spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 1
رشيد طليع
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 134
العدد 133
العدد 132
العدد 131
العدد 130


 
كلمة العدد: الذين أغمدوا السيوف وجرّدوا الأفكار طباعة ارسال لصديق
الذين أغمدوا السيوف وجرّدوا الأفكار

يذكر التاريخ  ان الامبراطورية الرومانية العظمى حكمها قيصر عربي.
هذا القيصر, اسمه فيليب العربي, وقد ولد وترعرع في قبائل حوران, وتجنّد في سلك الامبراطورية الرومانية, التي امتدت سلطتها من روما الى اليونان الى تركيا الى سوريا الى مصر وشمال افريقيا. وتقدم في الجيش, حتى استولى على السلطة, ووصل عام 242 م لأن يكون القيصر الأكبر لكل هذه الامبراطورية الشاهقة. وفي عهده احتفلت الامبراطورية الرومانية, بمرور الف سنة على قيامها. فترأس القيصر, فيليب العربي, احتفالات الامبراطورية في روما, عام 247 م. ولم ينسَ الشاب العربي إبن جبل حوران, جذوره وأصله في هذه المناسبة, فدعا رؤساء عشيرته وزعماء منطقة حوران, لحضور الاحتفالات في روما, وأجلسهم في مواقع شرف وتقدير, وأسبغ عليهم المدح والعطاء, ومما قاله :" ان كبارنا وزعماءنا أحق بالتقدير والتكريم,  فلولاهم لما وصلتُ أنا والامبراطورية الى هذا المقام". ويذكر المؤرخون, انه قام بالسجود أمامهم, وقبّل اياديهم واحداً واحداً, على مرأى من آلاف المحتفلين المتواجدين, الذين حضروا الاحتفالات الضخمة في الكولوسيوم, وفي شوارع روما الفخمة آنذاك...
ويبدو ان الأجواء, التي أوحت لفيليب العربي قبل الف وثمانمائة سنة تقريباً, أن يكرّم كبار عشيرته, هي نفس الأجواء التي نعيشها في ايامنا هذه, حيث اننا نشاهد وبكل فخر واعتزاز, حفلات التكريم تجري هنا وهناك, لشخصيات مرموقة محترمة, أسدت للمجتمع خدمة كبيرة, وقامت بالتضحيات, وبالعمل الدؤوب المستمر, كي تحسّن الأوضاع في المجتمع والقرية والطائفة.
وعادة, نحن طائفة تكثر عند بعض أفرادها, سلاطة اللسان وإنتقاد الواحد للآخر. فكل همّ هؤلاء هو  مراقبة الغير, والحسد والدس والتآمر, وقد كنا في يوم من الأيام محكومين مستعمرين ومنغلقين على أنفسنا, وكانت عوامل الكبت والإنغلاق مفروضة علينا, وتحاول أن تفتتنا, ولذلك كان كل واحد, ولكي يبقى على وجوده, كان عليه ان يحاول تحطيم الآخرين, لأن الدائرة تتسع فقط لعدد قليل, وكان من المفروض على الذي يبرز, ان يتواجد دائماً داخل الدائرة. ولذا احتدم الصراع بين بعض القوى المحلية المعنية  وتشرّب هؤلاء الأخلاق والصفات المناسبة لفئة محكومة ومستعمرة. أما اليوم فلسنا محكومين ولسنا مستعمرين, لكن عقلية بعضنا وتصرفاتهم ومنهجهم تبرهن ان الاستعمار ما زال متأصّلا فيهم ومخيّما عليهم ومهيمناً على تفكيرهم. وهؤلاء, وللأسف الشديد, يسجدون للغريب ويقدّرونه ويبجّلونه ويحترمونه, حتى ولو كان صفراً,  وفي نفس الوقت يبخّس  هؤلاء واحدهم بالآخر ويعرقل مسيرة الأفراد حتى ولو وصلوا الى أعلى القمم. فإذا سمعوا ان احداً تقدّم, يقولون, من هو هذا ؟ وكيف وصل؟ فيحاولون ان يشدّوا به الى الأسفل, بدل ان يدفعونه الى القمة. ولذلك بقينا فترة طويلة في الحضيض من كل النواحي, لأننا, وبسبب هؤلاء,  نكرس كل جهودنا وكل قوانا وكل إمكانياتنا للتحطيم الذاتي. هكذا عشنا فترة طويلة من الزمن, وقام نفر انتفاعي منا بتلويث اسمنا حتى أصبح لا أحد يطيق سماع اسم دروز, وتصور للمسؤولين والوزراء والقيمين على شؤوننا في الدوائر الحكومية, أن كل الدروز هم على شاكلة ذلك النفر من نشيطي الأحزاب والفعالين الذين يمثلون بصعوبة أفرادا قلائل من الطائفة الدرزية العريقة. وفي هذا الجو وفي هذا الوضع, نشاهد بوادر تحسّن في هذا المضمار, فإذا وصلنا الى درجة, أننا نكرّم المختار وليس الحاكم العسكري الغريب, وإذا وصلنا لمرحلة أننا نشيد بأعمال المسؤول فينا, وليس المفروض علينا فإننا بخير, والحمد لله,  وبلغنا درجة من الوعي والصحوة والإنفتاح والإدراك والتعالي.   
 ان مجتمعاً يحترم كباره ويقدّرهم, لهو مجتمع رصين متماسك, جدير بأن يكون ذا مكانة عظيمة في التاريخ. فالقادة والزعماء والمسؤولون, هم أناس يحرقون أنفسهم لكي يضيئوا على الآخرين. يستطيع كل واحد من هؤلاء ان يعيش حياته الخاصة وبإمكانياته, بدون ان يكون مسؤولاً, ويمكنه ان يصل الى أعلى الرُتب دون أن يكون مكشوفاً أمام الجماهير. لكن هناك مجموعة من الناس, جُبلوا على القيادة منذ ولادتهم, وهم لا يستطيعون إلا ان يكونوا في المقدمة, يسعون ويخدمون ويطالبون ويضغطون ويحاولون عمل كل شيء من اجل مجتمعهم, وقراهم وطائفتهم. ونحن لسنا بالسُّذج, لان نقول, ان هؤلاء لا يستفيدون شخصيا, أو انهم  في عُرفهم لا يفكرون بالفائدة الشخصية. لا يوجد امرؤ بتاتا يكرس امواله ووقته وجهوده لكي يخدم المجتمع فقطً، ولا تُصدِّقوا أي مسؤول يقول أنا لا أستفيد شخصياً, وكل همّي هو المصلحة العامّة. هذا غير صحيح وهو مناقض لطبيعة الجنس البشري. لكنكم صدِّقوا وآمنوا بالشخص الذي يقول, انا أعمل وأسعى لكي أتقدّم وأبرز وأحقق بعض الأهداف, وفي نفس الوقت أبذل جهداً كبيرا لأعمل من اجل المصلحة العامة. ولا يوجد هناك أي تناقض بين المصلحة الشخصية والمصلحة العامة, طالما روعيت في الأمر الموازين الدقيقة والمعادلات الصحيحة. فإذا عُيِّن أنسان ما وزيراً فلا شك ان هذا فخر لطائفته ولمجتمعه, ولكنه في نفس الوقت مكسب شخصيٌّ عظيم للشخص نفسه, فهو قد بلغ مرتبة عالية من الرِفعة والقيادة, لا شك انه يعتز ويفخر بها وباستمرارها, وإذا حافظ هذا الانسان على المعادلة, بين أن يحقق لذاته وفي نفس الوقت يحقق لمن أرسله, فإن المجتمع يكون قد كسب من كل النواحي. وأغلب الناس يبتعدون عن خوض المعارك الانتخابية وعن الدخول في غمار السياسة والانتخابات, لأنها تكلف أموالا طائلة, وجهداً كبيرة وأعصاباً من حديد. فالإنسان اذا كان مواطناً عاديا يملك وقته ويستطيع ان يخطط أيامه وأعماله حسبما يشاء, ولا حق لأحد ان يتدخل في شؤونه او ينتقده او ينبش في خصوصياته. أما اذا قرر ان يسلك المسار الجماهيري, فقد أصبحت حياته مشاعاً وأصبح هو وبيته وأسرته ملكاً للجماهير, فلا حرية ولا خصوصيات ولا ساعات نوم ولا هدوء ولا اي شيء من هذا, لأن هذا الانسان هو ملك الجمهور. ويا ويلك إن تأخرتَ عن زيارة هذا او ذاك, او قصّرت في حق انسان او تقاعست عن عمل ما, هذا بالإضافة الى الشكوك والأقاويل والمؤامرات التي تحاك ضد هذا المسؤول, وفوق كل ذلك فيحق لأبسط انسان وأصغر مخلوق في المجتمع, ان يقف في اي مناسبة ويحاسب هذا المسؤول ويوبّخه ويلومه ويهاجمه وإياك اياك ان تردّ عليه.
