spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 70
العمامة المكورة
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 151
العدد 150
العدد 149
العدد 148
العدد 147


 
كلمة العدد: وهم يحفرون البئر بالإبرة طباعة ارسال لصديق
وهم يحفرون البئر بالإبرة

جاء في كتاب الدكتور رياض غنّام "نيحا الشوف في التاريخ" قوله، عن الشيخ فخر الدين ورد، ما يلي:" وعندما توفي الشيخ ناصيف أبو شقرا، شيخ عقل الدروز، اجتمع الأعيان والمشايخ في سهل السمقانية، واختاروا الشيخ فخر الدين ورد، ولم يكن حاضراً الاجتماع. وكان اختيارهم هذا، بسبب تقواه وصلاحه وحفظه المعلوم غيباً. ولما بلغ خبر اختياره، اعتذر عن قبول المنصب، وطلب منهم اختيار شيخ عقل آخر. لكن المشايخ عامّة، وأهل نيحا خاصة لم يقبلوا عذره، فعُيّن شيخا للعقل، وظل في منصبه طوال عشر سنوات حتى  وفاته عام 1757. وكان الشيخ فخر الدين نقياً ورعاً متديناً، وكانت عمامته دوّاريّة ..."
وقد جاء في الأخبار عن طريقة تتويج الشيخيْن الأمينين في لبنان بالعمامة المكوّرة، أن فضيلة الشيخ أبو محمد جواد، أعلن في موقف التتويج، أن أي رفض للشيخيْن، سيؤدّي لأن يعتبر الشيخ أبو محمد جواد نفسه مبعوداً عن الدين. وأي شيخ يسمح لنفسه، أن يكون هو السبب في أن يُبعد شيخ كالشيخ أبي محمد جواد؟؟؟
هذه هي الطبقة العليا، والصفوة المختارة، والنخبة المنتقاة، والهيئة الروحية، والقدوة الممتازة، والأبناء البررة، والفرقة الرائدة من أتقياء مشايخ الدروز. واحدهم لا يركض إلى منصب، ولا يتوق إلى مركز، ولا يبتغي شهرة، ولا يصبو إلى وظيفة، ولا ينشد مرتبة،ولا يشتهي رتبة ولا يسعى للوصول لشارة شرف أو وسام تقدير. إنما يبتعد كلّ منهم عن السلطة ويهرب من الوظيفة، ويتركز في كتابه، وفي صومعته، وفي خلوته، وبين أهله ومعارفه، يقرأ ويراجع ويتعبّد ويصلي. لكن لا شيء يخفى عن أعين الناس، وخاصة أصحاب الشأن، فقد أثبت التاريخ الدرزي، أن التواضع والاحتشام، وصغر النفس، والسلوك الشريف، والمعاملة الحسنة، والأخلاق اللطيفة، والمناقب الحسنة، إذا اجتمعت عند إنسان فهي قد ترفعه إلى أعلى المناصب دون أن يقصد هو ذلك. والناس تميّز من هو صاحب جدارة، عمن يدّعي هذه الجدارة، والناس وأصحاب الشأن، يتمسكون عادة بمن هو جدير ومؤهل، ويرغب في خدمة المجتمع بدون صفة رسمية، وبدون وظيفة مميزة، فيطلبون منه أن يتسلم القيادة، وأن يكون في موقع المسؤولية، ليكون راعياً وهادياً وسائساً لشؤونهم ولأوضاعهم.
ومن يراجع قائمة الذين تعمّروا بالعمامة المكورة، وقائمة شيوخ العقل، يجد أن هذه النخبة الممتازة، تمتعت في حياتها بمنزلة دينية اجتماعية رفيعة، وظلت ذكراها بعد موتها تزخر بالمناقب والأعمال الطيّبة التي تُذكر عنها.
ونحن طائفة صغيرة العدد، لكنها والحمد لله، زاخرة في السابق وفي الحاضر، بشخصيات نابهة نابغة، رفيعة المستوى في المجال الديني، وفي المجالات الأخرى. وقد كنا وبسبب الظروف التاريخية، منعزلين عن العالم، لا نشارك، ولا نخالط، وقبعنا وراء بواباتنا، نفلح أرضنا، ونقرأ كتبنا، ونحافظ على وجودنا، ومع كل هذا، ظهرت في السابق بيننا شخصيات لامعة مميزة قديرة، كان لها ذكر وصيت في التاريخ. واليوم ومع الانفتاح الذي حصل في ربوعنا، ومع توسّع رقعة حياتنا، فقد انفتحت أمامنا آفاق جديدة، واكتشف النبوغ الدرزي مجالات جديدة، ليثبت قدراته وجدارته.
