spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 69
شهداء قريتي يانوح وجث
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 142
العدد 141
العدد 140
العدد 139
العدد 138


 
وظيفة الزّمّام في الدولة الفاطمية طباعة ارسال لصديق
بقلم الشيخ ابو غالب حاتم قاسم حلبي

هي وظيفة إدارية, إزدهرت في عصر الدولة الفاطمية, لكن بدايتها كانت في العصر العباسي, وتطوّرت الى  ان بلغت مكانة رفيعة في الدولة الفاطمية, حيث أنشئ ما سمي ديوان الزمام. ومصدر الإسم كما يُعتقد, انه يعود الى الفعل زمّ الشيء أي ربطه وشدّه, حيث كان العربي يزمّ خطم الجمل فيربطه ويقوده. وكانت مهمة الزمّام, فحص حسابات الدولة ومراقبة ميزانيات الدواوين المختلفة والمؤسسات العامة, التي كانت تحصل على ميزانياتها ومصروفاتها من الخزينة العامة. وتشبه هذه الوظيفة آنذاك وظيفة مراقب الدولة في أيامنا.
وإذا عدنا لندرس أسس هذه الوظيفة تاريخيا,ً نجد ان شبيهاً لهذه الوظيفة ذُكر في التوراة, عندما تاه شعب اسرائيل في صحراء سيناء, وجُمعت منهم بعض الأموال, وكان هناك من يراقب عملية الجباية وعلى ماذا صُرفت. وعّثر في أوراق البردي للدولة الفرعونية المصرية, على تقارير مالية عن الأموال وكميات القمح والمواد الأخرى, التي جُمعت من الناس, ووُضعت في مخازن الدولة, وكيف قُسّمت بعد ذلك. وفي الدولة الفارسية القديمة, وُجد هناك موظفون, أطلق عليهم لقب "عيون وآذان الملك" تجوّلوا في المقاطعات المختلفة, وقاموا بفحوص مفاجئة, وقدّموا تقارير للملك. وفي الامبراطورية الرومانية, كان هناك مجموعة من الموظفين, وظيفتهم فحص حسابات حكّام الولايات المختلفة, وتقديم تقرير للسلطة المركزية في روما. وفي الامبراطورية البابلية, كُتبت تقارير مالية على الواح من الطين. وعند الإغريق القدماء, وُجدت مجموعة من الموظفين, هدفها مراقبة حسابات كبار الموظفين. وفي الصين, وُجدت قبل ثلاثة الاف سنة, وظيفة "زايفو". كان كل زايفو موظفا كبيرا, له مكانة محترمة, يشرف على مراقبة الأعمال الاقتصادية. وفي عام 992 م أقيمت في عهد سلالة سونغ في الصين, محكمة خاصة في ديوان الملك للشؤون المالية. هذا في الشرق وفي العالم القديم. أما في اوروبا التي كانت خاضعة للجهل والتخلف والإقطاع والقرون الوسطى المظلمة, فقد بدأت علامات المراقبة الجماهيرية, بعد القرن السادس عشر. وأول محاولة من هذا النوع, وُجدت في مدينة البندقية عام 1581 حيث تأسست اول جمعية لمراقبين لنشاط الملك والمملكة. وفي عام 1658 وُجدت مؤسسات مماثلة في مدن ميلانو وبولونيا. وقد تقدّمت عملية المراقبة كثيراً في القرن التاسع عشر, إثر الثورة الصناعية, فقد تطوّرت الحركة الصناعية وأقيمت مشاغل ومصانع كثيرة, وكانت هذه المؤسسات بحاجة لإدارة, وصُرفت أموال كثيرة على رواتب ومصروفات اخرى, ولكي تُضبط الأمور, بدأوا بإيجاد وظيفة المراقب, ليشرف على عملية صرف الأموال.
وقد جاء وصف مسهب, لوظيفة الزمام في كتاب للدكتور حاتم محمد محاميد, بعنوان "التطورات في نظام الحكم والإدارة في مصر الفاطمية" صدر في القدس عام 2001 . ذُكر فيه ان مهمة الزمام في بداية العصر الفاطمي, تتركز في الأمور المالية فقط, حيث عمل الزمام مراقباً عاماً لحسابات الدواواوين المختلفة من المدخولات والمصروفات. فعندما نظّم الوزير يعقوب بن كلس, الدواواين الفاطمية سنة 978م عيّن كاتباً لمنصب الزمام ومنحه صلاحيات مراقبة الدواوين الاخرى. وبما ان مهمة الزمام كانت مالية, فإن غالبية الأشخاص الذين تولّوا هذا المنصب, كانوا من بين الخبراء والمختصين في الشؤون المالية, مثل ابن العدّاس الذي تولى المنصب عام 992م, وكانت مهمته إجراء حسابات الولايات المختلفة في مصر وبلاد الشام. وظهر كذلك محسن ابن بادوس في منصب الزمام عام 1024 وكان يعمل مراقباً لديوان الشام بهدف فحص الأموال الداخلة والخارجة منه.
