spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 102
اكتمال المبنى القضائي للمحكمة الدينية الدرزية
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 120
العدد 119
العدد 118
العدد 117
العدد 116


 
الُّسنّة التي أطلقها سيدنا الشيخ الفاضل (ر) من كفر سميع طباعة ارسال لصديق
بقلم الدكتور سلمان حمود فلاح

الشيخ الفاضل (ر) هو الشخصية الدينية الثانية, بعد الأمير السيد (ق) منذ تأسيس الدعوة حتى اليوم. وقد عاش الشيخ الفاضل (ر) في منطقة جنوب لبنان, في عهد الأمير فخر الدين المعني الثاني, وكانت سيرته مشهورة  ومعروفة في حياته,وزادت شهرة واحتراما وتبجيلا بعد مماته فقد كان المرجع الديني الأول في كل المنطقة, وذلك لتقواه وزهده وسلوكه التوحيدي المميّز.
وفي قريتنا كفر سميع, يتناقل الأجداد من دور الى دور, قصة مجيء الشيخ الفاضل (ر) الى القرية, ومكوثه بها لبضعة أيام. وقد قرّر مشايخ القرية بدعم من فضيلة الشيخ موفق طريف, الرئيس الروحي للطائفة الدرزية, إقامة مقام في الموقع الذي حلّ فيه فضيلة الشيخ في حينه. ولم تكن زيارة الشيخ الفاضل (ر) لكفر سميع أمراً عادياً, فقد صدرت نتيجة لهذه الزيارة, إحدى السُنن التوحيدية الشريفة, التي انتُهجت حالاً في كل التجمعات الدرزية, والتي ما زال الدروز منذ أربعة قرون يعملون بها, ويسيرون على هديها, لدرجة ان المسلمين والمسيحيين الذين يعيشون بجوارهم, أخذوا هذه السُنّة عنهم, وبدأوا يتقيّدون بها, ويسيرون بموجبها.
والقصة التي يرويها المشايخ, والمتداولة منذ اجيال  والتي وجدنا لها إستنادات ودعائم قوية, من عدة مصادر تقول, انه في تلك الفترة, اي في النصف الأول من القرن السابع عشر, كان يعيش في قرية كفر سميع, إثنتا عشرة عائلة, ومن بين هذه العائلات, كان سبعة من أرباب الأسر خُتّاماً, أي أن الأغلبية الساحقة, كانت تعيش على التقى, ومتبحّرة في العلوم الدينية, وحافظة المعلوم الشريف عن ظهر قلب. وقد ذاع هذا الخبر وانتشر في البلدان الدرزية وقوبل بالإعجاب والتقدير والإعتبار, فهو ليس بالأمر القليل. وقد علم بذلك أيضا  الشيخ الفاضل (ر)  وسُرّ بهذا النبأ, الذي أكّده مرة تلو الأخرى, كل من زار بلاد صفد, وقدم الى البياضة, او الى جبال الشوف. فكان يخبر ان قرية كفر سميع الصغيرة الوادعة, تضم هذه الصفوة المختارة من الختّام.
 وتقديراً لهذا الموقف, ولكون الشيخ الفاضل (ر), كان يشجع كل مبادرة للتقرب من الدين وحفظه والسير على نهجه, فقد نذر على نفسه, ان يزور قرية كفر سميع  مشيا على الأقدام, كي يلتقي ويجتمع بالمشايخ السبعة الأتقياء. وفي احد الأيام, بلغ مسامعه أن أحد هؤلاء السبعة قد انتقل الى جوار ربه, فقرر ان الوقت  قد حان لإيفاء النذر, فاصطحب معه أحد المشايخ الشباب, وبدآ المشي من خلوات البياضة باتجاه كفر سميع. ولماّ أشرفا على القرية, شاهدا من فوق, شجرة خروب كبيرة ورافة الظلال, قريبة من البيوت القليلة للقرية, فحلاّ تحت الخروبة يرتاحان ويتناولان بعض الطعام من زوادتهما, قبل ان يدخلا البيوت. وشاهد بعض السكان الشيخين الجليلين, فقدِموا للسلام عليهما, وعرف الجميع, ان الشيخ الفاضل (ر) قد حلّ بالقرية, وهو موجود تحت شجرة الخروب. فهرع كل السكان, رجالا ونساء واطفالا, لتقبيل يديه والسلام عليه, فقد كان صيته قد ذاع, وبلغت شهرته الآفاق. وسرعان ما انتقل الخبر الى القرى المجاورة : البقيعة، كسرى، يانوح، بيت جن، يركا، جولس ابو سنان وجث ومنها الى باقي القرى في البلاد. وما ان وصل هذا الخبر الى القرى الدرزية, حتى توافد كل الرجال الى قرية كفر سميع, لمشاهدة أنوار الشيخ الفاضل( ر) حيث كان ذلك حدثاً تاريخياً هامّاً.