 ونحن في هذا العدد، نتركّز في المجال الديني، وفي أصحاب العمائم المكورة فقط، وذلك بمناسبة تكرّم فضيلة الشيخ التقي الديّان، أبو محمد جواد ولي الدين على تتويج هامتي الشيخين أبي سعيد أمين أبو غنام، وأبي يوسف أمين الصايغ بالعمامة المكورة تقديراً لشخصيتهما ولأعمالهما واستمرارا لهذه العادة الطيبة المستحبّة أن تبقى وأن لا تزول من العالم. وعندما علم أبناء الطائفة الدرزية بهذا الخبر المفرح، شعر الجميع بالراحة والغبطة والحبور، حيث أن تأخّر هذا العمل كان فيه بعض القلق والخوف أن تتواجد ظروف تنقطع فيه هذه العادة لا سمح الله. وقد أثنى معظم أبناء الطائفة على حسن الاختيار، وأخذت الألسن تلهج بالمديح وبالتقدير وبالتبجيل لشخصيتي الشيخين الفاضلين. وفي هذا العمل، عبرة ورسالة ومغزى للأجيال الحالية الصغيرة، وللأجيال القادمة، حيث أنه من المفروض، بعونه تعالى، أن تستمر عملية التوحيد، وعملية التتويج، وعملية بروز شخصيات لها شأن وذكر ومنزلة ومكانة في مجتمعها.  
وكانت العمامة المكورة قد انتُهِجَت منذ عصر الدعوة، وقد تعممتها مع الوقت كبار الشخصيات التوحيدية. وظلت هذه العمامة وأختها العمامة العادية رمزاً وإشارة للطهر والتقى والعفاف والترفع، عن كل المغريات، وعن كل الأمور التي تتصارع على روح الإنسان ونقاوته وطهره. وهذا الرمز هو السبب بجانب الإيمان الداخلي المتوفر في عقلية كل إنسان درزي شريف، بصمود موقف الطائفة الدرزية وبجدارتها، أن تأخذ لها مكانا في التاريخ، وأن يتبوّأ أبناؤها أهم وأرقى المناصب والوظائف. فالطائفة الدرزية تبدو وكأنها ضعيفة فقيرة مسكينة، قليلة العدد، وبعيدة عن مجريات الأمور، لكن الحقيقة هي أن الطائفة الدرزية، والحمد لله، ما زالت بخير، وهي بعيدة جدا من أن تكون ضعيفة.
والسر في خلود الطائفة الدرزية، نابع وقابع وجاثم في أعماق أعماقها وفي صميمها، لا بل هو متأصل في كيانها ومجبول مع جيناتها. ويمكنك أن تسميه التقمص، ويمكنك أن تسميه الحكمة، ويمكنك أن تسميه الإيمان الشديد الراسخ المتعصب, ويمكنك ان تسميه الدم النقي الطاهر, ويمكنك ان تسميه الجذور الطويلة البعيدة المدى, ويمكنك أن تسميه العاطفة الشديدة التي تحسها، عندما يذكر إسم زعيم درزي في الأخبار، أو عندما تعلم أن في المجتمع الذي تتواجد فيه هناك شخصية توحيدية غيرك، ويمكنك أن تسميه السر الخفي الضائع الدفين الذي يربط الجميع، ولا يبوح به أحد، لأن لا احد يعرفه.
نعم في قرارة كل مواطن توحيدي، سلسلة طويلة من الجذور تعود ملايين السنين إلى الوراء، وهذا لا يهم، إن كان هذا التوحيدي متدينا أو جاهلا أو زعيما أو إنسانا عاديا أو متعلما أو أميا. ألمهم أن هذا الخيط الطويل يربطه بكنوز ومجوهرات عقائدية ولآليء توحيدية ليس لها نهاية، وليس لها قرار، فهي أكبر من المحيطات، وأبعد من الفضاء، وأعمق من كل الأبعاد. هذا إذا كان رجلا توحيديا عاديا، أما إذا كان متدينا أو مثقفا وله بعض الإطلاع على مكنونات مذهبه، فإنه بذلك يتجاوز كل الحدود، ويلم بأبعد المكنونات ويتسامى في الوجود