إن للزعامة والقيادة ثمن باهظ كبير ثقيل, ولكن مما يخفف من الوضع, هو ان الانسان الذي اختار هذا السبيل, يجب ان يكون واعياً وصاحياً وعالماً بهذه الأوضاع. فعليه ان لا يلوم أحد, وان لا يشتكي, وان لا يتذمر من كثرة الأشغال وقلة الوقت وتزاحم الأمور, فهو الذي اختار هذا الطريق, ولا احد أجبره على ذلك. وعادة ينجح كل من يتمتع بعناصر القيادة, وبمقومات المسؤولية, وبأسس الزعامة الحقيقية. ولا بد ان يكون من بين المسؤولين والقياديين أناس انتهازيون فقط, ليس فيهم اي أساس من أسس القيادة. وكل مآربهم هي الإستمتاع بالمركز, لكنهم يظلون أقلية ونسبتهم في المجتمع, هي نفس النسبة التي تتعلق بأي موضوع. ففي كل مجال, هناك فئة شاذة او عدد يسيء التصرف ولا يتقيّد بالقانون والعدل والحق. أما الأغلبية الساحقة من القياديين والزعماء, فإنها تعمل وبتفاوت كبير وبفروق شاسعة بين الواحد والآخر من اجل الجميع, هناك من يضحي بكل إمكانياته وقدراته ووقته من اجل المركز الذي يتبوّأه, هناك من يستغل جزء من الإمتيازات التي وصل اليها لمنفعة أسرته وأقاربه, لكن الجميع يجب ان يبرهنوا أنهم يعملون من اجل الغالبية. وهذا الهاجس الذي يرافقهم دائماً نحو العمل لمصلحة الغير, هو الدافع الذي يوجّه خطى الزعيم ويسلط الأضواء عليه, بحيث يكسب ود الناس ودعم الأهالي ورضى المسؤولين. وكثيراً ما يقضي الزعيم او المسؤول كل أوقاته, بعيداً عن البيت, مهملاً أولاده وأسرته, وناسياً واجباته الشخصية العائلية لأنه ملك للآخرين. وإذا نظرنا الى عدد كبير من الزعماء, نجد انه لا توجد دائما استمرارية قيادية في نفس البيت. هناك بيوت زعامة أضطّرت الى الإنغلاق جماهيرياً, بالرغم من وجود الأولاد والأملاك والقدرات, لكن الأب الذي كرّس كل وقته للغير, نسي بيته وأولاده, فحلّ بهم الإهمال ولم يتلقوا العناية الصحيحة والتوجيه المناسب, وأصبحت الزعامة منهم براء. لكن توجد بيوت كانت فيها الأم صالحة ومهتمة ووفية, فحاولت ان تعوّض اولادها عما خسروه من ابيهم, لذلك دابت على توجيههم وتعليمهم وبث الحماسة في نفوسهم, وكان الأب قدوة ومثالاً فنهج نهجه واحد او أكثر من الأبناء, واستمرت القيادة في البيت.
ان زعماء مثل سلطان الأطرش ورفاقه, قضوا أكثر من عشر سنوات في المنفى, لأنهم قاموا بثورة مباركة وصادقة وحقيقية. وأن زعماء مثل كمال جنبلاط, اغتيل بسبب مواقفه السياسية من اجل طائفته ومجتمعه. وإن شخصية دينية مرموقة مثل القاضي حليم تقي الدين, قُتل بسبب مواقفه السياسية المعتدلة. وإن زعيماً مثل أمل نصر الدين, حقق لطائفته المساواة الكاملة, فكان هناك من أفشل استمرار وجوده في الكنيست, كي لا يحقق اكثر لطائفته، كل هؤلاء وكثيرون مثلهم, لا يمكن ان يقال انهم كسبوا او استفادوا, لأنهم قاموا بتضخيات. والزعامة ليست دائما فخارا ومكسبا, بل فيها مسؤوليات, وفيها اتخاذ قرارات صارمة, وفيها مواقف صعبة قاسية, لا يقدر عليها إلا الزعماء.
لذلك, ومن هذا المنطلق, فإن عملية التكريم, هي بادرة جميلة حلوة, يقوم بها من يسعى لذلك, ليعطي بعض أصحاب المراكز حقهم في الشكر والتقدير, للأعمال التي قاموا بها أثناء حياتهم. وفي هذا العمل قدوة حسنة وتشجيع للأجيال الصاعدة, تبرهن ان هذا المجتمع سليم, وقد تغيّرت مواقفه وأخذ يعتز ويحترم ويقدر المسؤولين والعاملين فيه. لذلك, ما أسعد هذه الطائفة, وما أروع ذلك المجتمع, عندما يتفرغ بعضنا, فيغمد السيوف ويجرد مكانها الأفكار...


وكل عام وانتم بخير

سميح ناطور


دالية الكرمل
اب
2004


 
التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2017 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.