وفي عهد الحاكم بأمر الله, حدث تغيّر ملموس في صلاحيات الزمام, فلم تعد مهمته مراقبة المجالات المدنية فحسب, بل اصبح مراقباً في المجالات العسكرية ايضاً. وجاء هذا التطور, عندما اشترط مدبِّر الأمور, حسين بن طاهر الوزّان, موافقته على استلام هذا المنصب, على ان يوافق الإمام الحاكم على تعيين عدة أزمّة يخدمون في الفرق العسكرية المختلفة تحت إمرته, وقد وافق الإمام الحاكم على هذا الطلب. وكانت مهمة الأزمة العسكريين هي الحفاظ على حياة منتظمة داخل صفوف الجيش, مثل تهدئة الأمور في حال نشوب فتن وتمرّدات بين العساكر, ثم تأمين دفع رواتب الجنود والعطاءات بشكل منتظم. ومنذ عهد الظاهر, أخذ منصب الزمام في المجالات العسكرية يتطور ويأخذ أهمية مميزة, عندما عُين زمام لمراقبة امور القصر, وعُرف بلقب " زمام القصور" ولأهمية هذا المنصب, فقد تولاه أشخاص اقوياء في الديوان الفاطمي. وكان كلما ضعف الخليفة, كلما زادت أهمية وقوة الأزمّة. وفي أواخر الدولة الفاطمية, أصبح زمام القصور هو الرجل القوي في العصر الفاطمي, حيث اصبح يتحكّم بأمور القصر. وفي عهد الخليفة الفاطمي الأخير "العاضد" كانت امور القصر في أيدي زمام القصور, جوهر الذي لُقّب "بمؤتمن الخلافة" وكان جوهر خصياً أسود, وكان يقف حجر عثر أمام الوزير صلاح الدين الأيوبي. وكان على صلاح الدين ان يتخلص منه كي يستطيع ان يستولي على الامور في القصر, فدبّر صلاح الدين مؤامرة للقبض على الزمام جوهر وقتله ثم عمد الى تعيين زمام جديد للقصر من قبله هو بهاء الدين قراقوش وكان هذا خصياً أبيض من غلمان القائد اسد الدين شركوة وبذلك استطاع صلاح الدين ان يتسلط على القصر ويحكم مصر.
وفي نفس الوقت الذي تحوّلت فيه وظيفة الزمام من وظيفة مالية الى وظيفة مالية وعسكرية, فقد اوجدت في الدولة الفاطية, وظائف جديدة حلّت محل وظيفة الزمام, وتركّزت في الشؤون المالية فقط. ومن هذه الوظائف وظيفة "المشارف" وبعد ذلك وظيفة "المستوفي." وكلها كان هدفها مراقبة الأعمال المالية.
يُستدل مما ذكرنا, ان الدولة الفاطمية في اوج قوتها في عهد الخليفة المعز وفي عهد الخليفة الحاكم بأمر الله, أوجدت وظيفة ادارية محترمة, تشرف على أعمال القصر والموظفين والفرق العسكرية والحكّام والولاة. وقد عُرفت الدولة الفاطمية بالثراء والمدخولات المالية الكبيرة وكان من الواجب عليها ان تجد الجهاز المناسب لكي يضمن صرف هذه الأموال حسب الاصول. ويكفينا فخراً في الشرق ان اوروبا عندما كانت تتخبط في اوحال الإقطاع والقرون الوسطى خلال مئات السنين, كانت الادارة العامة في الشرق, تزدهر وتتلألأ, وأن الغرب قد أخذ عن الشرق أشياء كثيرة وتعلم منه, وهو لم يخترع الكثير بل نقل بصورة عامة, كل ما كان متبعاً ً في الامبراطوريات الاسلامية وتبنّاه وطوره وأعاده الى الشرق الذي قضت عليه الامبراطورية العثمانية خلال اربعة قرون, وأوقعته في أوحال أصعب بكثير من اوحال القرون الوسطى.   
 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2018 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.