقيلة وكثيرة, وليس كل انسان قادر ان يتحمل كافة أوزارها. الأمانة ليست دائما مادية وتترجم لأموال وثروة وأملاك. هذه أشياء مهمة, لكن يمكن أن تُعوَّض وتستبدَل, فهناك  أمانات جوهرية عالية, فالقائد العسكري مسؤول عن أرواح جنوده, وهو لا يستطيع أن يقذف بهم إلى النار بدون حساب, وقد أودع الناس والدولة أو الطائفة هذا القائد أعز ما لديهم, وهو أرواح أولادهم, وعليه أن يكون حريصا على هذه الأمانة ولا يستعملها بسهولة, وغالباً ما يكون قادتنا في الطليعة, فقد تعوّدنا أن يسير الزعيم في المقدمة إلى العز والكرامة, وكذلك إلى النار والمعركة. وإذا أظهر القائد أنه يضحّي بنفسه أولا, ثم يأمر جنوده بالهجوم, فهذه أكبر درجات التضحية والأمانة. وما أكثر القصص التي تتحدث عن قادة وقفوا في الصف الأول, أمام جنودهم واقتحموا المعركة غير آبهين بشيء. ومن يقرأ عن بطولات قادتنا العسكريين في جيش الدفاع الإسرائيلي, وعن مواقف المشايخ القادة في حروب الدروز, وعن صولات وجولات العسكريين الدروز في كل مكان, يعلم أنه من هذه الناحية, فإن كل أم يمكن أن تكون واثقة, أنها أودعت إبنها أمانة في عنق قائد درزي, وهو بحجم المسؤولية والأمانة. وفي مجتمعنا آخرون إئتمنوا على مصالحنا ومعظمهم قام بالواجب حسب كل الأصول والقوانين والقيَم والعادات وإن كانت هناك اقلية شاذّة تخون الأمانة احياناً أو تكون عاجزة عن تحمّل المسؤولية أو تسمح لنفسها هنا وهناك ان تتصرف بأمر ما حسب أهوائها ، فإن هذه الأقلية تظل عديمة الأهمية لأنها أقلية. ومن طبيعة الجنس البشري ومن طبيعة العقل البشري ومن طبيعة عقيدة التوحيد أن يكون هناك مخالِف او شاذ او قاصر لكن الأغلبية الساحقة تستحق ان تتحمل الأعباء وبشرف وكرامة واحترام. ونحن كطائفة ككل إئتُمنّا على مذهب التوحيد وعلى جواهر مكنونة وأُمِرنا ان نصون هذه الجوهرة وهي والحمد لله مصونة ومُحافَظ عليها وهي طبعاً أعز وأغلى الأمانات. وهذه الجوهرة المصونة كانت تحت مسؤولية عشرات ومئات رجال الدين والمشايخ وشيوخ العقل والرؤساء الروحيين والأئمة والسُيّاس والقضاة الذين مرّوا في تاريخنا في مناطق تواجدنا وقد صانوا هذه الأمانة وحفظوها. ولا بد ان الله سبحانه وتعالى يلهم البشر ان ينتخبوا وأن يختاروا وأن يتّكلوا على اشخاص مميّزين بينهم ليتحمّلوا أعباء هذه الطائفة. وما السرية في الدين وما التعاليم المُشدّدة ، ما هي إلا ميزة إلهية لتوحي لمشايخنا والمسؤولين عنّا ان الله أودع بين أيديهم أمانة كبيرة، عقيدة التوحيد وهي أغلى الأمانات فمن يصونها ويحافظ عليها يستطيع بالتالي ان يكون أهلاً لأن تُلقى على عاتقه مسؤوليات طائفة او أمور دينية أخرى.
إن الرئاسة الروحية في بلادنا ومشيخة العقل هي في البلدان الأخرى السلطة العليا والأسمى التي عُهِد اليها منذ القدم بتولّي شؤون الطائفة لأنها إمتداد للإمامة في عهد الدعوة. ومن يكونوا في مركز الخلافة والعُهدة والقيادة بعد الأئمة الكبار يجب ان يتحلّى بكل صفات المسؤولية والأهلية ليقوم بأعباء هذه الوظيفة الصعبة. يستطيع اليوم كل ذي نفوذ او مال او علاقات او حظ ان يصبح نائبا في البرلمان او رئيسا لمجلس محلي لكن ليس كل انسان بمقدوره ان يكون رئيسا روحيا للطائفة وهذه الوظيفة يجب ان تنحصر في اشخاص استوْفوا كل درجات المسؤولية وحصلوا على كل صفات القيادة ونالوا الثقة الكاملة من أغلبية الناس لأنْ يكونوا أهلاً لهذا المنصب الرفيع. ومن يطمع وينادي بجعل هذه الوظيفة عُرضة لإنتخاب او لحسابات خارجية يستهين بهذه الوظيفة ويرخّصها ويخالف كل التعاليم المذهبية التي جعلت في هذا المنصب امتداداً للإمامة الكبرى. ونحن مجتمع تقليدي محافظ ولدينا من الأسس والقوانين والعادات والتقاليد ما كان بمقدوره ان يصوننا ويحمينا خلال الف سنة. وكما تعوّد أجدادنا في حلب الشهباء وفي الجبل الأشم وفي الشوف الأبيّ وفي الجنوب المقدس وفي الجليل الشامخ وفي الكرمل السامي وفي مرتفعات جبل الشيخ العاتية ، في كل هذه الأماكن توارثنا أساليب حضارية لنا اثبتت جدارتها وجدواها ومصداقيّتها عبر السنين. وعلينا ان نستمر في أن نحفظ الوديعة عند من تعوّد ان يحفظها وأن ندفن السر عند من يكون حافظاً للسر وأن نترك جواهرنا الغالية عند الذين بمقدورهم ان يذودوا عنها وأن نستودع مقدّساتنا في ايدي اولئك الذين مهما قيل عنهم فإنهم أفضل الناس لإستيعاب مفاتيح العلوم والقلوب والأسرار لأنهم هم وحدهم القابضون على جمرات التوحيد...    
     

والله ولي التوفيق...


سميح ناطور


دالية الكرمل
تموز 2004



 
التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2018 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.