والخلود. أما إذا تحدثنا عن الصفوة المختارة من بين هؤلاء الأتقياء، فإننا نقاربهم من أعتاب النبوة ومن القداسة ومن التسامي إلى طبقات الجو العليا في الحكمة والمعرفة والعقيدة والفكر والإيمان. هذه الطبقة تمسك كافة العلوم، ومفاتيح المعرفة، وبيدها قدرات الوصول إلى ما وراء الطبيعة، وإلى ما يتعدى الحرف. وقد اكتسبت هذه الصفوة المختارة مكانتها بالعمل الدؤوب المتواصل، وبالصبر، وبالتحمل، وبالأمل، وبالتروي، وبالنظر إلى بعيد دائما، مثلها مثل الذين يقومون بحفر بئر ماء بواسطة إبرة، فهم يجمعون ذرة إلى ذرة، ويقومون بعمل مستمر مكثف نشيط، بتحقيق ما يبغون، حتى يصلون إلى الهدف المنشود. وقد تحدث عن هذه الظاهرة الكاتب الصوفي الفارسي، فريد الدين  العطار في كتابه " منطق الطير" حيث يروي أن طيور السيمرنغ، تقوم برحلتها الأبدية عبر الجبال والثلوج والفيافي والصحاري والسهول، فيسقط من يسقط، وتظل النخبة المميزة صامدة حتى تصل إلى غايتها بعد جهد وعناء. وعندها تنفتح أمامها كنوز المعرفة الأبدية وتندمج في الخلود واللانهاية.
وقد قيل عن الإمبراطور الصيني الكبير، الذي بنى سور الصين العظيم، أنه أحرق جميع الكتب والمخطوطات، لكي يمحو من الذاكرة الإنسانية كل التاريخ للفترة التي سبقته، وللملوك الذين سبقوه، وليثبت أن العالم والكون بدآ منذ بناء السور، لكن ذلك لم ينفعه ولم يفيده، فقد ظلت الذاكرة الإنسانية متوقدة، تذكر وتعرف كل ما كان وكل ما تواجد.
وعندما تربع فضيلة الشيخ أبو محمد جواد، في منزليّ الشيخين الأمينين، بصحبة عشرات المشايخ، ورفع يديه معمماً الشيخين الكريمين، كل على حدا بالعمامة المكورة، تجسدت في تلك اللحظة، مواقف عملية تواصل التوحيد والإيمان منذ مئات آلاف السنين إلى يومنا هذا، تلك العملية التي رسخت في نفوس أبناء التوحيد، ذرّة إلى ذرة، وتجمّعت جزءاً إلى جزء، وتراكمت نقطة إلى نقطة، واستُوْعبت حبّة إلى حبّة، منذ ظهرت وجوه البشرية النيّرة على وجه الأرض حتى ايامنا، بحيث اصبحت عملية تواصل واستمرار مستمرّتيْن خلال ملايين السنين. وما اقتراب عيد الأضحى المبارك وحلوله علينا، إلا فرصة لنعرف أن جذورنا راسخة في القِدَم، وأن أعماقنا بعيدة المدى، وأن حكماءنا وأسلافنا، قاموا بحفر بئر التوحيد ذرة إلى ذرة بواسطة الإبرة على مدى العصور، فأوصلونا إلى ما نحن عليه الآن. ولا شك أن هذه العملية الراسخة المتينة الدؤوبة الثابتة العميقة الجذور، هي التي تكسبنا العزة والكرامة، وهي التي تجعلنا ننظر إلى العمامة المكورة، وكأنها هرم من الأهرامات، أو أنها معلما معمارياً كسور الصين، تثبت وترسّخ وتقوّي الذاكرة الإنسانية، لكنها تُبنى وتقام لتعزيز التوحيد، وليس لبدء تاريخ جديد.
 وما حلول عيد الأضحى المبارك، وما ثبات عمامتين مكورتين على هامتيّ  شيخين فاضليْن، ما هو إلا إثبات أن عملية الحفر بالإبرة مع ضآلتها إذا استمرت، هي عملية مجدية ومفيدة ومعطاءة بالرغم من كل الظروف...

وليجعل الله ايامكم كلها اعياد ..


سميح ناطور

دالية الكرمل
كانون اول –  كانون ثاني
2006-2007

 
التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2020 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.