 وفي هذا الموقف, تذكّر السكان, انه قبل حوالي مائة سنة, كان الأمير السيد (ق) قد جاء الى بلادنا, وذلك لكي يردع احد سكان قرية المغار, من زواجه بإمرأتين, فوصل الى مدينة صفد, وحلّ ضيفاً على عائلة النحوي. ولمّا همّ بالنزول من  صفد إلى المغار, سمع المواطن الدرزي من المغار, ان الأمير السيد (ق) قادم اليه, فقام بتطليق إحدى زوجتيه. ولما علم الأمير السيد (ق) بذلك, تأكد ان مهمته قد أنجِزَت, فقرّر العودة الى عبيه, ولم يستطع مشايخ البلاد, ان يجتمعوا به, لأنه جاء بسرعة وعاد بسرعة. وقد ظل هذا الموضوع, حسرة كبيرة في نفوس مشايخ بلاد صفد, إذ كيف يأتي قداسة الأمير السيد الى البلاد ويعود ولا يجتمعوا به. لذلك, فعندما علم مشايخ البلاد, بقدوم الشيخ الفاضل (ر), حرصوا ألاّ يتكرر هذا الموقف, فأسرعوا جميعهم قاطبة, من الرجال المتدينين والغير متدينين, للقاء ذلك القطب الديني الساطع, الذي حلّ بالبلاد, وتباركت به, فاجتمع في قرية كفر سميع, مئات المشايخ من كل حدب وصوب.
 وبما ان كل بيوت كفر سميع, لا تتجاوز اثني عشر بيتاً, فقد حصل ارتباك كبير, عند هذه العائلات, وحاولوا ان يذبحوا كل مواشيهم, وأن يقدّموا كل المؤن المتوفرة لديهم, لتقديم واجبات الضيافة, لهذه الجموع الحاشدة, التي قدمت فجأة الى هذه القرية الصغيرة. وكانت العادة آنذاك هي تقديم الضيافة في اوقات الوفاة, مثل باقي الطوائف والأديان في البلاد. لكن الشيخ الفاضل (ر), ولكونه صاحب بصيرة ثاقبة وذهن وقّاد, انتبه الى هذا الموقف الحسّاس, والذي لم يترك لأهل كفر سميع اي حيلة, فوقف أمام الجموع الحاشدة, وتوجّه الى أهالي كفر سميع, على مسمع من كل الجماهير, قائلاً وبصوت جهوري واضح :
" حرام عليْ وعلى أي إنسان أن أذوق الأكل هنا, لأننا في موقف أجر, وحرام على كل من يشارك في أجر, ان يذوق شيئاً ما عدا جرعة من الماء إن كان بحاجة لذلك". وبما ان المئات من القرى الدرزية, بما في ذلك كافة المشايخ والأتقياء, كانوا موجودين في هذا الموقف, فقد استحسنت الجموع هذه السُنّة الشريفة, وأخذت على عاتقها ان تنفّذها وتوصي بتطبيقها, في كل القرى وكل التجمّعات.  وقد أكّد لي, فضيلة المرحوم الشيخ ابو يوسف امين طريف, هذه المعلومات, وأضاف لي معلومة جديدة, وهي ان الشيخ الفاضل (ر) أرسل مرافقه الشيخ الى حاصبيا, ليحضر له الزوادة, ويعود كي يأكل فقط من زاده هو. وهنا قام المشايخ من القرى المجاورة فذهبوا الى بيوتهم, وأحضروا الذبائح والزاد والمؤن, لأهالي كفر سميع, تعويضاً لهم عمّا خسروه, حتى حصل هذا التحريم. وقد مكث الشيخ الفاضل (ر) عدة ايام في كفر سميع, مشاركا مشايخ القرية حزنهم,  ولما عاد  الى بلاده, نشر هذه التعليمات في كافة قرى لبنان وبلاد حلب والشام (جبل الدروز لم يكن عامرا في ذلك الوقت), واصبح هذا الامر سُنّة توحيدية شاملة, عمّت كافة القرى الدرزية, ولقيت صدى طيبا عند المتدينين والجهال وكافة السكان, وهي ما زالت سارية المفعول ومتّبعة حتى ايامنا هذه.  فكل إنسان يسافر من بلد الى بلد, لتقديم واجبات التعزية, ُيحرّم عليه تناول المأكولات والمرطبات, من عائلة الفقيد, ولا من اي مكان آخر. وفي نفس الوقت انتُهجت عادة مستحبة, إذ يقوم الأقارب والجيران والمعارف, للعائلة المنكوبة, بتقديم المأكل والمشرب للعائلة, طالما هي في موقف حداد.
وليست هذه, المساهمة الوحيدة التي قدّمتها قرية كفر سميع, للطائفة الدرزية, ففي تاريخها حصل ان الشيخ خليل طافش, الذي اسس الخلوة في القرية, توفي ولم يكن له اولاد ذكور, فتسلّم الخلوة بعده أخوه صالح وتوفي سريعا,ً فتسلّمت إدارة الخلوة إبنة الشيخ خليل طافش السيدة ام نسيب فلاح, وذلك حسب تعاليم ونصوص الحكمة الشريفة, التي لا تميّز في التقوى بين رجل وإمرأة, واصبح هذان الحدثان مثلا وعبرة يُقتدى بهما في الطائفة الدرزية جمعاء.   
 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2014 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.